عبد الفتاح البرهان "جنرال في متاهة"... الصادق المهدي "سائس الأوهام" .. عمر الدِّقَيْر... توطين الشرط الأيديولوجي .. ياسر عرمان... رجل بجناحين .. "حِمَيْدِتي"... ذئب البراري في شوارع الخرطوم

قدرته على الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ والسياسة جاوزت به مناخ الاستقطاب الأيديولوجي بين اليمين واليسار بداية ثمانينيات القرن الماضي في جامعة الخرطوم. فعمر الدقير، الذي درس الهندسة في تلك الجامعة، وقاد اتّحادها الطلابي إبّان انتفاضة العام 1985م، لم يكن يراهن على ذلك الاستقطاب، حين تشكل في جامعة الخرطوم (قبل دخوله بسنوات) مؤتمر الطلاب المستقلين العام 1978م، وهو التنظيم الذي بدا له أكثر قرباً من وأبعد عن مناخ الاستقطاب؛ فوجد فيه حاضنة "سودانوية" للتفكير المستقلّ في قضايا المشروع الوطني. حيث كان لمؤتمر الطلاب المستقلين دورٌ كبير في انتفاضة العام 1986م.

العام 1986، بعد الانتفاضة التي أسقطت نظام النميري، انخرط جزءٌ كبير من مؤتمر الطلاب المستقلين في عنوان سياسي تحت مسمى "حزب المؤتمر الوطني"، الذي أطلق، ولمرة أولى، في الحياة السياسية السودانية، نقاشاً أكثر انهماماً بقضايا التفكير حول الوطن خارج خطاب الأيديولوجيا، فيما كان عمر الدقير عبر نشاطه النضالي اللافت في الانتفاضة أحد رموز ذلك الحزب الذي تغيّر اسمه في العام 2005 من "المؤتمر الوطني" إلى "المؤتمر السوداني"، نفياً لشبهة النعت الرسمي للحزب الحاكم بقيادة البشير، عقب التوقيع على اتفاقية نيفاشا وعودة الأحزاب، ثم اندماج ما بقي من مؤتمر الطلاب المستقلين مع الحزب في طوره الجديد، بعد غياب دام عشرين عاماً.

ابن الخرطوم، الذي طالما جلب الشعر في خطاب السياسة، عبر: نيرودا ودرويش ومايكوفسكي، اختبر مجاز السياسة بشرط القيمة، محرّراً لها من إكراهات وعي أوتوقراطي بليد، ومكترثاً لمعنى التسييس كضرورة لانتظام الجماعة الوطنية، وبهذا المعنى للتسييس، أصبح حزب المؤتمر السوداني، بعد ذلك بسنوات، خلية جذب حيّة لتيار الشباب في زمن سلطة ملوكية غاشمة للإسلام السياسي.

طوّر الدقير دراساته الهندسية عبر الماجستير، وقضى سنوات منفية من عمره مستشاراً هندسياً في مشاريع البنى التحتية بأبو ظبي؛ إثر إحالته إلى الصالح العام وفصله من عمله عقب انقلاب البشير عام 1989م.

توفّر الرجل على "كاريزما" مازت ثقافته العميقة وقبوله الاجتماعي بقدرة تعبيرية لافتة على صياغة خطاب رشيق، الأمر الذي جعل منه أميناً عاماً للنادي السوداني بأبو ظبي، فيما ظل كذلك رئيساً لفرع حزب المؤتمر السوداني بالإمارات.

بعد عودته للوطن، حاز الدقير عضوية المجلس المركزي لحزب المؤتمر السوداني، وحلّ نائباً لرئيس الحزب، إبراهيم الشيخ، وظل الدقير خلال نشاطه داخل الحزب يتشارك مع رفاقه وعياً نقدياً بتفكير يلامس إشكالات الهوية السودانية ويبحث جذور أزماتها من خلال منهجية تقرأ تلك الجذور عبر تناقضات خطاب المركز والهامش، الذي كان جزءاً أصيلاً من "سودانوية" الحزب.

تفاعل الدقير في المناخ المعارض لنظام الإنقاذ بحضور قوي ولافت وأداء سياسيّ استقطب حوله شباباً وشاباتٍ عبر النشاط الحزبي في الفضاء العام: الأسواق والميادين والساحات؛ مما جرَّ عليه اعتقالات مستمرة مع قيادات حزبه إثر مخاطبات جماهيرية حول قضايا الوضع السوداني. في وقت خلت فيه الساحة السياسية إلا من كوادره تقريباً، فحزب المؤتمر السوداني، كما يقول الدقير، قدّم "تجربة راشدة قوامها الديموقراطية والمؤسسية وحيوية المنهج والانحياز للعقلانية ومجادلة قضايا الواقع بخطاب وطني مستنير".

في العام 2016م، قدم حزب المؤتمر السوداني درساً بليغاً في الديمقراطية الحزبية، عندما تولّى عمر الدقير رئاسة الحزب خلفاً لرئيسه السابق إبراهيم الشيخ في مناخ حرّ عَكَس تقليداً نادراً لمعنى تبادل أدوار القيادة وفق تقديرات حرّة للحزب في ولاية المسؤولية السياسية عبر الكفاءة والقدرات.

اُعتقل عمر الدقير في مطلع ثورة 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018م لمدة شهرين ولم يُفرج عنه إلا قبيل سقوط البشير في 11 أبريل (نيسان) الماضي.

واليوم، ينشط الدقير كعضو بارز في تيار قُوى إعلان الحرية والتغيير، التي هي العنوان السياسي للتعبير عن الثورة السودانية، عبر ما يقدمه من أفكار سياسية راشدة. وهو الذي أوكلت إليه قُوى إعلان الحرية والتغيير تلاوة بيان شروطها أمام رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لتهيئة المناخ السياسي وعودة التفاوض حول تسليم السلطة المدنية من المجلس العسكري الانتقالي، وذلك عقب اجتماع قيادات قوى الحرية والتغيير مع آبي أحمد، الذي تقدّم بمبادرة أفريقية للحلّ مدعوماً من الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي، للخروج من المأزق السياسي السوداني إثر فض اعتصام 3 يونيو (حزيران) التي ارتكبتها القوات المشتركة وقوات الدعم السريع بفض الاعتصام السلمي للثوار في ساحة اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم، وهي جريمة سياسية راح ضحيتها أكثر من مئة شهيد، وتتهم قُوى الحرية والتغيير المجلس الانتقالي بارتكابها.

عبد الفتاح البرهان... جنرال في متاهة!

لولا تداعيات زخم ثورة 19 ديسمبر (كانون الأول)، التي أسقطت البشير في أبريل (نيسان) بعد 5 أشهر، ليحلّ وزير دفاعه عوض ابن عوف بديلاً انقلابياً مؤقتاً؛ لما سرَّعت الأحداث الدرامية بذلك الوجه الذي أصبح، فجأةً، في واجهة الأحداث. وجه لا يعرف الناس كثيراً عنه، ولا هو يريدهم أن يعرفوا!

وإذا ما جرت الأقدار عليه بالسكينة والقرار، لظلّ راضياً عنها. فالفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي ،الذي يقف اليوم واجهةً لعواصف خطيرة يمرّ بها السودان، ربما منَّى نفسه أن يكون بعيداً عنها، هو الذي ما عرف مساراً غير هويته العسكرية، التي لم يطق بُعداً عنها، لا في السياسة (حين رفض أن يكون والياً)، ولا في الدبلوماسية، حيث كان الجيش بالنسبة إليه جزءا من الماء والهواء، فهو ما عرف غيره ولا يريد أن يعرف.

عزوفه عن التسييس الناشط في النظام الإخواني للبشير جعله أبعد مكاناً عنه وأكثر التصاقاً بالجنديّة؛ إذ فشلت مساومات تجنيده في الحركة الإسلامية داخل الجيش ولم تكفّ "الإنقاذ" عنه إلا بمقايضة؛ غضّ عبرها طرفاً عن تسييس نظام البشير للجيش، فبدا ذلك ثمناً أبقاه قريباً من الجنود وبعيداً عن السياسة.

ما يجمعه بـ"حميدتي"، قبل عضوية المجلس العسكري، ورطتهما الحالية، ومهامهما العسكرية في دارفور قبل سنوات، حيث عاش البرهان هناك طرفاً من تجربة الأسر على يد إحدى حركات دارفور، ثم أُطلق سراحه بوساطة عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة تحرير السودان، التي تنشط عسكرياً في دارفور.

بُعده عن التسييس الإخواني داخل نظام البشير شكّل له تعريفاً آخر، زكَّى حظوظه قبيل سقوط البشير في أن يكون رجل المرحلة التي انطفأ فيها رهان الإسلام السياسي في المنطقة، ولا سيّما أن الثورة السودانية كانت معكوساً لثمرات الربيع العربي الذي نتج عن حصاده منسوبُ الإسلام السياسي. فهي ثورة كانت خصماً عن الإسلام السياسي وضده.

غموض الرجل وسكوته يعكس اضطراباً في ظنّ من يريده ناطقاً أو معبراً . فرجل الظل، الذي تعرض لشمس الأحداث ورهاناتها المزعجة، أصبح اليوم في مهبّ أقدار يتعين عليه مواجهتها وهو عارٍ عن كل ما يستجيب به لتحدياتها وضغوطها متعددة الوجهة والمكان!

البرهان، لن يكون هو البرهان، حيال ما تتكشف عنه ملفات المواجهة وتداعيات أحداث يوم 3 يونيو (حزيران) في ساحة اعتصام الثوار أمام المبنى العام لقيادة القوات المسلحة بالخرطوم؛ حيث كان فضّ الاعتصام بكتائب الدعم السريع وكتائب الظل والأمن يوماً مفصلياً وثقيلاً في إعادة تعريف البرهان ومجلسه الانتقالي. يوم سيكون كاشفاً عن مصائر لا تلبث الأيام القليلة المقبلة أن تعكس فظاعاتها لترسم مستقبلاً غامضاً لمآلات المجلس العسكري الذي يرأسه.

بين مسارين، يواجه الرجل اليوم ما سيدرجه في ذاكرة قديمة لنظام ظنّ الشعب أنه قد نجا منه مرتين، مرة حين أسقط البشير، ومرة أخرى حين أسقط من بعده الفريق عوض بن عوف، ليواجه استحقاق إسقاط ثالث حيال مصير البرهان الذي ما زال غامضاً!


الصادق المهدي... حين يكون التنظير عبئا

المجلس العسكري... نهاية ألعاب الوقت!
مواجهة الأحداث لا يعني بالضرورة صناعتها، وصناعة الخطايا السياسية في الوقت والمكان الخطأ لن يكون تفصيلاً عابراً حيال رود فعلها الداخلية والخارجية!

كانت حسابات المرحلة السياسية للثورة أكبر من قدرات رجل الظل، الذي عجز عن تدابيرها بسياسات معقدة، فلجأ إلى ما هو عنيف وبسيط، مستعيناً بخبرات ليست في ميدانها. وإن تمثّل في ذلك مثالاً خارجياً لا يجوز إسقاطه عبر تمارين دموية في ساحة اعتصام القيادة العامة بالخرطوم!

ليست خبرة السياسة كإدارة الجند. ومن يظنّ ذلك يسقط في الفخ لا محالة.

بين احتمالين، اختار البرهان انقلاباً ظنّ أنه ناجٍ به يوم جرّب مباهج السلطة ونفوذها وغرورها مع نائبه "حميدتي" شهرين كاملين، مؤكدا بذلك أن السمّ ربما يكون دسماً في أغلب الأحيان، فمن ذاق السلطة في بداياتها لن يكفّ عن طلب المزيد في السودان، إلا الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، رحمه الله.

ياسر عرمان... رجل بجناحين

تعبيرات الوعي النسقي، عادةً، لا تكفّ عن كونها مثالات وهمية حين يرهن صاحبها وعيه لتمثيلات قائد تاريخي لا فكاك من طغيانه الآسر!

ربما كان الأستاذ ياسر عرمان، الناطق الرسمي للحركة الشعبية قبل انفصال الجنوب، والنائب الحالي لرئيس الحركة الشعبية قطاع الشمال (جناح مالك عقار)، أحد الذي ظلوا يضمرون تماهياً مع تمثيلات القائد التاريخي "جون قرنق" حول هويّة السودان الجديد وتعبيراتها النظرية.

ذلك أن عرمان، إذ ظلّ يستبطن قائده "قرنق"، في مسار نضالي طويل، كان يمارس إسقاطاً لِظلٍ تماهى معه تمثيلاً (لا تمثَّلاً) فكان لا فكاك من الوقوع في تمثيلات القائد الأصل، بطبيعة الحال، ما يعني اختباراً نسقياً لتجديد مواقف لا تقبل النسخ!

لا نتحدث هنا عن الإرادة والطموح، أو التجريب الدؤوب، أو القدرة على نسج العلاقات السياسية الناجحة والتعبير عن الأفكار، وهي صفات طالما تميز بها ياسر عرمان في نضاله المديد؛ منذ أن كان عضواً في الحزب الشيوعي السوداني أواسط ثمانينيات القرن الماضي، بقدر ما نشير إلى تمثيلات لنموذج لا يمكن أن يتجسّد إلا مرة واحدة، بحيث تكون محاولة إعادة تجديده ضرباً من الوقوع في فخ التقليد الذي لا يضيف جديداً. فحكمة جون قرنق، وألمعيته الأكاديمية، وروحه المرحة، وقدرته على أسطرة التاريخ، وكاريزما القيادة؛ ظلت مرتقى عصيّاً لياسر عرمان وعبئاً لم يفارق عقله الباطن.

كانت ترتيبات ما بعد اتفاقية نيفاشا بين الحركة الشعبية ونظام الإنقاذ في العام 2005 تجريباً كشف عن طبيعة القيادة الصورية التي استشرفها ياسر عرمان، ولا سيّما حين طرح نفسه مرشحاً لرئاسة جمهورية السودان عن الحركة الشعبية في انتخابات العام 2010م ببرنامج طموح غرَّر به آمال شباب طامحين للسودان الجديد، في الوقت الذي كان يعلم فيه علم اليقين عبثية الترشح عن حركة كانت تغادر أرض الوطن صوب تأسيس وطن جديد في الجنوب؛ الأمر الذي ترك غصّة في قلوب شباب وشابات الحركة الشعبية في الشمال، نتيجة للوهم الذي باعه لهم ياسر عرمان.

بعد انفصال الجنوب في العام 2011م، كان واضحاً أن مصير الحركة في الشمال لن يكون كما كان قبل الانفصال، ولهذا كان لا بدّ من القناعة بأن رجحان الفعل السياسي المدني المعارض بـأساليبه المختلفة (رغم انسداداته الظاهرة) هو الخيار شبه الوحيد، وأن حمل السلاح (على ما اختارت الحركة الشعبية قطاع الشمال) ما لم يكن ضمن منظومة رؤية استراتيجية وقراءة مركبة للواقع من ناحية، وإجماع لقوى حزبية متنوعة ومنعكسة على خريطة الوطن كافة من ناحية ثانية، سيصبح خيارا عدمياً، وبلا رؤية تقريباً، لهذا كان على الحركة الشعبية، بعد أن فكّت ارتباطها بالجنوب إثر عملية الانفصال، أن يكون من المقتضيات المنهجية والاستراتيجية لفك ذاك الارتباط تغيير استراتيجية العمل المسلح واعتماد استراتيجية سياسيّة مدنيّة للنضال من قلب الخرطوم. وتجنب هذا الخيار من طرف الحركة أضاف تعقيدات جديدة مدّت من عمر نظام الإنقاذ في الخرطوم لأنه خيار مناسب جداً لطبيعته العسكرية.

بعد الانقسام الأخير للحركة الشعبية، بين جناح عبد العزيز الحلو (الجناح الأكثر تمثيلاً لأعضاء الحركة) وجناح مالك عقار، الذي يشغل عرمان فيه نائب الرئيس، بدا ياسر عرمان أكثر اغتراباً عن هويته النضالية التي عرف بها طوال انخراطه في الحركة الشعبية. وصار أكثر دبلوماسيةً وظلّ يجرّب في نسج التحالفات إلى أن استقر في تحالف "نداء السودان"، وعاد إلى الخرطوم بعد الثورة ضمن قوى إعلان الحرية والتغيير، حتى تم اعتقاله عقب أحداث فض اعتصام القيادة، ثم إبعاده ورفاقه من السجن إلى دولة جنوب السودان.

منذ عودته من المنفى إلى السودان قبل 3 أسابيع أطلق ياسر عرمان علامات استفهام كثيرة عبر المواقف التي عبّر عنها؛ فتارة يقول إن المجلس العسكري هدّده بتجديد حكم إعدام سياسي قديم نحوه، وتارة تظهر له صور مسرّبة مع أعضاء المجلس العسكري، مع بيان من ياسر يؤكد فيه تسوية أوضاعه مع المجلس، وأخيراً اعتقاله ثم إبعاده إلى جنوب السودان في ظروف غامضة ودون أي تفسير منه أو من المجلس العسكري!

ربما ظلّ ياسر عرمان شارحاً وفياً لأفكار قائده جون قرنق، دون أي قدرة على الإضافة التي تمنح صبغة ذاتية لأفكاره، رغم بعض التجريب الضار لعرمان في حقول لا علاقة له بها، كالشعر مثلاً.

وإذا ما بدا عرمان اليوم ذا تاريخ نضالي وشهرة دولية كشخصية بارزة في المعارضة لأكثر من ثلاثين عاماً، فلأن ذلك يعتبر جزءاً من تلك الحالة التي تدرجه في المنزلة بين المنزلتين: أي في كونه قادراً على صياغة الأفكار السياسية، دون أن يكون منتجاً لها!

محمد حمدان دَقْلُو "حِمَيْدِتي"... ذئب البراري في شوارع الخرطوم

لن يكون مجازفاً من لم يختبر حيوات كثيرة! ربما تفسّر لنا هذه العبارة طرفاً من حياة محمد حمدان دقلو، الشهير بـ"حميدتي"؛ التي عاشها قفزاً بشروط معادلة صفرية. فليس في صوته، الذي تُذَكِّر بُحَّته بنبرة شيوخ خلاوي دارفور، ما يكشف عن ضميره المتحفّز للمزايدة الدائمة على رهان حياة الخطر تلك.

هكذا نشط حميدتي، من تجارة الأبل عبر براري غرب السودان بين تشاد وليبيا والنيجر، ليتغير مساره فجأة، مرة وإلى الأبد، إثر كمين لِقُطّاع طريق أودى بحياة شقيقه في العام 2002م، مما حدا به إلى الانضمام لقوات حرس الحدود التي كانت تسمى "الجنجويد" (جماعات الرعب العربية التي سيّس بها نظام البشير الحرب في دارفور بأقصى طاقات القسوة). اكتشف حميدتي عالماً مختلفاً.

وفي ظل تداعيات كثيرة على وقع مأساة دارفور وحروبها، أنهى حميدتي بقوات الجنجويد التي تولى قيادتها فيما بعد، فصل الحرب الأهلية هناك، ليُرحِّل كتائبه بأمر البشير إلى مناطق نزاع أخرى في النيل الأزرق وجبال النوبة.

ظلت شهيته المفتوحة على المركز في الخرطوم لا تكفّ عن الطلب، ولطالما عسكر بجنوده في ضواحي الخرطوم أياماً طويلة طمعاً في لقاء البشير دون جدوى، لكن مع كثرة الطلب وطول الإلحاح وجد حميدتي فرصته، وكان لقاؤه بالبشير حدثاً فارقاً في حياته، أدى إلى تبادل أطماع واضحة بين الرجلين، حيث أدرج البشير قوات حميدتي بعد انتهاء الحرب في دارفور تحت مظلة الأمن، وسميت بقوات "الدعم السريع"، وكان واضحاً تماماً أن البشير أراد منها أن تكون ذراعاً تمنع عنه الجيش.

لكن هذه الذراع هي التي قُطعتْ عنه ومنعته السلطة حين احتاج إليها، وشاركت في عزله مع تنامي الحراك الثوري الذي أطاحه في يوم 11 أبريل (نيسان) الماضي. فبدا حميدتي يومها، عند البعض، بطلاً بامتناعه عن فضّ اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم حيث اعتصم مئات الآلاف، منذ يوم 6 أبريل (نيسان)، ولطالما بقي البعض محتاراً حيال حالة حميدتي في عصيانه للبشير. حيث ظن كثيرون أن قواته التي خلقها البشير وآواها إلى الخرطوم، لم يكن يُظَنُ أن تخذله أبداً لا سيّما وأن ذاكرة هذه القوات في دارفور اقترنت بتسييل عنيف للدم وجرائم حرب تقشعر لها الأبدان.

لكن ما ليس ملائماً لن يكون دائماً. إذ سرعان ما عادت قوات الدعم السريع إلى طبيعتها فجر يوم 3 يونيو (حزيران) لتستبيح ساحة اعتصام الثوار أمام مبنى القوات المسلحة في الخرطوم، قتلاً واغتصاباً وانتهاكاً للثوار والثائرات بطرائق لا يطيقها بشر وعبر نزعات غريزية كشفت عن قبح الأيام المقبلة.

اليوم، هناك تسريبات في الخرطوم عن خداع لئيم تعرض له حميدتي من بقايا فلول البشير من كتائب الأمن والظل، فبدا "ذئب البراري" جزءاً من مشهد دارفوري لقواته في قلب الخرطوم، حيث تشير أصابع الاتهام إليه دون غيره في بربرية أحداث يوم الاثنين الدامي، وسط دعوات لمحاكمته بجرائم ضد الإنسانية.

لن يبقى حميدتي في هالة الأيام القصيرة التي لمع فيها حتى انطفأ في ليلة "الغدر"، وهو اليوم، إلى جانب رئيسه عبد الفتاح البرهان، فائضان عن حاجة الحياة السياسية لمستقبل السودانيين، ويخوضان في ملعب الحرب الفاشلة من داخل الخرطوم ضد ثورة أسقطت معلمهما بضرباتها السلمية الموجعة.

الرجل القوي في الخرطوم يخوض حرب الأيام الأخيرة في أوحال الملعب الخطأ. فمصدر قوته لا يفيد مع ثورة سلمية تحدِّق فيه فيما هو يقتل ويضرب ثواراً مسالمين دون أي رد فعل مساوٍ في القوة ومضاد في الاتجاه كما يتمنى. وسيحتاج إلى دماء كثيرة ليكون وحده على هيكل خراب لن يجد فيه من يحكمه.. وذاك مستحيل!

الصادق المهدي... سائس الأوهام

مضى وقت طويل، فيما هو يرهن خطابه السياسي بتنظير افترض فيه دائماً افتراضات متعددة الوجهة والمكان، لينحو بذلك إلى ما يُظنُّ أن لديه فيه قدرة خارقة على الفهم، مختبراً، في كل مرة، ما يكشف فقط عن انحيازات ذاتية في التأويل! هكذا ظلّ الصادق المهدي يعّوم سردياته بوحي من تأويلات خاصة تضمر زعماً يقول لسان حاله "أن ما في تنظيره ليس مما هو في غيره من البشر!".

ومن عرف تفاصيل الحياة السياسية للصادق وأسرارها الصغيرة، فضلاً عن نتائجها الظاهرة على مدى نصف قرن من السياسة، يكاد يجزم اليوم بأن عود الأمس الناضر بالأوهام للسيد الصادق أصبح اليوم أكثر صلابةً ورسوخاً على أساسه القديم!

هو لا يقبل أحداً غيره قائداً له في التنظيم والتنظير، كما لو أن لسان حاله يردّد "الملك عقيم"، لكنه لا يعلن ذلك، ولا يُعير اكتراثاً لهوية العمل الجماعي كأداة ضرورية لرؤية متعددة الزوايا في الشأن العام إلا بوصفه إجماعاً يخضع لقراره!

رهان التحدي عنده أكبر من رؤية الحقيقة، ومغالبة الأنداد هي خلفية الإدراك الدائم لمناخ العمل السياسي، فيما انفصال الشعور يغريه تحت الأضواء الكاشفة لأن يكون أحيانا أكثر قابليةً لنسيان المبادئ المتصلة بتاريخه السياسي!

اليوم، في ظلّ الثورة السودانية الثالثة التي يشهدها، يستعيد المهدي أدواته المجربة في فصول السياسة السودانية، معيداً إنتاج ما هو مجرّب: القياس على الذات، تحدي الآخرين في إنكار الحقائق، السباحة عكس التيار، تبديل المواقف بزعم الحكمة، وانتظار ما لا ينتظر.

بين منطقي النسبة والتناسب، يقيس الصادق المهدي قياساً واحداً، فيخلط أحكام القيمة بأحكام الواقع المتحركة، ودائماً بزعم بعد النظر، فيما هو يضمر بذلك الإطلاق رغبات دفينة لمطلق الاختلاف الذي يعني ذاته المرجعية أكثر من أي اعتبار آخر ولو كان وازناً وحصيفاً!

لا يملك المهدي تقاليد الاعتراف والاعتذار (كصهره المرحوم حسن الترابي) لأن تنظيره في محل القضايا الكلية النظرية المصمتة لا بد أن يكون ترياقا مطابقاً في محل القضايا الجزئية السائلة.

هكذا يريد الصادق جمع القوى السياسية السودانية اليوم كافة لاستلام السلطة غداة أحداث ارتكبتها السلطة ذاتها ولم تجفّ دماء الضحايا بعد، ويقبل بانتخابات مبكرة وهو يعرف أنها تجلب الدقيق إلى طاحونة الثورة المضادة، ويستبق زعماً أن العصيان المدني "غلط من شأنه تصعيد الأمور"، فيما العالم كله يشهد صبيحة يوم العصيان ما يناقض زعم الصادق! ثم يلحّ على تبديل منصة تنسيقية قوى الحرية والتغيير إلى مجلس رئاسي يطمح لقيادته!

من شأن الشدائد أن تكشف الحقائق، وفيما تخوض الثورة السودانية الثالثة فصلها الجديد في معركة كسر عظم حول رهانات الحرية والديمقراطية والعدالة؛ فإن عناوينها تلك تصبح اليوم في ظل ثورة المعلوماتية والاتصال أقرب إلى دائرة الفهم والضوء في نفوس شباب عنيد، وأبعد من أزمنة القرن العشرين التي مارس فيها الصادق المهدي رهاناته السياسية في أوضاع سمحت تجريباً ومغامرةً بما لا تسمح به اليوم أوضاع الحياة على السودانيين وتلجئهم قسراً إلى الخروج من ضيقها عبر نفق الثورة.

سيكون رهان الصادق على مصداقيته وألعاب "البولوتيك" التي ظل يمارسها زمن "السيدين" أكثر كلفةً ومخاطرة حيال مستقبله السياسي اليوم، وهو ما بدا قيد التشكل لدى قطاع واسع من شباب الثورة السودانية وناشطيها حول ما رشّح من مواقف عجيبة للمهدي في مقارباته لقضايا الثورة والسياسة في السودان!

نقلا عن اندبندت عربية