لم أتحمس للاطلاع بصبر على قانون الصحافة الذي تمت إجازته وإن كنت قد طالعت المسودة الأولى بكل (ملايينها) الخمسين وأنيابها ومخالبها القاتلة وكرباجها المخيف الذي تم تجاوزه أخيرا بنسبة كبيرة ..  

 وليس السبب في عدم الحماس لقانون الصحافة هو الإحساس بأنه يمكن أن يأتي أفضل من الذي تمت إجازته ولكن في الحقيقة ليست هناك ضرورة لسن قانون للصحافة من أصله ..لا جيد ولا باطش ..

 

فالعالم يتحدث الآن عن صحافة أخلاقية ومواثيق شرف وأخلاق مهنة  والصحفيون اليوم هم كبار المشرفين على الحوار السياسي والفكري الذي من خلاله يوفرون الإطار والتفسير والتعليق وأيضا تعزيز الفهم للأحداث, ونحن في ظرف نحتاج فيه إلى الصحافة الأخلاقية الجيدة أكثر من أي وقت مضى.

 

كما أن الدولة في العالم المتقدم صارت هي التي تبادر بالحرص على حماية مهنة الصحافة خاصة في بريطانيا التي كانت أشهر قضايا النشر فيها منتصف العام الماضي حين استمعت محكمة ذات مستوى رفيع إلى قضية تتعلق بحرية الصحافة،  حاولت الشرطة فيها استخدام قوانين مكافحة الإرهاب لإجبار أحد الصحافيين على تسليم مذكرات ووثائق تتعلق بمصادر المعلومات التي يحصل عليها, وكان التحقيق مع رجل تورط في أنشطة دينية وإرهابية  وهو ناشط إسلامي مشهور في بريطانيا، كان قد أعلن إدانته للعنف، وهو يقول إنه يعمل على مقاومة تطرف الشباب المسلم في بريطانيا. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة من جانبه قد لاقت استحسان كبار المسؤولين البريطانيين،  فإن الشرطة في مانشستر ألقت القبض عليه بموجب قانون مكافحة الإرهاب. وكجزء من التحقيقات، فإن الشرطة طلبت كل المذكرات و الوثائق السرية من صحافي كان يساعد الرجل».

 

وبحثت الشرطة عن مواد مشابهة من مؤسسات إخبارية أخرى أجرت مقابلات شخصية معه، بما في ذلك «بي بي سي» و«صنداي تايمز» ولكن كل هذه الجهات وقفت أمام الشرطة في المحاكم وهي تقول (لا يمكن إجبارُ الصحافيين على تسليم الوثائق الخاصة بهم

ونقول إننا في بلد يحكمه الدستور والقوانين الأساسية التي تضبط شكل الحياة في المجتمع فما الداعي لوجود قوانين مهنية ؟؟ هل  العمل الصحفي أخطر مباشرة على حياة الناس من مهنة الطب مثلا ؟

 

الآن لدينا قانون صحافة ولكن ليس لدينا تشريع قانوني اسمه قانون الجراحة أو الطب أو قانون المعلم أو التاجر أو المهندس ..

 

نعم توجد لوائح وجهات رقابة ومحاسبة يمكن أن تسحب الترخيص من المشفى المؤهل أو الرخصة من الطبيب أو التصديق من المدرسة الخاصة..

 

ولكن وفق القوانين السائدة ..وقضية طبيب الإجهاض خير شاهد على هذا إذ تمت محاكمته بنصوص القانون الجنائي الذي لم يترك حقا جنائيا دون أن يغطيه .

 دعونا إذن نحلم ولو بغفوة عابرة أن نمارس مهنة الصحافة في السودان وفق مواثيق الشرف وضوابط القوانين العامة السائدة في البلاد فقط..