1-3

سعدت كثيراً عندما قرأت (حزم عذاب الحلومر) بقلم (رندا عطية) لقد شاركتها رحلة ذكريات الطفولة مع الشهر العظيم (رمضان) وما أحلاها من ذكريات خاصة عندما تكتنفها براءة ملائكية تلك التى تمتعنا بها صغاراً فى مهدنا الأول فى وطن وبلاد ودويرات هاجرنا عنها ولكن يظل الشجن العارم لها متوقداً ليله ونهاره مهما طال البعد أو الهجران ، كانت رحلة (رندا) بالتحديد مع (الحلومر) تحضيراً ثم صناعة حتى يتم شراباٌ سائغاً يطفئ ظمأ العطشان ولونه بهجة للناظرين ، لقد أبدعت فى دقة الوصف الذى يجدر الإشارة إليه كوثيقة لحفظ هذا التراث العظيم من الإنقراض أو الإنحراف عن مجراه ، أيضاً إزداد سرورى وأنا أقرأ للأديب السفير الدكتور (خالد محمد فرح) بسودانايل مقاله (الآبريه والحلومر وخواطر أخرى) يكفينى ما جاء ذكره من تفصيل وإبداع فى الوصف الممتع .. أقول لا أخفى شعورى بأن المقالتين أثارتا شجونى وبالطبع لكل منا معشر السودانيين ذكريات رمضانية حبيبة وغيرها تصحو من سباتها سنوياً بحلول شهر الصيام المعظم وهكذا تتسع وتتعمق معها حصيلة الحنين والشوق إلى الديار القديمة (داكنة اللون زرقاء شبابيكها) إلى الأهل الحنان الطيبين والأصدقاء الأوفياء والزمالة الحقة فى دروب الحياة السهلة والمتشعبة ... ثم الحنين إلى الجروف والزروع الخضراء ونيل عظيم العطاء ما أحلاه من نيل ..!! ، فمن ذكرياتى عن رمضان لا بد من ذكر مسقط رأسى (بربر) التى كانت مدينة متعددة أطياف ألوان وأشكال البشر كتعدد بضائع أسواقها العامرة  فى ذلك الزمن الجميل "عندما كنت صغيراً ..!! ، أذكر أنها كانت ذات مروج وبساتين كثيرة ونخيل باسقات تجود بالطيبات من الرطب والتمور على سبيل المثال أذكر منها بساتين (مختار أفندى) والد السفير (أحمد مختار) عليه الرحمة من الله ، و(الحاج صديق عاليب) و(البشير أفندى) و(عمر عابدون) و(على رحيل) وغيرها بل حتى أشجار (النيم) وارفة الظلال كانت ذات بهجة وهى تُجَمِّلْ شوارع المدينة .. فى المناسبات يتكاتف الناس مع بعضهم البعض كأنهم أسرة واحدة وأخص تجمعهم اليومى خارج البيوت عند فطور رمضان فى تلك (الساحات) الواسعة التى (تُنَظَّفُ ثم تُرَشُ) بالماء عصر كل يوم فى كل الأحياء ، وأنا لا أزال أقلب صفحات تلك الأيام الرمضانية أذكر أن قوافلنا الصغيرة كانت كثيراً ما تحط  فى محطة دكان الحى العريق (دكان ود يوسف) ، فقد كنا منذ نعومة أظفارنا نطلق سيقاننا كالريح جيئة وذهاباً أيام رمضان نحملها (عجوة بصراوية) أو رطلاً وما يزيد من زيت سمسم أو سمن أوعلبة الكاراميلا وطحنية من (حلويات سعد) أو زجاجات عصير (البرتقال) و(التانغ) الذيذ تارة أخرى سُكَّراً ، وتارة شاى (سِيلان) (الأصلى) الذى يستورد معبئاً فى تلك الصناديق الخشبية الكبيرة التى تفوح منها نكهة الشاى العطرة النفاذة ، والتى  كانت تعطر أرجاء الدكان .. لا أنسى ذلك (البنكى) عليه وضع ذلك الميزان العتيق والذى يلتف حوله الزبائن منهم من كان يكثر من شراء (الصلصة) أو (الشعيرية) أو (البسكويت) أوالسجائر(البحارى) أو (الروثمان) أو ود عمارى (نشوق النيكوتين الخام المعروف فى السودان بالتمباك) ، لا أخالنى أنسى جلسات الأنس تلك أمام ذلك (الدكان) وكم من رجال عاصروها رحلوا إلى دار البرزخ عرفوا ما بهم وما عليهم (رحمهم الله) لست أدرى بالضبط ماذا كانوا يناقشون أو يطرحون من مواضيع أثناء تلك اللقاءات ، لكن كانت تبدو على وجوههم السعادة وراحة البال ، إنهم بطبعهم كانوا أناساً بسطاءاً لم تبلغ مسامعهم أفكار تشوش عالمهم البكر، كذلك كانت تكثر دكاكين اليمانية فى كل قرى ومدن السودان (تمدنا بالفول والرغيف والجبنة)  لكنها تفتقر مجالس الأنس تلك كالتى تتكرر يومياً أمام دكان ود يوسف وغيره من أبناء السودان ، الآن أين (ود يوسف) الرجل فريد عصره ، فقد بلغنى أنه قد لحق أيضاً بركب أولئك الذين كانوا يسمرون أمام دكانه فى عالم آخر يلتقون يواصلون جميعاً رحلتهم البرزخية ..!!

د.عبدالمنعم عبدالمحمود العربى
إستشارى باطنية وكلى ـ المملكة المتحدة

Under Thetree [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]