كثير من أعضاء البرلمان السوداني رددوا مؤخراً، وعبر العديد من المنابر، دعوتهم للحكومة لكي تتبنى سياسة تقشّف صارمة، كإحدى الوسائل لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، التي يعيشها السودان حالياً، ولا شك أن التقشف وخفض المصروفات الحكومية هو مطلب ملح وضروري، لا يقل أهمية عن مطلب زيادة الإنتاج والإنتاجية،

ولكننا عندما نتحدث عن خفض الإنفاق الحكومي نفكّر في معالجات جذرية، تضع حداً لممارسات الحكومة القائمة على أساس خلق الوظائف الدستورية دون مبرر، سوى شراء ولاء بعض المتطلعين للسلطة، حتى يدعموا النظام القائم، بسبب المنافع التي تعود عليهم على حساب حقوق المواطنين.

ليس المطلوب معالجات سطحية، إنما المطلوب هو علاج ينفذ إلى جذور المشكلة، ويضع حداً للممارسات (الزبائنية) التي تشتري الولاء السياسي بالوظيفة العامة. وإذا كانت هناك جدية في التعامل مع هذا المطلب، فلتكن البداية بالقمة، بإلغاء كل وظائف مساعدي رئيس الجمهورية، وكلها وظائف سياسية لا معنى لها، ولا فائدة ترجى منها،

ويأتي بعد ذلك مباشرة إلغاء هذا العدد من الوزارات الهلامية، وما يصحبها من وظائف مكتبية (مديرو مكاتب - سكرتارية وكوادر أمنية وحراسة، وسيارات عديدة للوزير، وسائقون يعملون طوال اليوم)، فحكومة متقشفة لا تحتاج لأكثر من خمسة عشر وزيراً، ولا مكان فيها لأي وزير دولة ولا توابعه.

ويقتضي الموقف تجميد بعض مظاهر الحكم الفيدرالي مؤقتاً لعامين أو ثلاثة، وذلك بإلغاء الحكومات الولائية، فنحتفظ بمنصب الوالي، ونلغي مناصب الوزراء الولائين، ويتولى عملهم وكلاء الوزارات، والمديرون العامون، كما نلغي منصب المعتمد السياسي الذي يمكن أن يؤدي عمله - وبكفاءة أكثر - الضباط الإداريون، وواجبات المعتمد هي مهمتهم، بل ومهنتهم، والمعتمد وظيفة خلقت للترضيات، وشراء الولاء، ولا فائدة ترجى منها،

بل ويطال التجميد البرلمانات الولائية، ولا يضير الناس أن تختفي تلك البرلمانات لسنتين أو ثلاث، فهم أصلاً لا يحسون بوجودها، وهي في أحسن الأحوال انحصرت مهمتها في إجازة كل قرارات الجهاز التنفيذي.

إذا كانت هناك دعوة جادة لخفض النفقات، فهي ينبغي أن تسير على هذه الطرائق، لا أن تسعى لتقديم مقترحات فطيرة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تحقق خفضاً محسوساً في النفقات، فالحكم الاتحادي هو مشروع عالي التكلفة، بل إن مرتبات القائمين بأمره يتم الوفاء بها خصماً على تنمية الولايات، فتضيع الأموال بين مرتبات ومخصصات وحوافز أولئك الذين يملؤون وظائف تنفيذية وتشريعية هلامية، وتظل الولاية تعاني، بل وتفشل، في تمويل أقل الخدمات التي ينتظرها أهل الولاية.

فعلى مستوى السودان تدفع مخصصات لأكثر من ألف عضو برلماني، وقرابة المائة وخمسين وزيراً، وقرابة المائة معتمد، إضافة للوزراء والمشرعين في المركز.

إذا كانت زيادة الإيرادات هي الوصفة الإيجابية للخروج من براثن الأزمة الاقتصادية، فإن خفض النفقات هو الوصفة الموازية لها، التي تساهم في خلق التوازن المطلوب، بل واختفاء هذه الوظائف الهلامية من شأنه أن يزيد كفاءة الأداء الحكومي، بعد أن يتخلص من هذه التشوّهات التي تعوق الأداء.

لقد ترهل الجهاز الدستوري في السودان كثيراً بسبب (المحاصصة) القبلية والجهوية والسياسية، ومحاولة شراء مجموعات ضغط، مهما كان حجمها، عبر الترضيات والوظائف الوهمية،

وأية محاولات لإصلاح هذا الوضع المعوج لن تؤدي إلى تقليل نفقات الحكومة فحسب، بل ستكون خطوة إلى الأمام في سبيل زيادة كفاءة الجهاز الحكومي الذي عانى الأمرين من سياسة (التمكين)، ثم أجهزت عليه (المحاصصة) القبلية والجهوية،

ولهذا السبب، فإننا على قناعة بأن إحداث مثل هذا الإصلاح أمر عصي المنال،

ولن يجد آذاناً مصغية لدى السلطة !!