الجمعة، 01 ديسمبر 2017

قبل أسبوعين، واجهت العملة الوطنية في السودان تحدياً غير مسبوق، حينما تدهورت قيمتها خلال يوم واحد من اثنتين وعشرين جنيهاً مقابل الدولار الأميركي إلى خمسة وعشرين جنيهاً، ثم إلى ثمانية وعشرين، لتقف على حافة الثلاثين جنيهاً؛ أي ما يساوي ضعف سعرها الرسمي!!
لم يكن مستغرباً حينها أن تأخذ رئاسة الجمهورية زمام المبادرة وتدعو إلى اجتماع للقطاع الاقتصادي لمحاصرة هذه الظاهرة، ولكن المستغرب كان أن تركز كل المعالجات المقترحة على الجانب الأمني، واعتقال تجار العملة، ومحاصرة حركة المتاجرة بالنقد الأجنبي بدلاً عن البحث عن حل اقتصادي عاجل وآخر طويل المدى، يهدف إلى استعادة العافية للاقتصاد السوداني المنهك، بعد أن فشلت برامج الإنقاذ الثلاثية والخماسية في توفير مدخل لمعالجة الأزمة التي تدخل الآن عامها السادس.
وغاية ما تحققه الحلول الأمنية أن تؤدي إلى اختفاء تجار العملة من الأسواق، واختفاء الدولار من السوق، فيدشن مرحلة انكماش اقتصادي في وقت يتصاعد فيه التضخم، فيقع المواطن المغلوب على أمره فريسة لهذا الضغط المزدوج.
وهذا هو ما حدث بالضبط، وهو الذي شكّل الصورة أمام الاجتماع الثاني الذي انعقد يوم الاثنين الماضي لاستعراض موقف تنفيذ الإجراءات الأمنية التي قررها الاجتماع الأول، فثبت اختفاء المضاربات والمضاربين، واختفى معهم الدولار من السوق تماماً، وانخفضت حركة البيع؛ لأن التجار باتوا في حيرة من أمرهم، فهل يعتبر بنك السودان حالة الانكماش الراهنة هي العلاج لأزمة تدنّي قيمة العملة الوطنية؟!
عقب الاجتماع الأخير، صرّح محافظ بنك السودان أن غرضهم هو «توحيد سعر الصرف في سوق النقد الأجنبي دون اللجوء إلى تعويم الجنيه السوداني أو تحريره»، وأن الإجراءات الإدارية والأمنية التي اتُّخذت مؤخراً، كانت تهدف إلى محاصرة الانفلات والمضاربات والمتاجرة في العملات، بينما تعمل الدولة على ترشيد الاستيراد، وتقليل الطلب على النقد الأجنبي، مع زيادة العرض للنقد الأجنبي.
واعتبر أن إجراءت محاصرة المضاربات والمضاربين قد نجحت في تحجيم هذا النشاط الضار. لكن المحافظ لم يتطرق إلى اختفاء العملات الأجنبية تماماً، وإلى حالة الكساد التي نتجت عن القرارات، وتوقّف أو انحسار حركة البيع والشراء تحت حالة الشك السائدة في السوق الآن!!
لا يمكن أن يُوصف اختفاء العملات الأجنبية تماماً بأنه نجاح وبنك السودان لم يضخ أي عملات أجنبية عبر المصارف، وعملات السوق الموازي اختفت تماماً، فتوقف الاستيراد، وسادت حالة الشك التي خلقت الكساد ورفعت الأسعار!!
كنا نظن أن الاجتماع عالي المستوى الذي دعت إليه الرئاسة، سينشغل بمعالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمة، وأن يضع خططاً قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لمعالجة الأزمة، وأن يكون في مقدمة الحلول العاجلة الحصول من مصادر صديقة على دعم مالي أو قروض طويلة الأجل، تدعم ميزان المدفوعات ريثما تنجح السياسات متوسطة وطويلة الأجل في زيادة الإنتاج والإنتاجية، وبالتالي زيادة حصيلة الصادرات حتى يستقيم ميزان المدفوعات.
وكنا نتوقع أن يتوقف الاجتماع عند الفشل الذي صاحب برامج الإنقاذ الثلاثية والخماسية؛ حتى يعالج أسباب ذلك الفشل، وكنا نتوقع أن يقف الاجتماع عند تبعات اقتصاد الحرب، ويدرك أنه من المستحيل خفض نفقات الدولة ما دامت تلك الدولة تدير حروباً أهلية في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة، وأن نفقات وتبعات الحرب تلقي بأعباء فوق طاقة الاقتصاد الهش أصلاً، وأن التعامل بـ «القطّاعي» مع أزمة مستحكمة مثل أزمة السودان الاقتصادية لن توفر حلاً للمشكلة..
قد يحقق مثل هذا التوجه بعض «المسكّنات» الوقتية، ولكنه لا يستهدف جذور المشكلة بكل أبعادها الكامنة والظاهرة للعيان. والحل الأشمل يحتاج إلى وقت أطول، بينما لجوء الحكومة إلى الدول الصديقة للحصول على دعم سريع هو الوسيلة الأصح لمجابهة المشاكل الآنية ريثما تنجح الحلول بعيدة المدى في تحقيق المعالجات الجذرية.
أما إذا اعتبرت الحكومة أن الهدوء الحالي في سوق العملات الأجنبية هو الحل الناجع للمشكلة،
فستكشف غداً أن الأزمة ما زالت قائمة، وأنها قد ازدادت تعقيداً.