عندما بدأ البنك المركزي السوداني تنفيذ سياسة «التعويم المدار» للجنيه السوداني، مطلع هذا العام، كان يطمع في أن يتحكم في سعر الصرف بتلك الطريقة؛ لكن الذي حدث أن السوق الأسود هو الذي تحكّم في سعر الصرف، وبدأ السوق الموازي في الصعود المتواصل لقيمة العملات الأجنبية، كما توقّع الكثير من الاقتصاديين آنذاك، وظل البنك المركزي يلهث وراء السوق الموازي إلى أن تقطعت أنفاسه دون أن يلحق به،


وعند ذلك قرر البنك المركزي أن يلجأ إلى الحلول الأمنية باعتقال الناشطين في السوق الموازي وفرض حصار عليهم وإغلاق كل المنافذ التي يدخل عبرها الدولار. ورغم ذلك ظلّ الدولار واليورو بل الريال والدرهم في تصاعد مستمر،


والآن تسعى الحكومة السودانية مجدداً إلى الحلول الأمنية التي أثبتت فشلها، وها هي تدفع للبرلمان بقانون جديد بفرض عقوبات تصل إلى حدّ السجن لعشر سنوات على المتاجرين في العملات الأجنبية، وهي تعلم تماماً أن الجنيه السوداني تتردى قيمته ليس بسبب وجود تجار العملة، بل بسبب الخلل في الميزان الخارجي، وما لم يعالج ذلك الخلل فالسجن والاعتقال لن يحلّا الأزمة الاقتصادية. والحكومة لها الخبرة في هذا الضرب من العلاج، فهي التي حكمت بالإعدام لمجرد حيازة العملة أول عهدها.. فماذا كانت النتيجة؟!


المؤلم أن النصائح تواترت على الحكومة من اقتصاديين ومعلّقين صحافيين وناشطين اجتماعيين، تشير إلى طرائق الحل السليم؛ ولكن الحكومة لم تسمع ولم تهتم بما وصل إلى علمها وظلت تدور في حلقة مفرغة، وها هي تعود اليوم إلى المعالجات الأمنية والجنائية نفسها التي أثبتت فشلها. ورغم انتقادات النواب مشروع القانون فنحن نتوقع أن يُجيز البرلمان القانون بما يشبه الإجماع.. لأن الحزب يريد ذلك!


في مطلع هذا العام، عندما تبنّى البنك المركزي سياسة «التعويم المدار» للجنيه السوداني، كتب الخبير السوداني العالمي إبراهيم أحمد البدوي - الزميل الباحث بمركز التنمية العالمية بواشنطن - ورقة بعنوان «انهيار الجنيه السوداني والتضخم الانفجاري: أزمة اقتصادية بل أزمة وطن»، توقّع فيها أن لا يجدي التعويم المدار؛ لأنه يحتاج إلى إصلاح مؤسسي جذري على صعيد تعبئة وتخصيص الموارد في إطار موازنة تعكس رؤية بديلة لموازنة 2018 سيئة الصيت، وتعتبر النسخة الأكثر تطرفاً في الجباية والاستهتار منذ وصول «الإنقاذ» إلى السلطة. وتكهّن باستمرار الصعود المتواصل لسعر الصرف مع تفاقم أزمة (التضخم).


وقد استنتجت الورقة استحالة انتشال الاقتصاد السوداني من هوته في ظل النظام الحالي باعتباره حاضناً سياسياً، مما يستوجب وجود حاضن سياسي يتمتع بتفويض شعبي عريض ويحظى بقبول دولي وإقليمي، بحيث يستطيع معالجة أزمة الديون الخارجية وإعادة تأهيل السودان بصفته عضواً فاعلاً في مجتمع التنمية الدولي،


ويستند إلى توافق وطني متين دون حاجة إلى الزبائنية الجهوية والقبلية..


ولكن من يسمع؟