حاطب ليل

مغازلة أو مشاغلة وان شئت قل مخاشنة اسرائيل للسودان قديمة قدم نشأتها، وان شئت الدقة قبل النشأة، وفي طور الفكرة عندما عرض على اليهود اقامة كيان لهم في شرق افريقيا (كينيا ويوغندا) فكان جنوب السودان (داخل في الحسبة اتفاقية) وفيما بعد كان السودان داخل في الاستراتيجية الاسرائيلية من باب مضايقة عبد الناصر من جنوبه، فعندما وقع عبد الناصر اتفاقية  1953 صاح وزير خارجية اسرائيل يومها ان عبد الناصر يريد ان يتفرغ لنا. بعد كامب ديفيد تحول السودان في الدفاتر الاسرائيلية الى بلد من تخوم العالم العربي وجسر بين العالمين الافريقي والعربي وصاحب موارد، ولعل أهمها مياه النيل لذلك لابد لاسرائيل ان تضعه في كشفها.
مخاشنة اسرائيل تظهر في دعمها لكل حركات التمرد في جنوب السودان دعماً مادياً مباشراً وسياسياً ودبلوماسياً بما لها من نفوذ في العالم الغربي، ولكن بظهور دارفور (شبحت ) اسرائيل ( شبحة) كبيرة لأن دارفور جاءت في ظل انفراد قطبي دولي وسيطرة اسرائيلية كاملة على ذلك القطب وانتهاء اسرائيل من دول الطوق العربي بالسلام وبغيره وتمكين واضح في شرق افريقيا وقرنها، ومحاولات انقاذية لورثة عبد الناصر في افريقيا مع ضغوط دولية لا اتحاد سوفيتي لها فأسفرت اسرائيل عن دعمها لفصائل دارفورية، واستقبلت منها لاجئين، وقالت وزارة دفاعها ان دارفور بالنسبة لاسرائيل في غاية الاهمية. أخيراً زارها عبد الواحد محمد نور(الذي ستأكله لحما وترميه عظماً) وافتتح أول مكتب سوداني علني بها وحتى خليل ابراهيم قالها صراحة انه لا يمانع في التعامل مع اسرائيل، وفي النهاية أصبحت اسرائيل ممسكة (بشيلة من راكوبة) السودان في دار فور واخذت تلوح بها بالطبع هذا غير (التحت تحت) القديم المتجدد.
لقد أصبحت اسرائيل والغة في الشأن السوداني مثلها مثل كل الدول المجاورة للسودان أي ممسكة بحركة مناهضة للدولة، فعبد الواحد النور وغيره اذا جاءوا للتفاوض مع الحكومة لن يستبعد ان يكون في معيتهم مستشارون اسرائيليون واذا اعطته قسمة السلطة وزارة الخارجية فسوف تجده معلنا لاعترافه بها من قبل كما ان سوابق السودان في حلحلة مشاكله تجعله يلجأ للدول الداعمة للحركات المتمردة، فاتفاقية الدوحة الأخيرة ثبت ان العلاقة مع تشاد لها دور محوري، فيما اتفاقية الشرق كانت راعيتها ارتيريا واتفاقية نيفاشا كانت تحت كنف الايقاد لا بل اديس ابابا في القرن السابق كانت تحت رعاية الامبراطور هيلاسلاسي وكل هذا بطريقة الطعن في الفيل لا ظله.
اذاً ياجماعة الخير اسرائيل بالنسبة لنا لم تعد تلك الدولة التي (تحرش) من الخلف وتعتمد في عدائها على الدول الغربية وجماعات الضغط فيها، فقد امسكت بورقة من الملف السوداني وكل دول الجوار العربي التي لديها اوراق مع اسرائيل تفاوضت معها على الارض مقابل السلام أو السلام مقابل السلام كما يطرح نتنياهو الزعيم الجديد، حتى سوريا دخلت في تفاوض عن طريق تركيا أما الدول العربية غيردول الطوق عرفت اسرائيل كيف (تجيبها في الخط) اذاً هناك مليون طريقة للتعامل مع اسرائيل تبدأ بالتطبيع وتنتهي بمكافأة الشر بالتالي على السودان ان يبحث له عن (صرفة) بكسر الصاد مع اسرائيل، أنا هنا لا ادعو للتطبيع مع اسرائيل، فكل الدول التي طبعت معها لم تنل الا الابتزاز والمزيد من التركيع، ولن اطالب بتغيير نظرتنا لاسرائيل من حيث انها دولة غاصبة معتدية ليس فيها ذرة رحمة او انسانية بدليل ماتفعله بالفلسطينيين، بل ادعو الى فتح هذا الملف ومناقشته في الهواء الطلق من ذوي الاختصاص، فالدبلوماسية الحديثة فيها من الرحابة ما يمنع التركيع ويدفع العداءات في نفس الوقت، فالمشكلة الآن لم تعد هي وجود عبد الواحد في اسرائيل بل وجود اسرائيل في السودان، فما عاد التعامل القديم مجدياً ولا التعامي كذلك.