"محبوب المبارك" أحد أقرباء الطيب صالح كان رجلاً ظريفاً، أمياً لا يعرف القراءة و الكتابة، و لم يسمع عن (الإبداع) و بالتالي فهو لا يستطيع أن يُؤمِّن على مواطن (العبقرية) و موجبات الإكبار في (تدوير) حكايات قريته في قالب فني .. فقد كان ـ هو الذي لا يفهم الفن ـ آخر من يستطيع أن يجزم بشأن تفرد الفنان ! ..
سمع "المبارك" برواية (موسم الهجرة إلى الشمال) فطلب من أحد شباب القرية المتعلمين أن يقرأ له الرواية ـ أي أن يقصها على مسامعه ـ و بعد فراغه من تلك القراءة السماعية .. و جد الرجل الأمي كلامه مضمناً في كلام أبطالها .. فما كان منه إلا أن هتف بذكاء فطري : (دا ما ياهو كلامنا ذاتو .. لكن فيهو شوية لولوة) ! ..
تلك الـ "لولوة" التي وصف بها الرجل عملية (إعادة إنتاج مدخلات الواقع) التي ينخرط فيها الكاتب هي الإبداع ذاته : إعادة خلق الواقع في رحم الفن .. حيث تمتزج قناعات الكاتب الشخصية بشأن واقعه و رؤاه النقدية لمجرياته .. و فلسفاته في تحليله .. و حيث ينقض الفنان غزل مدخلات واقعه الخام .. و يعيد نسجها .. قبل أن يردها إليه رداً جميلاً ! ..
تلك الـ "لولوة" التي أخلَّ "المبارك" الأمي الظريف في تبسيطها .. هي طريق الخلاص الذي قال (الطيب صالح) على لسان إحدى شخصياته : " إنه يكمن في تعميق الذات .. و تنقيتها من ذل الحياة .. و مهانات القمع " ! ..
تلك الـ "لولوة" هي (رسالة الفن) العظيمة التي قال عنها (الطيب صالح) بعمق الفنان : " عندما أكتب أعمل كعالم الآثار الذي ينقب في الحفريات .. حتى تظهر لي الحقيقة في طبقة إنسانية معينة .. ثم أظل أحفر حتى تظهر لي أشياء أخرى لها طبيعة التراكم .. و هذا الحفر لا نهائي .. ولا أحد يصل إلى النهاية " ! ..
الموت الذي يقطع الموصول .. و يقصي القريب .. و يفضح عجز و نقص الإنسان.. و ينفي عنه صفة (الكمال) .. هو الذي يعلن أيضاً عن (اكتمال) بعض بني الإنسان ! ..
بعد صعود الروح و رحيل الجسد .. سيبقى "الطيب صالح" الكائن (المكتمل) .. و الحالة الوجودية (الكاملة) .. و المنجز الأدبي (الأبدي) ! ..
مات الرجل و سيبقى طفل (النوستالجيا) .. و شمعة العبقرية الروائية التي أشعلها الحنين إلى الوطن .. و حامل الوجع البدائي و اللانهائي .. سيبقى الكاتب (الكامل) الذي جادل التاريخ .. و الأديب المتفرد الذي ناظر المجتمع .. و الفنان (المتمرد) الذي حارب العتمة بسلاح (الفن المتعَّمد) ! ..
ذهب الرجل الشيخ إثر علة أمهلته قليلاً .. و سيبقى (عالم الآثار) الذي اكتشف المخبوء .. و (ضابط الصحة) الذي "عزل" الداء .. و هزم عفونة التقاليد، و جرجر أذيال العادات اللزجة إلى حيث الضوء و الحرارة و الخلاص ! ..
رحم الله "الطيب صالح" الجسد الذي رحل .. و الحالة الوجودية الخالدة .. المبدع "الخالق" في عالمه .. و "الخالد" بشروطه .. و الباقي ببقاء (مهرجاناته) الحية النبيلة على الورق ! ..
رحم الله الرجل الذي ملأ وجودنا بالمعنى .. و الكاتب الذي ثقب دوائرنا المصمتة .. فأدخل الهواء .. و أرسى مشروعية الصُراخ .. و فرَّغ الوجع (السوداني) من أورام الصمت .. بمبضع الأدب (الرفيع) ! 
منى أبو زيد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.