في هذا البلد يصعب جداً تقسيم الأدوار في مسرحية السلطة التنفيذية، معظم الأبطال متفرجون، والمسئولون يعتبرون الحديث في حد ذاته انجازاً .. هل تريد مثالاً ؟! .. آخر تقرير للمركز القومي لعلاج الأورام أكد – خلال محفل علمي خاص بالسرطان أقيم مؤخراً بالخرطوم - زيادة نسبية للمرض ولايتي نهر النيل والشمالية، والسبب الرئيس هو استخدام الأسمدة والمبيدات ..!


طيب ما الجديد في الأمر إذا كان هذا هو بالضبط ما أكده تماماً مستشفى العلاج بالذرة، عندما أعلن – في منتصف العام 2009م، أنه يستقبل يومياً عشرين حالة إصابة بالسرطان، ومائة حالة أخذ جرعة وحالات أخرى للمتابعة، لدرجة أن إراته قد كشفت – في ذلك الحين - عن خطة عمل لإنشاء مستشفى جديد لقصور طاقته عن استيعاب حالات الإصابة المتزايدة بالسرطان، والوافدة من المنطقة الشمالية على وجه الخصوص ..؟!

وقتها نشرنا في هذه المساحة – عبر صحيفة الرأي العام – رؤية ثاقبة لأحد أبناء المنطقة المنكوبة هو الدكتور شوقي محمد الحسن الأستاذ بجامعة الخرطوم، وهي دراسة علمية ثمينة جديرة بالنشر والتوثيق تبحث في أسباب انتشار السرطان هناك .. لخطورة ما تشير إليه من افتراضات كانت وما تزال بعيدة عن اهتمامات الساسة المسئولين والسادة المختصين في هذا الشأن ..!

وبحسبها فإن السبب في تفاقم المرض هو الاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية الحشرية ضمن مشروع سوداني مصري مشترك "يسمى مشروع القامبيا" يهدف إلى القضاء تماماً على البعوض في تلك المنطقة، عن طريق الاستخدام المكثف للمبيدات الكيميائية الحشرية، والتي منها ما هو مسموح به ومنها ما يحظر استخدامه عالمياً لخطورته البالغة على صحة الإنسان ..!

المدهش حقاً هو أن تلك المبيدات تأتي من مصر وكذلك المعدات، ولا نعلم حتى الآن 
إن كانت مسجلة في وزارة الصحة السودانية أم لا .. وحتى الموظفون السودانيون (علمنا بعد اتصالات مباشرة مع بعضهم في مركز المشروع) أن بعثات إشراف مصرية تزورهم كل فترة، ولا شهادات علمية تثبت أنهم مؤهلين - وفقاً لشروط و قواعد الصحة العالمية - ومدربين بما يكفي على طبيعة عملهم الخطيرة جداً (رش المسطحات المائية بالمبيد السائل، ورش البيوت بالمبيد البودرة) ..!

ليست أبحاث الدكتور شوقي وحده، استقبلنا ذات الشكوى من سكان قرية صغيرة بمنطقة الجزيرة - ليس بها مشروع زراعي يتم رشه بالأسمدة، ولا مياه راكدة يتوالد فيها البعوض ويضطرون لإبادته بالمبيدات الحشرية .. ولكن - معظم سكانها مصابون بالسرطان وبشتى أنواعه ومن كل الأعمار! .. ومن خلال إحصائية غير رسمية أجرتها إحدى طبيبات المنطقة اتضح أن أكثر من تسعين بالمائة من وفيات تلك القرية في السنوات العشر الأخيرة كانت بسبب السرطان ..!

تفاقم السرطان في بعض مناطق السودان دون غيرها ما يزال يطرق أبواب الحلول، ومع ذلك تبقى الجهود العلمية افتراضات علمية حائرة، وأسئلة معلقة على مشجب السؤال، وما من مجيب، رغم تعاظم الخطر وتفاقم الظاهرة ..!



منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.