ليس للناس في السودان هذه الأيام حديث سوي تشكيل الحكومة القادمة. ويعدد الحديث فيشمل جوانب عديدة، فهناك حديث عن قسمة السلطة بين الشريكين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، ثم حديث آخر حول إمكانية مشاركة أحزاب أخري من أحزاب المعارضة في الحكومة، والأحاديث الأكثر حول من يشارك في الحكومة من بين أعضاء المؤتمر الوطني، هل سيعاد توزيع ذات الأسماء القديمة، أم سيشهد التشكيل دخول أسماء ووجوه جديدة؟

وقبل الدخول في محاولات إجابة هذه الأسئلة نقول أولاً أن تشكيل أية حكومة لا بد أن يكون متسقاً مع أهداف هذه الحكومة، فتشارك فيها الأحزاب المؤمنة بأهدافها، وتختار الأحزاب الأفراد القادرين علي تحقيق هذه الأهداف. وبالنسبة للحكومة القادمة فلها هدف واحد لا ثاني له، وهو تأكيد وحدة السودان بالاستفتاء. ونقول هدفاً واحداً لأن هذه الحكومة لو عجزت عن تحقيق هذا الهدف فإنها تنتهي تلقاءً وتسقط. فإذا انفصل الجنوب يخرج ممثلوه من جميع أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية وغيرها، وهذا الخروج ينهي أجل وفاعلية الأجهزة التشريعية وجهاز الدولة التنفيذي، هذا غير السقوط الكبير للحكومة التي ينقسم السودان في عهدها ويتشظى. لذلك فلن يكون للحكومة شغل يأخذ وقتها ويستنفذ جهدها غير تأكيد وحدة السودان بالاستفتاء. لذلك فإن المعيار الوحيد لدخول الحكومة هو الإيمان بوحدة السودان، والفاعلية في تحقيق هذه الوحدة.

وأول حزبين يناط بهما ذلك هما شريكا نيفاشا المؤتمر الوطني والحركة الشعبية. وبشارة الخير الأولي في ذلك التزام المؤتمر الوطني بتكملة حصة الحركة الشعبية في المجلس الوطني لذات النسبة التي حددتها اتفاقية السلام، وكذلك حصتها في الجهاز التنفيذي. أما البشارة الثانية فهي موافقة المؤتمر الوطني علي تخصيص وزارة البترول للحركة الشعبية، وهذا أمر كان ينبغي أن يحدث منذ أول عهد الاتفاقية. فمعلوم أن جل البترول السوداني في الجنوب، وأن عائده الأكبر يذهب إلي هناك، فمن الطبيعي أن يكون مسئوله من الجنوب. ولئن حدث هذا مؤخراً أفضل من ألا يحدث. ومن شأن هذا الإجراء أن يعزز الثقة بين الشريكين. ولن تتحقق الوحدة بغير ثقة.

أما بالنسبة للأحزاب المعارضة والتي ليست لها مشاركة برلمانية، فإن مشاركة هذه الأحزاب ينظر إليها من جانبين، أولهما دورها في تعزيز الوحدة ومقدرتها علي ذلك. فلو كنت مكان هذه الأحزاب فلن أشارك ما لم أجد ضمانات كافية لإجازة سياسات تعزز الوحدة. بمعني أن تضع هذه الأحزاب مع الشريكين برنامجاً واضحاً لترجيح خيار الوحدة، فلو توافقوا مع الشريكين شاركوا معهما، ولو اختلفوا فلا معني لمشاركة في حكومة تحملهم وزر الانفصال دون أن تكون لهم كلمة راجحة في ذلك. أما بالنسبة للشريكين فلو أن أحزاب المعارضة لها ما تقدمه لهما لدعم خيار الوحدة فمرحباً بهم شركاء في الحكومة برغم عدم وجود سند نيابي يدعم مشاركتهم، ولكن لو أن مشاركتهم لمجرد الزينة، ولو أنهم سيظلون يتعاملون بوجهين في الحكومة فلا معني لمشاركتهم وأولي بمقاعدهم هذه حزبيون من الشريكين يوسعون دائرة الرضاء، أو تكنوقراط يزيدون من فاعلية الجهاز التنفيذي.

أما فيما يخص اختيار الوزراء من داخل حزبي الشراكة، فينبغي أن يطبق عليهم ذات المعيار ــ الإيمان بالوحدة ودعم خيارها ــ ويزاد علي ذلك السماحة وحسن التعامل مع الآخر، ويفضل من لديهم مساحات واسعة للتحرك وسط الآخر. وهنا ترجح كفة الذين شاركوا في حوار السلام في نيفاشا، فهؤلاء خبر بعضهم بعضاً، ثم أنهم صار لهم كسب شخصي يحرصون علي المحافظة عليه ورعايته. وبالله التوفيق.

 Gamal Angara [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]