تأمُلات

. عندما كتبت بالأمس مقالاً قصيراً حول الرحيل المُفجع للسلطان قابوس (رحمه الله) لم أكن قد إطلعت على التفاصيل الكاملة لبيان مجلس الدفاع العماني. 

. وحين تابعته كاملاً مساء الأمس إزدادت قناعتي بعظمة الراحل المقيم رسوخاً، كما أثلج صدري- رغم الحزن- موقف الأسرة الحاكمة وكلمة السيد فهد بن محمود آل سعيد، نائب رئيس مجلس الوزراء لشئون مجلس الوزراء الرصينة التي إستوقفتني فيها جملة من الأمور.
. فحسب نصوص النظام الأساسي للدولة كان من المفترض أن ترشح العائلة الحاكمة وريث الراحل في الحكم خلال ثلاثة أيام.
. وقد دعى مجلس الدفاع الأسرة للانعقاد، حسب نص المادة ٦ من النظام الأساسي، لكنه، أي مجلس الدفاع استلم رداً سريعاً من الأسرة طلبوا فيه فتح وصية الراحل مباشرة تقديراً وامتناناً له وإقتناعاً بحكمته وحُسن اختياراته.
. وقد استمعنا للسيد فهد وهو يقول أن المصاب جلل بفقدان هذا الرجل العظيم وأن مجلس العائلة قرر تثبيت من جاء في وصيته إكراماً له.
. ففُتحت الوصية التي قال فيها الراحل المقيم أنه اختار سمو السيد هيثم بن طارق لما وجده فيه من سمات وقدرات تمكنه من أداء الدور، وتمنى أن يكون عند حسن الظن به وأن تبايعه العائلة.
. فنم في مرقدك هانئاً مطمئناً يا قابوس فمن تشربوا منك حب الأوطان ونكران الذات قدموا لنا درساً عديم النظير في عالمنا العربي.
. لم يستفيدوا مما أتاحه لهم النظام الأساسي، بل قفزوا مباشرة لوصيتك كأب روحي لهذه العائلة ولكافة أبناء شعب عُمان الشقيق.
. ولم يغر بريق السلطة أي منهم أو يترددوا في حسم الأمر، إنما عملوا بوصية من علمهم التسامح والترفع عن الصغائر وتغليب المصلحة العامة على كل شأن خاص.
. بالأمس فهمت أكثر سبب محبة العمانيين لهذا القائد الفذ وتعلقهم غير المسبوق بقيادته.
. وتأكدت أكثر أن هذا الرجل قد سبق الكثيرين في رؤاه وأفكاره.
. فقد أثمر الالتفاف غير المسبوق على قيادته هدوء وأمناً ووئاماً وطمأن كل من يعيش على أرض عُمان على مستقبل هذا البلد.
. فحين يتفق الجميع على وصية من رحل ويثبتوا من اختاره وريثاً دون أدنى نقاش فذلك معناه أنهم لن يحيدوا قيد أنملة عن المبادئء التي أرساها طوال سنوات حكمه ال٤٩.
. ولما لمسناه من قرارات ومواقف صائبة للراحل ولحكومته طوال فترة إقامتنا في السلطنة يتأكد لنا أن عمان ستظل بخير طالما بقيت وفية بقيادتها الجديدة لباني النهضة قابوس (أسكنه الله الفردوس الأعلى).
. كثيراً ما كنت أعبر لبعض إخوتي العمانيين عن حزني لمرض السلطان قابوس في هذا الوقت الذي تشهد فيه منطقتهم أحداثاً لا تسر.
. وكان رأيي دائماً أن السلطنة تحتاجه الآن أكثر من أي وقت مضى.
. لكن لا راد لقضاء الله، فقد شاءت إرادة المولى عز وجل أن يقضي بعض سنوات عمره الأخيرة في تزكية الجسم بالمرض قبل أن يرحل عن الفانية مُعززاً ومُقدراً من أهله وأبنائه مثلما عاش عظيماً بينهم.
. ولأنه حكيم ومحنك فقد ترك للآخرين القلق والهواجس غير المبررة وعمل في صمته المعتاد على التوصية بمن وجد فيه سمات القوي الأمين، ليرحل وهو واثق بأن أبناء بلده لن يخذلوه وسيعملون بوصيته من أجل استدامة التنمية والأمن والإستقرار في السلطنة.
. رحمك الله يا قابوس رحمة واسعة ووسع ومرقدك وثبتك عند سؤال الملكين وأنزلك منزلة صدق.
. بقدر فرحي للعمانيين وغبطتي لموقفهم الرائع أحس بغصة في الحلق حين أقارن ببلدي وكيف أن حزب المفسدين الذين دمروا البلد هناك قد تآمروا على من نصبوه رئيساً علينا وكانوا يعقدون الاجتماعات من وراء ظهره للإطاحة به، بينما هنا في عُمان يُقابل وفاء من رحل عن الدنيا بالوفاء وتُنفذ وصيته رغم وجود خيار قانوني آخر.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.