عكس الريح

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

أثار المقال السابق عن ثقافة الحقد ردود فعل واسعة خاصة على الأنترنت حيث أن هذه الظاهرة  استشرت في المجتمع السوداني وزادت في أوساط المثقفين وهم في الغالب أنصاف متعلمين يجدون في الوسائط الإلكترونية والصحف السيارة أرضاً خصبة لممارسة السقوط بجميع مستوياته. في حالات كثيرة يتحول الحقد لنوع من المرض النفسي الذي يسيطر على الإنسان فلا يستطيع التحكم فيه ليمارس بوعي وبدون وعي حقده وحسده على الآخرين. وفي حالات أخرى يكون منبع الحقد نجاح الشخص الآخر أو تفوقه عليه عند تحدٍ ما أو شعور بالدونية، وقديماً كان في الناس الحسد أو كما تساءل العلامة عبد الله الطيب في حديث منسوب إليه: هل الحسد سوداني؟

الطريف في الأمر أنني عندما أدرجت المقال في منبر الحوار العام بمنتدى سودانيز أونلاين كان أول المتداخلين شخص يكتب باسم حركي مستمد من الحمد وهو أبعد ما يكون عن هذا المعنى النبيل لكلمة الحمد كما أنه أصدق مثال لنوع من الحقد المرضي المكتسب، فالحقد والحسد يتولد لأشياء كثيرة تناولها المتداخلون منها على سبيل المثال الفساد الأخلاقي الناتج عن الفساد السياسي، ضعف الشخصية، التقارب الأسري، الفراغ، إلخ. ولازال المتداخلون يقدمون أمثلة ونماذج ويتناولون الأسباب أملاً في الإسهام في معالجة هذه الظاهرة القبيحة والحد منها.

هذا الشخص كان أحد أعضاء منتديات عكس الريح ومنتدى سودانيز أونلاين بالإنترنت، وفي ذات مرة اختلف مع إحدى المشتركات وكان مخطئاً في حقها فقمت كرئيس للمنتدى الأول بتوجيه إنذار له. هنا استشاط غضباً فأرسل لي رسالة تهديد يقول فيها إن لم توقف هذه العاهرة (واستخدم اللفظ البذيء للكلمة) سأقوم بتهكير المنتدى حيث أنه متخصص في شيء من علوم الكمبيوتر. قمت بالرد عليه بأنني سأحول رسالة التهديد للشرطة وسأوقف حسابه بالموقع وبالفعل قمت بإيقافه فاعترض من لم يشاهد رسالته الخاصة على أسباب إيقافه وطالبوا بالشفافية ومعرفة أسباب وقفه والا سينسحبون من المنتدى بعد أن أقاموا ضجة اسفيرية ضخمة. واستجابة لطلب الأعضاء قمت على الفور بعرض أسباب إيقافه فتملكه الغضب وأصيب بحالة من الصرع الهستيري التي من ثم تحولت لنوع من الحقد المرضي المكتسب الذي يصعب علاجه.

تذكرت هذا الكائن عندما أورد حديثاً في منتدى سودانيز أونلاين ضمن حرقة الحقد الدفين مقالاً لأحد أطفال أنابيب الصحافة نقلاً عن صحيفة سودانية معروفة يعتقد فيه كاتب المقال أنني سأترشح لرئاسة الجممهورية دون التأكد من ذلك ويبدأ في سرد واستعراض وتحليل سطحي مضحك لأشياء لا تفسير لها سوى ما يعتمل في النفس من بغضاء. الشاهد أن في ذلك الخيط التقى الحاقد الأول بالحاقد الثاني ومن هو على شاكلتهم ونشأت بينهم محبة في الغل البغيض وهو نوع من أمراض المجتمع الخبيثة ونسأل الله السلامة.

في بقية الحديث أستذكر أيضاً قصة أخرى كنت قد رويتها سابقاً في مكان آخر لكن لا بد من اجترارها في هذه السانحة لأنها ايضاً تدور في فلك هذا الموضوع الذي تناولته عن الحقد الذي يمارسه المتعلمون على أرفع درجاتهم العلمية ومناصبهم التنفيدذية.

وأنا طالب بالسنة الثالثة بكلية الطب جاءنا أستاذ جديد يحمل رسالة الدكتوراة وبدأ في إكمال دراسة الطب. أي أنه كان طالباً وأستاذاً في نفس الوقت والسبب في ذلك أنه كان متفوقاً في علوم الطب الأولية فتم إبتعاثه مباشرة لنيل شهادة الدكتوراة قبل البدء في الجانب السريري من الدراسة. كنت معجباً بذلك الأستاذ لدرجة التأمل وكان قدوتي في كل شئ. تخرجت أنا وسافرت للتخصص وكنت دائماُ ما أتمنى أن أكون مثله. تدرج هو في الوظائف .. هاجر وعاد .. ثم أصبح أستاذاً ومديراً لأحدى الجامعات. ومثله سرت في دراساتي وأبحاثي ونجحت بحمد الله وتوفيقه ونلت شهادة الدكتوراة والتخصص ثم درجة الأستاذية.

في إحدى زياراتي للسودان قرأت في الصحف أن أستاذي العظيم قد تم تعيينه وكيلاً لوزارة الصحة فلم أتمالك نفسي من السعادة فذهبت إليه لتحيته وتهنئته ولإحياء ذاكرة قديمة لطالما توهجت به، وأيضاً لأبحث معه ما يمكننا أن نقدمه معاً من أجل هذا الوطن. وجدته وهو في فناء الوزارة .. عرفته بنفسي فتذكرني ورحب بي وقال لي بأنه يبحث عني ويريد لقائي بصورة عاجلة عند الساعة السابعة من صباح الغد بمكتبه. كدت أطير من الفرح ولم أنم ليلتها وأنا أعد لمشاريع يمكننا أن نقدمها سوياً.

منذ الساعة السادسة كنت أمام مكتبه. حضر هو عند السابعة والنصف .. تصافحنا وذهبنا لمكتبه. بادرني القول بأنه شاهد لي لقاءً بالتلفزيون قبل فترة تحدثت فيه عن انجازاتي .. وباختصار طلب مني ما يثبت ذلك!! عبر لي عن إستيائه لظهوري عبر الشاشة لأتحدث عن اكتشافاتي وقال بالحرف أن الأطباء مستاؤون أيضاً لكنهم لا يواجهونك بل يقولون ذلك من ورائك!! ثم استرسل قائلاً: كيف تدعي بان لك هذا العدد من المنشورات العلمية وأنه نفسه لم ينشر نصفها!! وإن كنت أنا أملكها حقيقة فماذا أريد بعد ذلك ولماذا أرهق نفسي أكثر في البحث والنشر؟! ذكر لي في الختام بأنه سيوقف مرتبي الأساسي (الهزيل) إلى أن أرسل له من السويد تلك الإثباتات لتوضع في ملف شئون العاملين. وقام بتسجيل هذا المطلب بملفي وهو موجود حتى الآن وأوقف المرتب بالفعل.

 كنت وأنا أستمع إليه أنزعه حرفاً حرف من كل خلايا الإعجاب والقدوة وندمت كثيراً لاقترابي منه فصورته كانت أجمل من بعيد .. ثم حملت أشواقي وعدت بها متلفعاً "بالحزن" والصمت. بالتأكيد لم يعني لي المرتب شيئاً يذكر، لكنني أرسلت له من السويد وقتها أكثر من ستين بحث وكان يمكن أن يجدهم على مراكز المنشورات العلمية بالإنترنت!! ثم كتبت له قائلاً: أرجو أن يسعهم ملف شئون العاملين لديكم .. ولم أزد على ذلك حرفاً.

لكم هو خطير هذا الجهاز الإعلامي وشاشته البلورية .. لكن الأخطر منه هو تلك النفس البشرية التي تظل صغيرة مهما كبرت حولها الألقاب والمسميات وسنوات العمر. ونواصل..

 

مدخل للخروج:

إني بنار جحيمكم و بغلكم كالماس أبقى ساطعاً متوهجاً في كل حين.. إني أحس بقوة تسري عميقاً في دمائي كلما أزف العناق و كلما وجفت قلوب الحاسدين..

 

معز – البحرين