الجمعة، 14 يوليه 2017

شهد هذا الأسبوع، الذكرى السادسة لاستقلال جنوب السودان، بعد أن صوت الجنوبيون بأغلبية تقارب الإجماع على الانفصال عن جمهورية السودان، وتأسيس دولتهم الخاصة، فكان لهم ما أرادوا،

لكن جوبا لم تجد سبباً لكي تحتفل بهذه المناسبة رغم أهميتها، لأن دولة الجنوب الوليدة يحيط بها من المشاكل ما يوشك أن يؤدي إلى انهيارها أو فرض وصاية دولية عليها، بعد أن فشلت كل المساعي الإقليمية والدولية في وضع حد لحربها الأهلية، أو إقناع أطراف الصراع بتنفيذ اتفاقية السلام التي وقعوا عليها قبل أكثر من عام. وقد أعلنت جوبا أن الظروف التي تحيط بالجمهورية الوليدة لا تسمح بالاحتفال بهذه المناسبة.
واقتصرت ذكرى الاستقلال على خطاب وجهه الفريق سلفاكير رئيس الجمهورية للأمة في هذه المناسبة، مؤكداً أن الانفصال عن جمهورية السودان كان هو مطلب شعب الجنوب، وأن الجنوبيين ليسوا نادمين على أنهم اختاروا الانفصال خلال ذلك الاستفتاء، وأنهم لو طلبوا منهم أن يصوتوا في استفتاء يجري اليوم لصوتوا ثانية للانفصال وقيام دولتهم.

والفريق سلفاكير يعلم تماماً أن قرارهم ذلك قد لقى القبول من الدولة الأم (السودان) ومن المجتمع الإقليمي ومن المجتمع الدولي، وأن الدولة الوليدة وجدت تعاطفاً غير مسبوق من دول كبرى في مقدمتها الولايات المتحدة، ووجدت دعماً اقتصادياً ومادياً وسياسياً عبر دول محددة من دول أوروبية وأميركية، بل وبالغ البعض ونظر إليها كدولة مرشحة لأن تقدم نموذجاً يحتذى في قلب القارة الإفريقية،

ولكن النخب الجنوبية المتصارعة والتي عادت واستعادت النعرات القبلية لكي تدعم موقفها، نجحت في إجهاض مشروع دولة جنوب السودان قبل أن يكمل عامه الثالث، وأدخلت البلاد في دوامة الحرب الأهلية ومارست شتى أصناف العنف والدمار والقتل على الهوية، وبددت ثرواتها الطبيعية، ولم يسلم من الأذى النفط الذي هو شريان حياتها،

ولذلك باتت تواجه اليوم وضعاً اقتصادياً مزرياً، وهي لا تستطيع سداد رواتب موظفيها، بل والأخطر من ذلك أنها لا تستطيع أن تدفع رواتب الجنود الذين قد يتمردوا عليها في أية لحظة- وعانى أهلها من مجاعة لم ينقذهم من براثنها إلا الغوث الإنساني، وأدت إلى لجوء الملايين لدول الجوار، هرباً من ذلك الواقع المأزوم.

كل هذا التردي لم ينجح في أن يستثير حمية النخب الجنوبية السياسية فلم يتوقف نهب موارد الدولة عبر الفساد، ولم يستشعر القادة مسؤوليتهم الوطنية في ضرورة الخروج من هذا المستنقع بمشروع جديد يعيد للبلاد الأمن والاستقرار، ومازالت المساعي الإقليمية مقتصرة على تحقيق هذا الغرض.

إننا نعرف أننا في السودان، الذي بقي بعد الانفصال، نعاني أيضاً من أزمات لم نحلها بعد، ولكن أزمة الجنوب الحالية فاقت كل ما تعرض له الجنوبيون عندما كانوا جزءاً من السودان، وهذا هو سبب خيبة الأمل التي أصابت الكثيرين منهم،

ورغم ذلك فإن أحداً لم يطالبهم بالتخلي عن استقلالهم،

ولا التنكر لقرار الانفصال الذي اتخذوه قبل ستة أعوام،

وكل الذي نطالبهم به أن يعيدوا دولة الاستقلال على أسس جديدة،

تخرج بهم من هذا المستنقع!