الجمعة، 13 أبريل 2018

ارتفعت نبرة التصريحات الصحافية لقيادات الحكومة السودانية، منذرة بحرب شاملة ضد الفساد والمفسدين، بعد أن كانت تلك القيادات فيما مضى، تتذرع بأن الاتهامات التي يرددها الإعلام ينقصها الدليل القاطع، ومتخذة من هذه الحجة سبباً لعدم تفعيل قوانين مكافحة الفساد، بل ولإضعاف السلطات القانونية التي يمنحها القانون المقترح لمحاربة الفساد للمفوضية المعنية بالأمر،

وحتى بعد صدور القانون المخفف، فإن تلك المفوضية لم تعين ولم يعهد إليها بالأمر، وظل القانون مجرد نصوص غير مفعلة، وترقد هانئة في أضابير الدولة.

الفساد الذي استشرى له خلفيات، وله دوافع وأسباب، ولن نستطيع أن نشنّ حرباً شاملة ضد الفساد، ما لم نعالج تلك الأسباب التي قادت إلى هذا الواقع المختل، والسبب الرئيسي بدأ يتخلق منذ أرسى النظام أركان سياسة «التمكين».


يخطئ من يظن أن «التمكين» اقتصر على الوظائف الحكومية، وفصل الموظفين تعسفياً باسم الصالح العام، ليحل محلهم أهل الولاء دون اعتبار للكفاءة، نعم هذا كله حدث، ولكنه لم يكن كل شيء،

فقد طال «التمكين» الساحة الاقتصادية السودانية، سواء في قيادات القطاع الاقتصادي، أم في الناشطين في السوق، فقد كان التوجه منذ لحظة انطلاقة الإنقاذ – الاستيلاء - على السوق ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري للكوادر، التي تم اختيارها بعناية حتى تحتكر وتنفرد وتسيطر على حركة السوق، وتجد الدعم والمساندة والمحاباة من القيادات الاقتصادية في الجهاز الحكومي والجهاز المصرفي.

ليس غريباً في مثل هذه الأحوال أن تنمو «طبقة جديدة»، تحتكر المال والجاه والنفوذ، وتتحالف مع صفوة تمتلك السلطة والقرار السياسي، وتنمو للفساد أنياب، ويكمل سيطرته على المواقع، حتى يستطيع تحالف السلطة والثروة أن يقوم بنشاطاته وهو آمن مطمئن، بعد أن غابت عن الساحة احتمالات المساءلة أو المحاسبة أو إعمال مبادئ حكم القانون.


بدأنا نسمع عن مخالفات مليارية، وعن اختفاء حصيلة الصادر من العملات الأجنبية، وعن تصدير الذهب عبر الحدود تحت حماية واضحة أو مستترة، وسمعنا أسماء لأغنياء جدد لم نسمع بهم من قبل، وعن أرقام فلكية لتقديرات ثروات بعض الأشخاص الذين كانوا في عداد محدودي الدخل،

وتطاول القوم في البنيان، فأنشأوا العمارات السامقة و"شطّبوها" بمستويات أوروبية، واجتازوا الحدود فأخفوا ثرواتهم في بنوك آسيوية متساهلة، أو بنوك أوروبية بعد أن تم غسلها بعمليات معقدة.

الفساد – إذن - لم يعد عملية بسيطة، إنما تحول إلى نشاط أخطبوطي من أنشطة «الجريمة المنظمة» التي تحمل كل ملامح «المافيا»، وبالتالي لن تكون محاربته بالأمر البسيط، وكل ما نسمع عنه اليوم لا يعدو أن يكون الجزء البارز للعيان من «جبل الجليد» ، ولا يظنن أحد أن المفسدين الذين طالتهم المحاسبة سيسكتون أو يستسلمون - إنهم بلا ريب - سيقاومون ولن يتوانوا في استعمال وسائل المقاومة والمراوغة كافة، تماماً مثلما تتصرف عصابات «الجريمة المنظمة»، لأن المصالح التي تربت على هذه الممارسات الفاسدة مصالح كبيرة،

وسيلجأون إلى أسلحة التهديد والابتزاز، حتى تصطدم التحقيقات بعوائق عظيمة، وفي أفضل الأحوال سيلجأ المتهمون إلى فقه «التحلل»، فيضحون بجزء من المال الحرام الذي حصلوا عليه مقابل تبرئتهم.

توطين النزاهة ومحاربة الفساد أمور رهينة ببيئة السلطة، وسيادة حكم القانون والرقابة الشعبية التي يتيحها النظام الديمقراطي، والقيم الأخلاقية التي ينتجها المجتمع المعافى،

أما الأنظمة الشمولية فلا تخلق سوى بيئة معطوبة، وممارسات مشوَّهة،

لا تمهد السبيل للفساد فحسب،

بل تغذي جذوره وترعاه حتى يشتد عوده !!