ماذا تقول في امرأة تتعرى احتجاجاً على ممارسة البغاء في بلادها ؟! .. أو رجل يتعسف في استخدام سلطته السياسية لحماية مصالح بلاده الاقتصادية ؟! .. من جهتي أقول إن كليهما يغسلان العار بماء الوجوه ..!

في أوكرانيا تعرت ناشطات في حركة نسوية أمام جموع غفيرة من الإعلاميين والمصورين احتجاجاً على رغبة الحكومة في سن قانون ينظم ممارسة البغاء .. وفي السودان طرد مسئول حكومي أحد الصحفيين احتجاجاً على نشره تقارير وأخبار بشأن الوضع الأمني في جنوب دارفور، وهذا في تقديره تسبب بعزوف بعض المستثمرين، وكلاهما – الناشطة والسياسي - يصرعان الخطأ بالخطيئة ..!

هل سمعة الاستثمار في السودان بحاجة إلى مزايدات الصحافة ؟! .. يكفي حديث المستثمر السعودي صالح كامل عن المناخ الاستثماري الطارد والسياسات المختلة والمصداقية المشكوك في أمرها، وقبل ذلك تصريحات رجل الأعمال المصري نجيب سويرس عن خطورة الاستثمار في السودان، وعبث إهدار الأموال على أرض حكومة مزاجية كل يوم هي في شأن .. وبعده، اعترافات الحكومة نفسها بغياب السياسة الاستثمارية في السودان، وغياب الإستراتيجية، وتضارب القوانين وقصورها عن مواكبة الأفكار والمشاريع ..!

ما شأن الإعلام بعشرات المشاريع التي ماتت في مهدها بسبب فساد الساسة وسمسرة المسئولين في مشاريع الاستثمار الأجنبية، وما شأن الصحف - التي لا تفعل شيئاً سوى نشر الخبر المقدس والتعليق الحر – بتضارب سياسات الجهاز التنفيذي، وضعف قانون تشجيع الاستثمار، وإجحاف الجبايات المرهقة التي تجاوزت المواطن المسير إلى المستثمر المخير، الذي تتلقفه مئات العروض الذكية والطرق المذللة في بلاد أخرى ..؟!

الفساد هو بكتيريا (السالمونيلا) التي تنخر في لحم الاستثمار .. اضطرابات غياب الشفافية .. صداع نقص الآليات الفاعلة في الإبلاغ عن الفساد .. حُمى قبول الرشوة كعادة وأسلوب حياة .. غثيان نقص الحوافز وشح المقابل المادي المجزي عن أعباء الوظائف .. حوادث المستثمرين الذين يولون الأدبار فراراً من تبعات عفن الضمائر واتساخ الذمم ..!

ليس إلغاء القانون أو إعادة الهيكلة وحدها، بل تغيير العقلية التي تدير خطط الاستثمار بالبلاد، تضارب القوانين في الولايات ومشاكل الأراضي ليست وحدها، يبقى الداء الأكبر في طبيعة العقلية الاستثمارية في السودان .. وطبيعة الشخصية السودانية .. المستثمر الأجنبي لا يكتفي بقوانين تشجيع الاستثمار بقدر ما يعول على تشجيع الأجواء المحلية التي يرتبط صلاحها بـ سلوك المواطن قبل ارتباطه بـ مسلك الدولة .. نجاح رؤوس الأموال الوافدة يتحقق باجتياز غراسها امتحان عوامل التعرية المحلية .. لذلك نقول – دوماً - إن الاستثمار ثقافة شعبية ..!

قانون الاستثمار لا بد أن يكون صارماً وباتراً وقاطعاً كحد السيف، وأي إعاقة لأي مشروع استثماري - بأي شكل أو تعامل غير قانوني أو أخلاقي مع المستثمر – لا بد أن يكون ضمن قائمة الجرائم الموجهة ضد الدولة، حتى وإن كان المتهم هو الحكومة نفسها..!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.