الحركة والمؤتمر الوطني
يهدمان التعايش السلمي في جنوب كردفان و يغرسان بذور الكراهية

إن الحرب التي يقودها كل من المؤتمر الوطني و الحركة الشعبية في منطقة جنوب كردفان و أبيي، لتحقيق أهداف سياسية ذاتية محضة، تهدم النسيج الإجتماعي المشترك الذي ظل يجمع بكل سلم و طمأنينة كل الطيف الإجتماعي الذي يشمل كافة القبائل و العشائر، وتشمل كذلك التنوع في العقائد الدينية. إن تصوير الحرب القائمة بين شركاء نيفاشا، على أنها حرب أهلية ، بين القبائل العربية و القبائل غير العربية، أو حرباً بين المسلمين و غير المسلمين، هو نزاع مفتعل بين المكونات الإجتماعية في المنطقة، وأن تلك المكونات لا مصلحة لها البتة في النزاع التوسعي للنفوذ الحزبي للمؤتمر الوطني أو للحركة الشعبية، مثلما لا توجد مصلحة لشعب السودان في عمومه في مثل تلك الحرب التي تهدر التماسك الإجتماعي في كل السودان.
إن حرباً مثل هذه التي يشعلها  نظام البشير و الحركة الشعبية، تضع السودان في مرحلة جديدة من التفتيت و التمزق ، القائم على أسس عرقية و جهوية و دينية، لم يكن لها أن تجد موطئاً في السودان لولا السياسات غير المسئولة التي ظل طرفا إتفاق نيفاشا يتعاملون فيها مع أكثر قضايا السودان حساسية، مثل موضوعات إدارة التنوع الثقافي و الحضاري و قضايا التنوع الديني و مشاكل التنمية.
إن حكومة البشير ظلت تتعامل مع مشاكل جنوب كردفان عموماً، بخلق تحالفات خفية ذات أهداف غير وطنية مع قبائل ضد أخرى. هذه التحالفات المشبوهة تم إنجازها أحياناً لخلق زراع أهلي مساند في العمليات الحربية، أو لتهميش قوى إجتماعية مسيطرة و خلق مراكز قوة جديدة، وما سياسات تجنيد و تسليح القبائل في دارفور و جنوب كردفان، و حتى في جنوب السودان، إلا جزءاً من ذلك المخطط المشبوه الذي ظلت تدير به المجموعة الديكتاتورية السودان منذ يونيو 1989.
خطورة هذه السياسة تكمن في إنها تمارس ، في مجتمع سوداني يمكن أن يوصف بإنه،  ظل يتعايش مع تلك التمايزات بإحترام، و ظل أفراده يديرون شئونهم وفق منهج تشاركي، يعززون من خلاله المشتركات، و يتعاملون بحكمة عالية مع الموضوعات التي قد توقظ الفتن. أن راس النظام و رئيس الحزب الحاكم، ظل يطلق التهديد و الوعيد القائم على أساس عنصري في وجه بعض المجموعات، ناكراً عليهم حقهم في العيش بإحترام ، و حقهم في  إحترام مكوناتهم الإجتماعية و الثقافية المتميزة. فسياسة التحالفات مع القبائل في سياق مشاكل التنمية و الفقر في دارفور ، خرجت بالمطالب الإقليمية من كونها مطالب متصلة بالتنمية إلى مطالب المساواة و إنهاء التفرقة و التمييز و هيأت  الأرضية للإعلام الدولي ليصورنزاع حكومة البشير و المجموعات المسلحة في دارفور، على أنها حرب بين العرب و غير العرب.
إن تلك السياسة، ليست هي سياسة عابرة إرتبطت بنزاع معين دون الآخر، بل هي سياسة ممنهجة ظلت تنتهجها حكومة البشير بوعي و إدراك عميقين، فقد كانت هي ذات توجهات قادة الحرب حين كانوا يديرون آلة الحرب ضد في جنوب السودان، حين كانوا لا يوصفونها إلا بأنها جهاد ، أو حرب بين المسلمين و غير المسلمين، أو حرب بين العرب و غير العرب، ناسفين بذلك التاريخ النضالي الطويل بين الشمال و الجنوب ضد الإستعمار ، النضال المشترك ضد البرنامج الطفيلي الرأسمالي الذي قادته الجبهة القومية الإسلامية منذ إتحادها مع نظام الديكتاتور جعفر نميري و حتى تاريخنا الراهن. هذه السياسة المجرمة إتخذها نظام جنرالات الجبهة الإسلامية في تعاطيهم مع مشكلة الإستفتاء لجنوب السودان، ومشكلة أبيي وغيرها. و لقد كانت صحيفتهم الإنتباهة دائماً هي بوقهم الذي يشعل نار الحرب الإهلية، و تهيئ المناخ للإقصاء على أساس قبلي أو ديني، فهي التي قادت الحملة الإعلامية التي قصد منها دفع الجنوبيين دفعاً، بجانب ظروف أخرى، لإتخاذ الإنفصال حلاً نهائياً، بعد أن بشرهم قادة الإنقاذ بالويل و الثبور و عظائم الإمور في حال قبولهم العيش المشترك مع شمال السودان.
هذه السياسة الممنهجة و المدبرة، تعبر عن عقلية قادة الإسلام السياسي، بحكم عقليتهم الإقصائية التي أكدتها تجربتهم في الحكم في السودان، أبان دكتاتورية مايو و إبان حكمهم الذي مازال الشعب السودان يعيش ويلاته منذ يونيو 1989. وبالنتيجة ظلت تلك السياسة معضلة كبيرة أمام مسيرة التعايش السلمي في السودان، و بالنتيجة تشوه المفهوم الحقيقي للعروبة و للإسلام و تلصق بهما أوصافاً بعيدة عن جوهرهما من خلال نسب أفعالها العدوانية و الإقصائية للعروبة و الإسلام.
إن المبادئ العنصرية التي يقود بها حزب المؤتمر الوطني و حزب الحركة الشعبية صراعهما السياسي و العسكري في مناطق جنوب كردفان، تسئ بشكل واضح للعلاقة بين القبائل و المجموعات السكانية التي ظلت تعيش بسلام و إخاء في ذلك الإقليم، و تعطل الرغبة الطوعية في البقاء المشترك في إقليم واحد من خلال تغذية النزاعات العنصرية و تعبئة قبائل في مواجهة أخرى، الأمر الذي يخلق بيئة مواتية للكراهية و ديمومة الحرب.
دون إغفال الطبيعة العنصرية التي ترتكز عليها الحركة الشعبية في صراعها السياسي مع حزب المؤتمر الوطني، و توظيفها لآلية الكراهية الدولية ضد حكومة البشير. فإن طبيعة نظام جنرالات المؤتمر الوطني، و بوصفه من أبشع النظم الديكتاتورية التي شهدها التاريخ، ليس في السودان فحسب بل في إفريقيا و الوطن العربي، برفضه للشعب السوداني، حقه في التعبير و الديمقراطية و حقوق الإنسان، فكان على الدوام نظام أحادي يدير السودان بعقلية أحادية لا تقبل من الآخر إلا الخنوع و الرضوخ، فأدخل السودان في دوامة من الدوار السياسي و الحروب الإهلية و التفتت و التمزق، و تظل النتائج المتوقعة أسوأ في ظل إستمرارية هذا النهج من الحكم في ظل غياب الديمقراطية، و إحتكار الرأي السياسي في ما يتصل بمستقبل السودان. إن إنكار دور الأحزاب السياسية، و الإمعان في قيادة البلاد بمعزل عن عناصرها الفاعلة في الأحزاب والقوى السياسية والهيئات الأهلية والأكاديمية، سيوسع من نطاق عزلة السودان، وسيمهد من جديد السبيل لبعض اليائسين للإستقواء بالخارج، و الأمر الذي سيوسع بالنتيجة من نطاق الحرب.
إن النتائج المؤسفة للعمليات العدائية التي يشنها طرفا نيفاشا في جنوب كردفان، جعلت من الأبرياء هدفاً غير مبرراً، فقد راح ضحيتها العديد من الشهداء و نتج عنها الألاف من النازحين، و لا سبيل لوقف نزيف الدم في جنوب كردفان سواء الوقف الفوري لإطلاق النار، و الوصول لآلية سلمية لحل المشاكل في الإقليم دونما إقصاء. و من جانب آخر إطلاق الحريات لكافة المكونات السياسية و الإجتماعية، للتعبير عن رؤيتها في حل المشاكل الوطنية كافة.
تجمع المحامين الديمقراطيين
الخرطوم في الحادي عشر من شهر يونيو 2011