وطن حجمه قارة..! منذ نعومة الاظفار وانا نموت وترعرعت وتفتحت ذهنيتي علي هذه المقولة (أننا اكبر قطر افريقي عربي من حيث المساحة-مليون ميل مربع-!) وكذلك نما وترعرع كل من كان سودانيا جنسا وميلادا هذه الفكرة  التي تدل عليها المقولة,ليس هذه فحسب!ايضا نحن محفور في ضميرنا السوداني الخالص اننا وطن ذاخر بالخيرات ظاهرا وباطنا,فمن حيث الرقعة الصالحة للزراعة التي قد لا تتوافر لدول مجتمعة معروفة بانها تعتمد علي الزراعة,ومعروف لدي اننا لم نستغل معظمها !حتي نصيبنا من مياه النيل-رغم المرارة التي في حلوقنا من الالف الي الياء في اتفافية مياه النيل التي فصلها المستعمر اللئيم علي مصر الدولة الجارة التي يصب فيها نهر النيل وكانت قسمتها ظالمة بالتمام والكمال لدول المنبع ولدولة المجري الاطول وهي السودان-رغم هذه المرارة الا اننا لم نستفد من نصيبنا في اتفاقية مياه النيل ونحن في احسن حالات استثمارنا الزراعي,ونحن كنا دولة مشروع الجزيرة-اكبر واهم حسنات البريطانيين الذين اسسوا  واداروا اكبر مشروع مروي في افريقيا و الشرق الاوسط بل انه من ضمن المشروعات الاكبر في كوكب  الارض-قلت ان السودان لم  يستفد من حصته من مياه النيل الي ان جاءت مصيبة البترول!قبل عقد من الزمان وكثرت الجبايات علي مزارع مشروع الجزيرة  وتقاصرت سياسات الدولة عن الاحساس بمتطلبات المزارع بن المزارع بن المزارع (ترابلة كابرا عن كابر!) وانصافه لكي ما يقوم بواجبه في تنمية المحصول وانتاجه بشكل مثمر مبشر ومشجع  للتصدير وتاليا المحافظة علي مكانة السودان في انتاج وتصدير القطن,فقد بلغنا مكانة جد عظيمة باننا كنا اول واهم دولة تزود مصانع لانكشير بالمملكة المتحدة بخام القطن السوداني الذي يعد الاجود او من بين الاجود في الدنيا!
ورغم اننا سكانيا لم نكن قد بلغنا العشرة ملايين نسمة –او ربما دون ذلك بكثير-حين جاءت ساعة ان نستقل عن المستعمر الانجليزي الذي جثم نحوا من واحد وسبعين عاما علي صدرنا,الا اننا اشتهرنا وتميزنا بتاريخ مشرف في مقاومة المحتل الذي تمت ابادة معظمه في  (شيكان وكرري) فقرر ان ينصاع لارادة امتنا العظيمة ورضخ للخروج باقل خسائره وتم لنا الاستقلال في نوفمبر 1955 من داخل قبة البرلمان وتم الاعلان فجر الاول من يناير 1956!
ان من اسرار  تميزنا كامة سودانية,رغم قلة عددنا هو ما اشتهرنا به من خصائص وكرائم بين الشعوب ,وما ذاك الا لتاريخنا الضارب بعروقه في باطن حضارة البشر فنحن اقدم حضارة اقامها الانسان وهذه حقيقة شهد بها اهم واصغر رئيس للدولة الامريكية الشمالية(الولايات المتحدة)جون كينيدي حينما زاره الفريق ابراهيم عبود اوائل سنة 1964حينما زار واشنطن مطبعا العلاقات معها ,قال الرئيس كينيدي للفريق عبود مستقبلا اياه:-التحية من رئيس احدث دولة في العالم الي رئيس اقدم واعرق  دولة فيه!
ان المستعمر البغيض دون ان يدري ضم جنوب السودان وشماله الي بعضهما البعض,ورغم انه لم يفعل ما فعل بدافع خير ,انما فعلها بدافع غرس قنبلة موقوتة تنفجر في حينها لتفرق شطري ارض النيل,عقابا منه فيما يبدو لاهل السودان الكرماء الاشاوس لانهم لم يحسنوا استقباله ولم يتحملوا وجوده الثقيل سوي سبعين عاما.ففاجأه أهلي السودانيون بتقارب اللحمة بين شطريه علي مدار تسعين عاما مضت(هي فترة من سن قانون المناطق المقفلة 1925 والي حين 2010 الميقات  الذي تم فيه الاستفتاء الحر للاخوة الجنوبيين)بلغت لحمة ابناء السودان ذروتها مع بعضهم البعض سنة1924 عندما اندلعت ثورة اللواء الابيض اول تشكيل منظم لمقاومة سودانية خالصة وكان قائدها جنوبيا خالصا سودانيا خالصا هو البطل علي عبداللطيف!كذلك كان للشعب الجنوبي دور مهم في الرد علي فرضية الاتهام بكراهيته للشمالي (موندوكورو) حينما بدأ اهلنا الكرام الشماليون هجراتهم  الطوعية الجنوبية بغرض التجارة والتداخل الاجتماعي الطوعي فكان ثمرة ذلك التنمية الاجتماعية الاقتصادية التي حدثت بمدن الجنوب التي اصبحت بمرور السنين عواصم للاقاليم الجنوبية ,وذات الشيئ اثبته الاخوة الجنوبيون عندما اجبرتهم الحرب ولعنتها منذ سبعينات القرن الذي مضي علي ان ينزحوا فرارا من لظاها الي مكان اختارته فطرتهم واطمانت اليه قلوبهم هو شمال البلد وبعد ان وضعت الحرب  وزرها اول مرة بعدما وقع الرئيس نميري رحمه الله مع حركة انيانيا في اديس ابابا الاثيوبية اتفاقية دامت عشر سنوات ,لم يرجع الاخوة الجنوبيون من شمال السودان بل اكدوا رغبتهم في البقاء في شطر بلدهم الشمالي فطاب بهم المقام وتوالت اجيالهم وخرجت وتعلمت في شمال بلدهم وتفصحوا في لغة الضاد حتي فاق بعض منهم بعضا من اهل الشمال في اللغة العربية ولا غرو! فهي لغة الضاد ,ونبغ فيهم من نبغ في مجال دراسته في جامعة الخرطوم وغيرها ونالوا فيها وفيما سواها درجات رفيعة  في الهندسة والقانون والطب وغيرها من التخصصات عربي! بل ا ن الاخوة في شعب الجنوب الحبيب لم يتمكنوا ان يزيلوا فارق اللهجات بينهم ولم يستطيعوا ان يوحدوا تداخلهم الثقافي الاجتماعي المتباين الا عبر استخدام اللغة العربية التي اختاروها لكي تكون الرابط الثقافي الدائم القوي بين قبائل الجنوب المتشعبة جدا!وهو (مايسمي عربي جوبا!)
ان الذي نحن مقبلون عليه من اتفاق سلمي تم بنية وارادة سودانية خالصة افضي الي الاستفتاء الذي اختار فيه الجنوبيون ان ينفصلوا عن حضن البلد الام  رغبة منهم في ان يكونوا دولة جديدة,رغم ما فيه من الحرية هذا الاتفاق والشفافية والديمقراطية التي ثبتنا فيها مدي احقيتنا وجدارتنا بالسمعة التاريخية المحترمة عبر تاريخ الجنس البشري! ذلك ان الاتفاق الذي افضي الي الاستفتاء (نيفاشا-كينيا2005)تم سودانيا-سودانيا خالصا,كذلك ان احترام الطرفين لميقات الاستفتاء الذي نصت عليه الاتفاقية وتنفيذه بحذفوره شكل اضاءة بالغة الجمال في سجل امتنا السودانية التي حلحلت مشكلها الاكبر بتقدير ومجموع وطني خالص دون ان نسمح لمتدخل من الخارج ايا كان ان يتدخل!ولكن....
ولكن هناك جانب اخر من الزجاجة لا بد من ان نراه ونحاسب انفسنا فيه اشد الحساب!هو ان التاريخ يسجل بمداد شفاف وبامانة ما حدث وما يحدث وما سوف يحدث دون نقص او اضافة!ان مجرد ان يتم فصل متعمد للجنوب في عهد من العهود بطرفيه الحكومة والمطالبين بالانفصال من الجنوبيين يعد حدثا كبيرا جدا وخطيرا جدا وحزينا جدا!ويجب علي الساسة من الطرفين الذين تم في عهدهم او عهودهم هذا ان يكونو ا متاهبين للمحاسبةالتاريخية التي هي حادثة لا محالة طال الزمن او قصر!(لان يوما عند ربنا كالف سنة مما نعد!)ويجب الاينسي حكامنا انهم لم يولدوا حكاما ولم يرثوا الحكم بل سعوا اليه وبعضهم قاتل فيه وخاض الحروب,يجب عليهم ان يتذكروا انهم اختاروا اختيارا ان يتشظي الوطن علي ايامهم وباياديهم وبكامل رغبتهم السياسية مستغلين سطوة الحكم التي قيضها الله لهم ان يقرروا نيابة عن امة كاملة ان يقطعوا ويمزقوا بلدا تربوا هم فيها صغارا وهي كاملة وتنقلوا في ربوعها وتشكلت وجداناتهم عليها,وتجمرت سبائك الوجدان السوداني بها(مثلما قالها ذات يوم نائب الرئيس في مؤتمر صحفي:تجمرت سبيكة الوجدان السوداني!) تري هل يستطيع ان يعيد مثل هذا القول؟؟؟ان اللحمة التي تربط وربطت عبر العشرات من السنين بين الجنوب والشمال  لم تصنعها السياسة ولن!بل هي نتاج تلاقح وتعايش ازلي وجداني انساني خالص!
ان من امراض الساسة الحاكمين ان الكرسي الذي يجلسون عليه يزين لهم حكمهم وفعالهم ويستبعد عنهم جدا انهم بشر معرضون للتفريط والافراط خا صة حينما يجلسون علي كرسي الحكم!ان الخطا التاريخي الذي اوقع فيه ساسة الشمال والجنوب انفسهم هو انهم لم يشاءوا ان يستفتوا الثقافة في قضية الجنوب!لان الثقافة حاسمة تمام الحسم امر الاستفتاء!فالجنوبيون يعتمدون ماعونهم الثقافي الاول ووسيلتهم للتفاهم فيما بينهم اللغة العربية(عربي جوبا)وهم من الناحية السكانية نصف العدد او ما يقرب منه في الجنوب وهم مطمئنون لتواجدهم بالشمال  منذ ربع قرن او يزيد! فلم لم يتم اعتماد استفتاء الثقافة التي هي تقود السياسة وليس العكس؟؟!!
ولئن قال قائل  ان نفوس واحقاد قد طفحت وبلغت الزبي في سيلها اقول:-ان الخراب والتحتطيم الوجداني الذي ارتكبته الحرب في الثلاثين عاما الماضية قد شوه سودانية الشمال والجنوب ومحي او كاد وحدتهم الوجدانية الثقافية (وهذا لعمري مما هو معروف عن اثر الحرب الطاحن الوشيك القوي) واني لاجدني جد مندهش من الابواق التي ارتفعت اصواتها من الشماليين الذين تبنوا وانشاوا منابر تروج لتقنين ومباركة الانفصال من ناحية ثقافية ووجدانية!يريدون ان يمحوا في عشر سنين او اقل واقعا تشكل في حوالي قرن من الزمان!!!
لئن ظن او يظن اي سوداني شماليا كان او جنوبيا ان الذي سوف يحدث بعد ايام قليلة من انفصال شطري الوطن العزيز فيه بشري خير لاي منهما فهو واهم يجب ان يراجع نفسه!ان الذي سوف يحدث هو اقرب ان يكون جريمة في حق الوطن ومواطنه الذي لم يستفت في الشمال وهم الاغلبية الساحقة في مدي استعدادهم ورغبتهم في ورغبتهم ان تظل اللحمة بينهم وبين اخوانهم الجنوبيين؟!ولئن ظن الساسة الحكام انهم باتفاقهم هذا سوف يفرضون واقعا جديدا مطلوبا ويلقي تاييدا اجتماعيا وثقافيا سودانيا سودانيا علي المدي القريب فهم واهمون جدا ويجهلون ماهية الامة التي سعوا لحكمها!ويبقي املنا في الله الديان الباقي وفي جذور اللحمة الوجدانية وفي مداواة الزمن للجرح المنكوء كي يندمل قريبا ويحدث لم للشمل في القريب(وان غدا لناظره قريب!)وحتي يحدث هذا:لهفي علي بلدي وهي تتشظي بايدي بنيها!
هذا وبالله التوفيق!

Niazee elawad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]