جاء في بعض الأثَر أن أحد القادة المسلمين وقع يوماً في الأسر، وأمره قائد جيوش الأعداء أن يبعث إلى أمير المؤمنين بمعلومات مضللة عن خط سير العدو، وكان لهم ترجمان يطلعهم على كل ما يكتب، فما كان من القائد العربي الأسير إلا أن لجأ إلى التلاعب بالمفردات مستعيناُ بمخزونه اللغوي الغزير ..!

فكتب إلى قومه رسالة تُقرأ من اليمين إلى اليسار كما يريدها العدو، ومن اليسار إلى اليمين كما يريدها هو، ثم ختم المكتوب بجملة (اقلب أصلح الله الأمير)، وقد حسبها الترجمان الأعجمي ضرباً من الحوقلة والدعاء لولي الأمر، الذي وصله المعنى، وفهم المراد، فباغت أعداءه بالهجوم، وخلَّص صاحب الرسالة الذكية من الأسر ..!

التورية البلاغية على غرار (اقلب أصلح الله الأمير)، وتغطية القصد بإظهار غيره،  وتطريز المعنى السياسي القبيح بما يسمح بالفهم دون وقوع في فخ المساءلة ودون تلويث القلم بالكذب .. واستخدام ثراء اللغة لتوصيل الفكرة .. وإثارة ذهن القارئ وتحريكه نحو الهدف دونما ضجيج ..  والغمز بالمعاني حمالة الوجوه، والسخرية المتلفعة بأثواب الحكايات البريئة .. إلخ .. نهج صحافي سائد في الدول النامية – أو الأقل نمواً ديمقراطياً – حيث يُضيَّق الخناق على حرية التعبير، فلا يجد الكاتب مناصاً من تنوير القارئ حيناً، وتحريضه أحياناً، بلغة يجيدها كلاهما، ولا يفهمها ترجمان الحاكم ..!

وهي – على فكرة - ضرورة مرحلة تنحسر بهبوب رياح التغيير، بدليل أن معظم كتاب مصر الساخرين قد طلقوا السخرية ثلاثاً بعد اندلاع الثورة وانتصارها، وتفرغوا تماماً لاقتراح الخطط واجتراح الحلول بخطاب سياسي جاد ومباشر ..!

علاقة الأمن بالصحافة في بلادنا مثل علاقة رجل الشارع بقانون النظام العام!، "تدَخُّل" و"تَداخل" على مستوى النص، و"تأزُّم" و"تجاوز" على ساحات التطبيق، وهي حلقة في سلسلة أخطاء منهجية وإشكالية (سستم)، لا يكفي لحلها – فقط - أن يتغير القانون المنظم لمهنة لا يتحكم وحده بالفصل في نزاعاتها وشئونها ..

الحديث عن أبعاد حرية التعبير والنشر في السودان يستوجب التفكيك قبل التركيب، تفكيك تلك التدابير، من الهجمات الأمنية الوقائية قبل الطبع، إلى الضربات الاستباقية قبل النشر، إلى "اللكمات الانتقائية" بعد النشر، وعليه فقبل صياغة الآتي لا بد من نقد السائد .. كما وأن النصوص القانونية المحترمة هي التي تفرض آليات تطبيقها، لا بد للكلام إذن أن يتجه إلى "لبرلة" قانون الصحافة، و"تحديث" و"تحيين" روح التدابير الأمنية التي ما عادت تواكب عصر الصحافة الاستقصائية وثورية ويكيلكس ..!

لا ينكر عاقل ضرورة الموائمة بين حماية الصالح العام وخصوصية الأفراد من جهة وعدم المساس بحرية الصحافة من جهة أخرى، لكن المذهب القمعي الذي أثبت فشله عالمياً وعربياً، لن ينجح من باب أولى عندنا، حيث تربط رجل الشارع بصحافة بلاده علاقة عاطفية شريفة، ومحبة عذرية متكافئة لا ولن تقبل بـ "عضل" ولي الأمر ..!


منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.