اعتبر أحد الأصدقاء ما أكتب في شأن الوحدة مضيعة للوقت. وقال صديقي أن كل الدلائل تشير إلي أن السودان إلي انفصال لا محال. ونصحني محدثي بالكف عن مثل هذا الحديث الذي يراه يغضب كثيرين ممن يسوءهم ما نقدم من نقد ونصح يحسبونه يصيبهم ويقدح في ما يقولون.

فقلت لصديقي أنني أكتب قناعاتي ولا يهمني بعد ذلك من يرضي ومن يغضب. ولعل صاحبي لا يعرف أني من أصحاب النفس الطويل. فكثيراً ما دخلت في معارك صبرت عليها حتي جاء النصر والفرج من عند الله الناصر النصير. ونذكر في هذا المقام ما كنا ندعو له من وفاق وتراض وقبول للآخر وكان آخرون ممن بيدهم القوة والسلطة من أخواننا يحسبونه نوعاً من التخذيل والتراجع. وكنا دعاة الوفاق والاتفاق لا نجد مكاناً نلتقي عنده، ونحمد للإتحاد العام لنقابات عمال السودان أنه فتح لنا داره واستضافنا عبر الهيئة الشعبية للحوار الوطني والسلام أولاً، ثم لواء السلام ثانية والذي تكون علي خلفية اجتياح جيوش الحركة الشعبية لمدينتي الكرمك وقيسان في وقت كانت البلاد قد تهيأت للدخول في حوار شامل من أجل الوفاق والسلام. وبرغم أن اللواء أقمناه لحشد دعاة الوفاق لرفض العدوان علي الوطن، ولتقديم رسالة واضحة مفادها أن الداعين للحوار لا يفعلون ذلك ضعفاً أو تراخياً، وأنهم جاهزون للزود عن حمى الوطن متي ما دعا داعي الجهاد. ومع ذلك قامت القوي المناهضة للوفاق باختطافي واعتقالي لاسبوعين كاملين من داخل مباني إتحاد العمال، ولم يطلق سراحي إلا بعد تدخل مباشر وقوي من الرئيس عمر البشير الذي كان يرعي حوار الوفاق شخصياً. ومع ذلك واصلت السعي مع الساعين دون أن تلين لنا عزيمة أن يخور لنا عزم، حتي كتب الله النصر لدعوة الوفاق التي كان مفتاحها عودة صديقنا الراحل المقيم الشريف زين العابدين الهندي الذي تعبت في الترويج لقبول مبادرته بين الحاكمين ولم أجد نصيراً بادئ الأمر سوي قلة في مقدمتها الدكتور عبد الله سليمان العوض والبروفيسور إبراهيم أحمد عمر والمرحوم الشيخ محمد محمد صادق الكاروري.

ومثال آخر علي تجربتنا في الصبر والمصابرة ما كنا ندعو له من تعايش مع مصر. وكان الرأي الثابت عندي الذي أقول به في مقالاتي العامة، وفي كتاباتي الخاصة لمن بيدهم الأمر أن الطريق الأوحد المتاح لخول مصر لا بد أن يمر عبر بوابة الحكومة المصرية وأجهزتها، وكان آخرون يرون أن التسلل عبر النوافذ الخاصة، وتسلق الجدر القصيرة يمكن أن يكون سبيلاً لاقتحام مصر. ولم يكن يناصرني في ذلك أحد يذكر غير الرئيس البشير الذي كان يري صحة ما أقول وينحاز إليه، فظل يرعاه ويستمع إلي ما أقول ويوصي به. وبرغم أن الآخرين أحكموا علي تحركاتي الحصار، وحاولوا تشويه ما نقول بإدعاءات كاذبة، ورغم أنهم حققوا بعض النصر علينا أول الأمر، إلا أن الله سبحانه وتعالي نصر الحق عليهم وأظهره. وصار ما كنا ندعو ونقول به سياسة عامة تجاه مصر، يبشر بها حتي الذين كانوا يحابون توجهاتنا في وقت سابق.

وما نقول به اليوم، وندعو إليه من دعوة لدفع كل متاح وغير متاح في سبيل تأكيد وحدة السودان، لا نفعله منعزلين، ففي هذه المرة فضلاً عن وقوف الرئيس البشير مع دعوتنا، وهو ظل يناصر كل ما دعونا له من قبل مما أشرت به، فإن نائبيه الأول الفريق أول سلفاكير ميارديت، والثاني علي عثمان محمد طه يناصران الدعوة بقوة. بل هما يقودانها مع الرئيس ونحن نقف معهم. ويقف مع دعوة الوحدة أهل السودان كلهم. وتحضرني في هذه اللحظة قصة رجل معارض للإنقاذ أول عهدها رأت شقيقته أن المعارضة أعيته (وهدت حيله) فقالت له مشفقة (ناس الإنقاذ ديل ما بتقدروا عليهم، أشكوهم لله) فرد عليها عفوياً (هو ذاتو معاهم) ونحن اليوم في دعوتنا للوحدة (الله ذاتو معانا) ومن كان الله معه فلا يحزن. وقديماً قال الرسول صلي الله عليه وسلم لرفيق هجرته أبا بكر الصديق عندما هم أن يراهم القوم (ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟)

Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]