وداعاً فاطمة... وتبقى بيننا جذوة التغيير والوعي والاستنارة
برحيلها الفاجع اليوم، تكمل البطلة السودانية الجسورة رحلة ٦٠ عاماً من النضال المستمر الذي لا يعرف الكلل من أجل الديمقراطية والحرية والمساواة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وتعزيز دور المرأة وفتح الأبواب على مصراعيها أمام مشاركتها في الحياة العامة بكل جوانبها السياسية والاقتصادية والتشريعية، فضلاً عن حقوقها في مجال الأسرة والأحوال الشخصية.
رحلة بدأتها فاطمة منذ وقت مبكر منذ أن كانت طالبة بمدرسة أم درمان الثانوية حيث أصدرت الجريدة الحائطية "الرائدة" وبادرت بتنظيم أول إضراب نسائي من نوعه للطالبات احتجاجاً على قرار إدارة المدرسة بوقف تدريس مادة العلوم للطالبات واستبدالها بمادة التدبير المنزلي انصياعاً لسياسات الاستعمار والدوائر الرجعية الموالية له في السودان. ولم يكن هدف تلك السياسات سوى حصر المرأة وتحجيم دورها وإقصائها من الحياة العامة.
ولكن هيهات. فما أن حل العام ١٩٥٢ حتى نشأ الاتحاد النسائي السوداني بريادتها ومشاركة رفيقات أخريات ماجدات من بنات ذاك الجيل الذي شبّ عن الطوق وتمرّد على النظرة التقليدية للمرأة ودورها الاجتماعي. وبفضل ذلك المارد النسائي العملاق تحطمت القيود والتشريعات المكبلة لحريات المرأة وحقوقها فاقتحمت المرأة السودانية الحياة العامة من أوسع أبوابها. وتبوأت المرأة السودانية أول منصب في القضاء، وأول عضوية في البرلمان فضلاً عن توليها أرفع المناصب الإدارية والسياسية، بما فيها عضوية اللجنة المركزية والمكتب السياسي لأكبر حزب شيوعي في المنطقة العربية والإفريقية حينها، هو حزب فاطمة: الحزب الشيوعي السوداني.
ملحمة من النضال البطولي ضد كافة أنظمة القهر والاستبداد خاضتها فاطمة ورفيقاتها في الحزب والاتحاد النسائي والحركة الجماهيرية النسوية عامة منذ ديكتاتورية عبود مروراً بديكتاتورية نميري وصولاً إلى نظام عمر البشير الجاثم على صدر السودانيين على مدى ما يزيد على ربع القرن.
من المحزن والمؤسف جداً أن ترحل عنا فاطمة وهي غريبة الديار والوطن في المنافي التي شردتها إليها الإنقاذ. محزن أن تنال أرفع الجوائز العالمية والإقليمية على مسيرة نضالها ودفاعها عن حقوق المرأة، وأن تضع جامعة بريطانية اسمها في قائمة أعظم الشخصيات العالمية، وألا تجد من وطنها الذي أحبته وناضلت من أجله سنين حياتها كلها سوى الاعتقال والتشريد والنفي. ويا لحسرتها وقد أصبح اضطهاد المرأة ومصادرة حقوقها وحرياتها ومكتسباتها التاريخية هدفاً استراتيجياً لنظام الإنقاذ المعادي للإنسان عموماً، وللنساء على وجه الخصوص.
ولكن حفيداتك يا فاطمة ...شعبك .. حزبك أولادك وبنياتك ما زالوا جميعاً يحملون الراية عنك يستمدون منك الوعي والجسارة والثبات وهم يواصلون السير نحو وطن ديمقراطي حر يستعيد حقوق النساء كاملة ويرد عنك غربتك وترقدين في ترابه في سلام أبدي.
العزاء الحار لأسرتها وابنها أحمد، لرفيقاتها في الاتحاد النسائي والحزب الشيوعي، ولجماهير الشعب السوداني قاطبة.
التحالف الديمقراطي بالولايات المتحدة
السبت ١٢ أغسطس ٢٠١٧