قد قيل: إنّ أكبر لعنة في الصين القديمة كانت أن يقول لكَ لاعنُك:" أَلعنُكَ وأتمنى أن تُولد في عصرٍ مُهم". ولمَّا كان الصينيون القدماء يقولون بنوعٍ من تناسخ الأرواح، أي كانوا يتصورون أن الشخص سيُبعث مجدداً إلى الحياة الدنيا بعد موته، فأرادوا له، بهذه اللّعنة القاسية، أسوأ حياةٍ ممكنة عند معاودته الحياة فتمنوا أن يُبعث ذلك المسكين في عصرٍ مُهم، أي عصرٍ يشهد تحولاتٍ وآلاماً كبيرة. ونحن نعيش اليوم في السودان هذا العصر المُهم تماماً. وأكثر ما يُحزن في هذا التحول الشاق الذي انجزه شعبُنا بجدارة أن تنغـرس جَرّاءَه بعضُ نُخبنا في فهمٍ تآمري للتاريخ يُخطئ في التوصيف الصحيح لطبيعة الصراع، ليُعيد بذلك انتاج الأزمات الحربائية التي أضاعت بلادنا وانتهت بها الى الكارثة التي نَعيشها اليوم. من هذه الخطابات ما تفضّل به الأستاذ فتحي حسن عثمان (مادبو) في مقاله الموسوم ﺑ: «صراع القوي الاجتماعية في السودان: حميدتي ونُخب الوسط والشمال النيلي»، فبالإضافة إلى أن المقال، من وجهة نظري على الأقل، عبارة عن قراءة تآمرية طويلة للتاريخ تصلح أساساً للتحشيد السياسي ولا تصلح، في جزءٍ كبيرٍ منها، لشيءٍ غيره، مما ذكَّرني بمقالٍ طريف لمجلة المشاهد السياسي أحسن توصيف هذه الحالة في الثقافة السياسية العربية عموماً بعنوان "نظرية المؤآمرة: غذاء الروح العربية "، ومقال الأستاذ فتحي موضوع الحديث، في نفس الوقت، تَـنكّرٌ صارخ لعلم التاريخ وللمنطق والعقل للسليم في كثيرٍ مما كتب، وبالطبع لا أعني هنا كلّ ما كتب الرجل، فقد أصاب الحق في كثيرٍ من المَواطن.

فبدلاً عن تذكّر الطبيعة الاستعمارية للدولة في السودان التي شكّلتها أحداثُ الأعوام 1821 و1898 و1956 على التوالي بضمّها لهذا النسيج السوداني المتباين في كتلةٍ سياسيةٍ واحدة لم يُكن لأبنائها كبير يدٍ في تشكّلها، رغم العلاقات الاجتماعية والحضارية والمُثاقفة القوية التي نشأت بعد ذلك، ذهبَ، عفا الله عنه، إلى توصيف الصراع في هذه الدولة المُشكَّلة استعمارياً كتآمرٍ أبدي من نُخب الوسط والشمال النيلي على الآخرين من مواطنيهم. ثمّ أردفَ بوصف هؤلاء المتآمرين الأبديين بأنَّهم ينتمون إلى قبائل بعينها، وأسماء هذه القبائل هي: الجعليين والشايقية والدناقلة والبديرية، وهذا مما بتنا نسمعه كثيراً هذه الأيام. فوصف، هذه النُخب ومن ورائها القبائل التي تنتمي إليها، بأنّهم خُدَّام المستعمر وبأنّهم انضموا إلى جيش هيربرت كتشنر، مستشهداً في هذا السياق بكتاب «حرب النهر» لونستون تشرشل الذي حضر موقعة كرري، وثمّ استرسل إلى القول بأنهم حرَّضوا المستعمر، هكذا، لمنع قراءة وتداول راتب المهدي، كأنَّ المستعمر سامعٌ مطيعٌ لتوجيهاتهم وأمانيهم، مع العلم بأن أول خطوة كان سيفعلها أي غازٍ للسودان من تلقاء نفسه، هي تحريم تداول هذه الكتب والمنشورات. وها هو ذا الاستعمار الأمريكي الحديث ووكلاؤه العراقيون قد حرّمَوا تداول كتب البعث في العراق بعد صدام حسين، عليه رحمة الله. الاستعمار الذي لم يكن، عندما حرَّم قراءة الراتب، قد حدّد بعد القوى الاجتماعية التي يريد أن يتعاون معها، تلك القِوى التي لم تتبلور إلا في بداية الحرب العالمية الأولى وبداية ما عُرف بالحكم غير المباشر فيما بعد العام 1920 فصاعداً، وكان من بين هذه القِوى بعضُ من أثنى عليه الأستاذ فتحي وكال لها المديح كقوىً وطنية ناطحت الاستعمار أولاً ثم تحالفت مع الهامش المُتصَور بآخرة في مرحلة دولة ما بعد الاستعمار.

وَرد في مقالة للسير أنقُس جيلان بعنوان "دارفور، 1916" في مجلة السودان في رسائل ومدونات، المجلد رقم 22 العدد الأول صفحة 6 و7 ما يلي: "كان الرزيقات على وشك التمرّد المفتوح [على السلطان علي دينار]، وكان يتطلب استخدام كل الحَزْم والدبلوماسية المتاحة لهذا الناظر العظيم والذكي، موسى مادبو، لكي يُبقي قبيلتَه تحت السيطرة حتى يَعلمَ نوايا حكومة السودان [تجاه علي دينار]، ونداء موسى المثير للشفقة للحكومة والقاضي بإرسال "حتى ولو شاويش واحد" لإظهار أنه يقف إلى جانبهم [أي إلى جانب حكومة السودان الاستعمارية] تم الرد عليه في سبتمبر بقرضٍ من 300 بندقية ريمنغتون مع 30.000 طلقة ذخيرة، ولكنه حُذِّر (وأطاع النصيحة بأمانة) بعدم التحرّك دون أوامر."

وفي ذات المقالة صفحة 4 ورد التالي: "غير أن نوايا السيطرة الاسمية على حدوده لم تكن الشاغل الوحيد لعلي دينار. ففي الجنوب الشرقي كان الرزيقات، على الرغم من أنها قبيلة مُدرجة سياسياً في نطاقات حكمه، إلا أنهم كانوا دائماً شوكةً في جسدِه، وكان موقفُهم يتأرجح دائماً بين المقاومة النشطة أو السلبية لسيادتِه عليهم، وطالما كانوا في السابق يميلون إلى للمقاومة النشطة له في أكثر من مناسبة. أما قبائل البقَّارة الأخرى فقد كانت تُعدِّل مِن ولاءَتها لتتماشى مع الفرص المتاحة لها في الوقت الراهن." وأنظر صفحة 23 من ذات المقال لجيلان لتعرف مشاركتهم الفعلية أثناء الحملة بعد أن أطلق عليهم الإنجليز أسم القبائل الصديقة. وراجع، في ذات الخصوص وبتفصيل أكبر، مشاركة مجموعات البقّارة في هذه الحملة في كتاب: «علي دينار، آخر سلطان لدارفور، 1898-1916»، لآلان بوكان ثيوبولد، وكذلك راجع كتاب إبراهيم، أحمد عثمان محمد (1985): «أزمة الحكم البريطاني في جبال النوبة 1898-1947»، منشورات كلية الدراسات العليا، جامعة الخرطوم: 15- باللغة الإنجليزية)، لترى كيف تفرّقت بمجموعات البقَّارة السُبُل في دعم الثورات التي أشعلها أهلنا النوبا في جبالهم ضدَّ الحكم الأجنبي على أراضيهم، فبينما تعاونت أقسام من العرب البقَّارة المحليين ضد ثورة السلطان عجبنا (1918) دعمَ المسيرية بقيادة علي الجبوري ثورة الفكي علي الميراوي وصبيان ميري بالسلاح والذخيرة وساهموا في تهريبه أثناء خريفٍ صعب من سجنه في تلودي إلى معاقله الحصينة في جبال ميري.

بماذا يمكننا أن نُفسِّر، إذن، تعاون هؤلاء "الوطنيين" مع سُلطات الاحتلال الأجنبي لوطنهم، سواءً أولئك الذين ذكرهم تشرشل وأولئك الذين ذكرهم جيلان، وواضح أن الطريق الوحيدة لفهم السلوك السياسي لهذه المجموعات هي أنهم كانوا يتصرفون وفقاً لثقافة سياسية تقوم على فكرة سيادة القلبية كأساس للشرعية في بلدٍ لم يكن في ذلك الوقت قد تأسس بعد، ولا يزال يعاني إلى الآن من القبلية كأحد وسائل التحشيد السياسي التي تستخدم كثيراً حتى ضد الهوية الوطنية الجامعة نفسها. علينا ألا ننسى أن فكرة القومية السودانية نفسها فكرةٌ حديثة إلى حدٍ كبير، إذ أن الظهور الأول لها كان مع جمعية الاتحاد وحركة اللواء الأبيض ومؤتمر الخريجين لاحقاً في القرن العشرين. لذلك كانت هذه المجموعات كلها تتصرف وفقاً لمصالح القبلية المعينة في الوقت المُعين في ظل ثقافية سياسية لا تُـقيم كبيرَ وزن لخطورة التعاون مع الأجنبي ضد ابن البلد حيث كانت تشيع في ذلك الوقت فكرة الإمبراطوريات على المستوى الدولي وتسيطر فكرة القبيلة على المستوى المحلي، في السودان خاصة.

ثم ذكر الأستاذ فتحي بأن هذه النُخب النيلية، التي سمّى قبائلها، يجنحون إلى محاكمة المهدية كمكون اجتماعي، يقصد كُتلةَ القبائل التي أيدتها من غرب السودان، دون اعتبار السياق التاريخي، وتناسى هو وضعَ هذا السياق التاريخي في مكانه الصحيح من الصورة عندما تجاهل الطريقة التي نُسجت بها خيوطُ سيطرة هذه النخب، التي تنتمي في الأساس إلى "جهة الوسط" وليس إلى قبائل الوسط، وهي سيطرة لعبت فيه الصدفةُ الاستعمارية العامل الأكبر والأهم، فليس هم من طلب إلى عثمان جركس باشا البرنجي وإبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا خديوي مصر، الانتقال بالعاصمة من ود مدني إلى الخرطوم القديمة واتخاذها عاصمة في العام 1983 وما بعده. كما أنّهم لم يكونوا هم الذين استحدثوا نمطاً من التنمية النسبية في المناطق التي تتمتع بإمكانات زراعية وخبرات زراعية كبيرة من البلاد تصادف أنّها في حوض السودان النيلي الذي أُنشئ فيه مشروع الجزيرة الذي كان الهدف منه الصرف على حكومة السودان بدلاً من الاعتماد على الخزينة المصرية الذي استمر لغاية العام 1914. ولا كانوا هم مَن أوصى بربط هذه المنطقة بالذات بالعالم الخارجي بالطرق والتلغراف ولا مَن أنشأ الطُرق والجسور وغيرها في هذه منطقة دون مناطق السودان الأخرى. فتطورت، نتيجةً لهذا النشاط الاقتصادي والاجتماعي، في بها المدارس والمرافق الصحية، وهي ذات المدارس التعليمية التي أنشأها الإنجليز في طقَّتْ ووادي سيدنا وحنتوب وبخت الرضا بالإضافة إلى كلية غوردون التذكارية بالطبع.

وعندما أخذت النخبُ النيلية في ذلك الوقت تتخرجُ أرسالاً مِن معاهد العلم هذه، كان معظم السودان، غير النيلي، في مرحلة المناطق المقفولة التي بدأت السلطات الاستعمارية تطبيق قانونها في العام 1922 واستمر العمل بها إلى العام 1946: ويربط الناس عادةً قانون المناطق المقفولة بجنوب السودان وجبال النوبا فحسب، مع أنها شملت مناطق أكبر من ذلك بكثير: كانت تضم كل دارفور وكل جنوب السودان السابق وكل جنوب كردفان وكل النيل الأزرق وأجزاء واسعة ومهمة من شرق السودان، راجع كتاب أيوب بلمون «الشعوب والاقتصاد في السودان من عام 1884 إلى عام 1956: تاريخ من المآسي الإنسانية على النيل»، فقد أورد فيه خريطة مفصلةً بالمناطق التي كان يشملها القانون سيء الصيت. وكانت الإدارة الاستعمارية حائرةً، كل هذا الوقت، في طريقة التعليم المثلى التي يجب أن توفرها للناس في هذه المناطق، الذين كان "تخشى عليهم" وتعمل على "حمايتهم" من الجلاّبة سكان السودان النيلي، الذين كانوا في ذلك الوقت مُجردين من كل سُلطة. بينما كانت في حيرتها تَتذبذب كان الناس في السودان النيلي يتقدمون في مضمار التعليم والوظائف العامة ولانفتاح على العالم، تلك الوظائف العامة التي شغلوها أيام السودنة بمؤهلاتهم كما قال تقرير أحداث الجنوب الذي صدر في العام 1956 بواسطة لجنة القاضي قطران (من أصول مسيحية سورية) قاضي محكمة جنايات الخرطوم وعضوية كل من خليفة محجوب مدير مشاريع الاستوائية - وكان قمنداناً للبوليس سابقاً - ولوليك لادو أحد زعماء قبائل الجنوب وهو من مجموعة الباريا. كوَّن هذه اللجنة الشيخ علي عبد الرحمن الضرير وزير الداخلية في حكومة إسماعيل الأزهري في أكتوبر 1955م. وقال التقرير عندما ناقش مسألة السَودنة، كأحد أسباب الغُبن المُفضي للأحداث، أن لجنة السودنة قد طبّقت القانون "حرفياً"، ولكن لم يكن عندها من الحصافة ما يجعلها تُدرك أهمية إتاحة فرصاً للسودانيين الآخرين الذين لم ينالوا حظاً من التعليم باعتبار أن اهمالهم كان سوف يتسبب، بالقطع، في غبنٍ كبير لهم كأشقاء في الوطن. وأُضيف هنا من عندي أن ذلك كان بسبب الاضطراب في سياسة التعليم التي فرضها الاستعمار فحرم مناطق واسعة من السودان، جراء سياسات المناطق المقفولة، من المشاركة في إدارة البلد لاحقاً. وبالطبع فإن هذا الواقع الاستعماري لا يعفي هذه النُخب من مسؤولية التقصير و"عدم الحصافة" كما أورد التقرير نفسه، وأنا هنا لا ألتمس لهم عذراً من أي نوع وإنما أكتفي بذكر الظروف الموضوعية فحسب.

من جانبٍ آخر، فإن النظرة السالبة لمجموعات الغرب التي تعاونت مع المهدية، يجب أن تُفهم في السياق الموضعي أيضاً في ذلك الزمان، لاسيما في ظل حالة التعبئة المتواصلة التي خلقتها الدولةُ المهدية. وبالمناسبة فإن كلمة "تعاونت" هنا لا نقبلها إلا تجاوزاً، فقد ضربت المهديةُ القبلية في كل مكان ومارست التصفية المقصودة لكل الولاءات الدينية والقبلية التي ارتأت أنَّها تُشكل منافساً لها، فضربت المسيرية وقيادتها في غربي كردفان، كما ضربت الرزيقات وأعدمت موسى ولد مادبو شيخها، كما أفقرت الكبابيش وشردتهم وأعدمت قياداتهم ممثلين في الشيخين التوم وصالح في الأبيض والشيخ أبراهيم في أبيار الصافية شمال كردفان في مناسبتين مختلفتين. ويثبت كتابُ «تاريخ كردفان السياسي في المهدية» لعوض عبد الهادي العطا الكثير عن سياسة الدولة المهدية تجاه القبائل عموماً في هذا الإقليم الواسع، حيث كان ضرب العديد من القبائل وقياداتها في كردفان تجاوباً مع استهداف البناءات القبلية في مناطق السودان كافةً حيث اضطرت قبيلة الضباينة مثلاً إلى الهروب بثروتها لأثيوبيا، كما أُعدمت قيادات البطاحين، إلى غير ذلك من الحوادث التي عليك أن تعود إليها في أماكنها من تاريخ تلك الحقبة، لأن المقام يضيق عن حصرها في هذه السانحة.

ومهما يكن من أمر فإن هذه النظرة السالبة للتعاون مع نظامٍ بائد لم يسلم منها أهلنا الشايقية إلى اليوم، فقك كان أجدادهم قد تعاونوا مع الحكم التركي في السودان وأصبحوا، في الفلكلور السوداني، يوصفون بصفاتٍ معينة ليس بالضرورة أن تكون صحيحة، ولكنه كان ثمناً دفعوه لارتباط أجادهم في فترة باكرة بنظام السابق. وقُلْ مثل ذلك على الطائفة السُنية التي اعتبروها بعد الغزو الأمريكي للعراق متعاونةً مع نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين وذلك لإخراجها من المشهد السياسي العراقي، وهي ذات النظرة التي يُعاني منها الأمهرة في أثيوبيا الذين اعتبروا حكّاماً على عهد الامبراطور هيلا سيلاسي وهكذا دوالَيكَ. ومن ذلك مثلاً ما تعتقد أنت، وصرّحت بذلك فعلاً، من أن نظام الإنقاذ كان يُمثل الشمال النيلي، مع العلم بأن المظاهرات المستمرة في هذا الجزء بالذات من السودان هي التي أسقطت حكم الإنقـاذ الذي تطاول، مع تقديري التام وفخري بنضالات كل الشعب السوداني في كل المناطق منذ أن أظلم علينا ليلُ الإنقاذ البهيم. بيد أنَه وجب التنبيه هنا إلى أن الحركات المسلحة التي انتهجت القوة سبيلاً لمقارعة النظام لم تشكّل قط تحدياً حقيقياً له، بل لعالها زادته قوةً لأنه كان يتخذ هذه الحروب التي لم يكن يتضرر منها قادتُه البتة، يتخذها وسيلةً للتعبئة المستمرة والاعتذار الجاهز عن فشله في مضمار العمل التنموي بالقطر كما رأينا فعلاً، فهل ثارت هذه الجموع في هذه المناطق ضد نفسها وقدّمت الشهداء كي تزيل سلطةً تمثُـلها؟ لا أعتقد أنهم بهذا الغباء!

أما فيما يتصل بالفريق حميدتي، فأنت تعلم أنَّه لم ولن يمثل الهامش في يوم، تلكَ مجرّد أمانٍ يلهج بها اليوم الذين لا يعلمون أو أصحاب الغرض من الناس. ذلك لأن الفريق حميدتي هو صناعة المركز الفاسد في تمثلاته المختلفة بامتياز، وكان كلبَ حراسته (watchdog) الوفي في دارفور لمدةِ خمسةَ عشَرَ عاماً كاملة، والناس في المركز لا تقفُ ضدّاً له اليوم إلا لأنّه يُماطل في تسليم السلطة التي جاءته ومجلسَه عَفواً، ذلك المجلس، الذي هو بالمناسبة، اللجنة الأمنية لنظام البشير التي قررت التخلي عن ربّها انحناءً للعاصفة. وها هي قوات الرجل في العديد من المدن اليوم تفعل ما كانت تفعله في دارفور من قتلٍ وسحل وترهيب واقتحام للبيوت وثّقته الكاميرات وتناقلته فضائيات العالم. لقد أعادت قواتُ الرجل استنساخ ممارساتها بدارفور في المناطق النيلية بالكربون كما يقولون، تلك الممارسات التي وثّقت لها أيضاً العديد من تقاريرِ الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي والمنظمات الوطنية والإقليمية، إضافةً إلى عشرات الفيديوهات والشهادات للذين نجوا من تلك التجاوزات في دارفور. فبدلاً من أن تستغرب رفضنا، في المركز النيلي، للقبول بالسيد الفريق حميدتي، لنستبدل بهذا القبول جنرالاً بجنرال، وما نظنُ أنَّه هدفٌ أُرِيقتْ لأجله كل تلك الدماء، عليك أنت، بدلاً من ذلك، أن تَساءل نفسك: لماذا أصبح الفريق حميدتي، صنيعة النظام السابق ومُنفِّذ جميع مآربه وخططه في دارفور، فجأةً هكذا حبيباً إليك وإلى مئات النشطاء من دارفور الذين شكَوا بالأمس القريب إلى "طوب الأرض" من وَطأَةِ سيفِه الجُراز؟
يُتَّبـع


الغفاري فضل الله السيد