جمهورية السودان

على مشارف نهايات طرق، استمر تدهور حالة حقوق الإنسان في البلاد يؤشر بجلاء على حجم التراجع الذي شهدته نتيجة عجز السلطات عن معالجة الأزمات الداخلية وتسوية النزاعات المسلحة والاستجابة لمقتضيات التحول الديمقراطي والتنمية، واتخذت البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة مساراً معاكسًا لكل ما رافق التوقعات باتفاق التسوية السلمية للصراع في جنوب البلاد الذي انتهى بانفصاله في العام 2011.

وتفاقمت الأزمات السياسية في البلاد على صلة بتراكم القمع المنهجي، والانفراد بالسلطة وإقصاء الأطراف السياسية الرئيسة ومتابعة سياسات التهميش الاقتصادي والاجتماعي، وغلبة الفساد على الأداء الاقتصادي الكلي، وزيادة معدلات الفقر المدقع لمستويات غير مسبوقة.

وشهدت الفترة التي يغطيها التقرير نهاية غير سعيدة لمشروع الحوار الوطني الذي أطلقه رئيس الجمهورية في بداية العام 2014 منوهاً بضرورة بدء حوار وطني بين القوى السياسية المختلفة لتداول شئون البلاد السياسية، بما فيها قضايا الحرب والسلام والحريات العامة والأوضاع المعيشية، ولكن سرعان ما انقلب على هذا التوجه، وأودع قيادات المعارضة السجون، وأحالهم إلى المحاكم المتخصصة بالإرهاب، وبادر بإجراء انتخابات عقيمة بداية من 13 إبريل/نيسان 2015 انتهت إلى نتيجتها المألوفة بانتخاب الرئيس لولاية جديدة، واختيار 354 عضوًا في البرلمان
وأعضاء مجالس الولايات، ثم تابع الحوار ليصل إلى منتهاه في أكتوبر/تشرين أول 2016.

وجرت في 17 أكتوبر/تشرين أول 2016 مراسم التوقيع على وثيقة وطنية ناتجة عن الحوار الوطني ينتظر أن تكون أساسًا للدستور الدائم للبلاد، لكن قوى المعارضة الرئيسة والحركات المسلحة في البلاد واصلت مقاطعة عملية الحوار، واشترطت للالتحاق به عقد مؤتمر تحضيري بالخارج.

وفى رد فعل مُعبر، اعتبرت السيدة "مريم المهدي" نائبة رئيس حزب الأمة أن ما تم ليس حواراً بل تضييعًا للزمن والموارد، وعرفت الحوار بأنه عملية شاملة لها أهداف واضحة للتوصل إلى نتائج أكثر إيجابية، وهو ما افتقده الحوار الذي جرى. وأضافت أن الحوار الوطني الذي ينقذ السودان لم يقم بعد، لكن الطريق أمامه معبدة للمضي قدمًا في خارطة الطريق.

من ناحية أخرى عقدت الآلية الأفريقية اجتماعًا استراتيجيًا في أديس بابا في الفترة من 18 - 21 مارس/آذار 2016 لأربعة من قوى المعارضة، هي حزب العدل والمساواة، وحركة جيش تحرير السودان (جناح مناوي)، والحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال، وحزب الأمة القومي، من أجل تسريع التقدم لإنهاء الصراع في دارفور وفي منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وقد أكدت الأطراف التزامها بإنهاء الصراع في هذه المناطق بشكل عاجل وبطريقة سلمية ووصول المساعدات الإنسانية للمواطنين المتأثرين بالصراع، كما أكدوا التزامهم برؤية أن جميع السودانيين يشاركون في حوار وطني شامل لمعالجة مختلف التحديات التي تواجه البلاد، وأسهم ذلك في تبادل إعلان وقف اطلاق النار وتمديده، ولكن بصورة منفردة دون اتفاق.

الحقوق الأساسية

ظلت النزاعات المسلحة تمثل مصدراً فظًا للعديد من الحقوق الأساسية، بداية من الحق في الحياة، إلى الحرية والأمان الشخصي، إلى الحق في السلامة البدنية وغيرها من الحقوق، بل ورصد تقرير "الخبير المستقل المعني بحقوق الإنسان في السودان" تزايدًا كبيراً في النزاعات المسلحة التي تخوضها جيات حكومية وغير حكومية على حد سواء في منطقة جبل مرة (دارفور) وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق والاشتباكات القبلية، فضلاً عما تسببه هذه النزاعات من تشريد المدنيين على نطاق واسع.

دارفور

خلال الفترة التي يغطيها التقرير شهد القتال بين القوات الحكومية وحركة تحرير السودان - فصيل عبد الواحد نور - تصعيدًا أفضى إلى انتهاكات جسيمة، بما في ذلك القتل العشوائي، وتدمير القرى وحرقها، واختطاف النساء وممارسة العنف الجنسي عليهن، ووفقًا للمعلومات التي وردت للخبير المستقل تم الإبلاغ عن وجود 80 ألف شخص من المشردين حديثًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2016 ، فضلاً عن وجود 142 ألف مشرد إضافي، لكن الخبير المستقل لم يستطع التحقق من هذه الأرقام بسبب تعذر إمكانية الوصول إلى المناطق المتضررة.
وقد نجمت الغالبية العظمى من حالات التشريد في العام 2016 عن النزاع الدائر في جبل مرة، وكذا الاشتباكات القبلية التي تصاعدت بشكل غير مسبوق بسبب سرقة الماشية ومحاولة السيطرة على الموارد الطبيعية، وانتشار الأسلحة المتطورة التي يستخدمها المقاتلون.
واستنادا إلى تقرير مكتب تنسيق الشئون الإنسانية بالأمم المتحدة تستضيف دارفور 3,3 مليون شخص في حاجة للمساعدة الإنسانية منهم 1,6 مليون شخص في المخيمات، ومع ذلك تواصل الحكومة الضغط من أجل تقليص دور المجتمع الإنساني الدولي في البلاد، وفرض قيود على تحرك هذه المنظمات الإنسانية، بل أوحيانًا طرد بعض العاملين فيها.
وقد ظل العنف الجنسي والجنائي من الشواغل الخطيرة في دارفور رغم التدابير التي اتخذتها الحكومة للتصدي له، بما في ذلك تكليف مدعٍ خاص معني بمسألة العنف ضد المرأة في ولاية شمال دارفور، ونشر 20 مدعيًا عامًا في جميع أنحاء دارفور كجزء من جهود تبذلها السلطات لتلافي الانتقادات، لكن يحد من دورهم انعدام الموارد والحالة الأمنية السائدة في مناطق انتشارهم.

جنوب كردفان والنيل الأزرق

أدى استئناف المعارك الحربية بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال - في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وما يتبعها من قصف جوى من القوات الحكومية وقصف على المدنيين إلى تدهور سريع في الحالة الأمنية في المنطقتين منذ يناير/كانون ثان 2016 ، أفضى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، وتدمير المنازل، واتلاف المحاصيل، وقتل المواشي وغيرها من ممتلكات المدنيين، وكانت أشد المناطق تضرراً مقاطعة الكرمك في ولاية النيل الأزرق ومقاطعتي هيبان ودلامى في جنوب كردفان.

وذكر الخبير المستقل أن مفوضية العون الإنساني في ولاية النيل الأزرق أفادت بأن حوالي 1476 أسرة هربت من الكرمك إلى مواقع مختلفة خلال شهر إبريل/نيسان 2016 ، وأشارت تقارير أممية أن هناك نحو 47 ألفًا من المشردين داخليًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة في ولاية النيل الأزرق في حاجة إلى العون، وكذلك 545 ألف مشرد داخليًا تم الإبلاغ عنهم في مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال.

وكانت حكومة السودان قد أعلنت عن وقف الأعمال العدائية طيلة أربعة أشهر من 18 يونيو/حزيران 2016، كما أعلنت الجبهة الثورية السودانية وقف إطلاق النار من جانب واحد ستة أشهر في جنوب كردفان والنيل الأزرق في 28 إبريل/نيسان 2016، وقد تم تمديد هذه الإعلانات حتى نهاية العام 2016.

الحريات العامة

استمر قمع حرية الرأي والتعبير خلال الفترة التي يغطيها التقرير، وكان من أبرز مظاهر ذلك:
قيام عناصر جهاز الأمن الوطني بمصادرة كافة النسخ المطبوعة من تسع صحف في الخرطوم في 25 مايو/أيار 2015 ، ومصادرة صحيفتي التيار في 13 ديسمبر/كانون أول 2015 ثم إغلاقهما في اليوم التالي، ومصادرة صحيفة "الجريدة" اليومية المستقلة لأسباب مجهولة أيام 9 و 10 و 12 و 13 مايو/أيار 2016 فضلا عن استجواب الصحفيين ومضايقتهم.

وتعرض العديد من الصحفيين والصحفيات للاستدعاء المتكرر للتحقيق في مكاتب أجهزة الأمن والتعدي علييم بالسب والقذف، ومن ذلك اعتقال جهاز أمن ولاية الخرطوم الصحفية بصحيفة السوداني "هبة عبد العظيم" في 10 سبتمبر/أيلول 2015 لتحقيق نشرته عن تلوث المياه في ولاية الخرطوم، واستدعاء "منال عبد الله" الصحفية في جريدة السياسي في 12 أكتوبر/تشرين أول 2015 واستجوابها بشأن مقال عن احتمال وجود تنظيم "داعش" في السودان، واستدعاء "رقية الذاكى" الصحفية بجريدة الرأي العام للاستجواب في مارس/آذار 2016 عقب نشر مقال عن الفساد المالي في نقابة العمال.

كذلك استمر تقييد حرية التجمع، وكان من مظاهر ذلك منع جهاز الأمن الوطني انعقاد ندوة سياسية لحزب المؤتر السوداني والقاء القبض على ثلاثة من كبار أعضائه في أغسطس/آب 2015 ، وكذلك قيام وزير العدل بحل واحدة من أقدم النقابات العمالية في البلاد - وهى اتحاد المزارعين السودانيين في الشهر نفسه - واعتقال العشرات واغلاق مكاتب الحزب الجمهوري في أمدرمان في سبتمبر/أيلول 2015.

وتم اعتقال العشرات من الطلاب بسبب المشاركة في تجمعات سلمية، ومن مظاهر ذلك اعتقال الشرطة 9 طلاب من إقليم دارفور شاركوا في اعتصام سلمى في الخرطوم في 26 أكتوبر/تشرين أول 2015 ، واتهموا بالمشاركة في أعمال شغب تسبب الإخلال بالسلم العام، وقد أفرج عنهم بكفالة بعد ثلاثة أيام من الاحتجاز، ووثق الخبير المستقل المعنى بحالة حقوق الإنسان في السودان ثلاث حالات أخرى شملت ثمانية طلاب في نوفمبر/تشرين ثان 2015، وخمسة طلاب في إبريل/نيسان 2016 ، و 28 طالبًا وطالبة في أواخر إبريل/نيسان 2016.

ولجأت الحكومة إلى قوة الدعم السريع التابعة لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني لفض التجمعات السلمية، بل وتعمدت أحيانًا إطلاق النار على المسيرات الاحتجاجية باستخدام الذخيرة الحية واستهدفت الأجزاء العليا من أجسام المحتجين، وقد أفضت هذه الإجراءات إلى قتل أحد الطلاب في جامعتي الخرطوم وكردفان في شهر . إبريل/نيسان 2016 ، ومقتل طالب آخر في جامعة أم درمان في مايو/أيار 2016.

حرية تكوين الجمعيات

واصلت الحكومة التضييق على أنشطة منظمات المجتمع المدني، وقد شكا اتحاد منظمات المجتمع المدني السودانية في يوليو/تموز 2015 من أن أكثر من 40 منظمة مسجلة فشلت في تجديد رخصها في النصف الأول من العام 2015 بسبب الإجراءات القانونية المعقدة أو العرقلة من قبل الهيئة الحكومية المختصة، وهى مفوضية العون الإنساني.

كذلك واصلت السلطات الأمنية التضييق على أنشطة المنظمات وقمع نشطائها، ومن ذلك مداهمة جهاز الأمن والمخابرات الوطني مركز الخرطوم للتدريب والتنمية البشرية في 29 فبراير/شباط 2016 ، ومصادرة تسعة هواتف نقالة وخمسة حواسيب محمولة وكذلك المنشورات وسبورات العرض الورقية وغيرها من وثائق المكتب، وفى أعقاب ذلك استدعى العديد من النشطاء المرتبطين بالمركز وتم استجوابهم عن أنشطة المركز وعلاقتهم بمركز الخاتم عدلان للاستشارة والتنمية البشرية الذي سبق إغلاقه في العام 2012 واتهام مديره وترحيله بتهم ارتكاب جرائم جنائية.

وشملت الإجراءات التي مارسها جيهز الأمن الوطني تجاه نشطاء حقوق الإنسان المنع من السفر ومصادرة جوازات السفر وتوجيههم بمراجعة جهاز الأمن الوطني، وقد تعرض أربعة نشطاء لمثل هذه المواقف لحرمانهم من السفر إلى جنيف للمشاركة في اجتماعات ما قبل دورة المراجعة الدورية الشاملة، وهم "سوسن حسن الشوايا" مديرة جمعية أسماء للتنمية، و"معاوية شداد" رئيس شبكة حقوق الإنسان والمعونة القانونية، و"فيصل محمد صالح" الصحفي المدافع عن حقوق الإنسان، و"صديق يوسف" رئيس لجنة التضامن السوداني.

كذلك داهمت قوات الأمن في بداية مايو/أيار 2016 مكتب المحامي "نبيل أديب" رئيس المرصد السوداني لحقوق الإنسان (المؤسسة العضوة في المنظمة العربية لحقوق الإنسان)، واعتقلت 12 من زوار المكتب كانوا قد لجئوا إلى المكتب لتحريك دعوى قضائية ضد قرار فصلهم تعسفيا مع 8 طلاب آخرين من جامعة أم درمان عقب الاعتداءات الأمنية التي أدت إلى مقتل طالب واصابة العشرات واغلاق الجامعة، وقد شملت مداهمة المكتب اعتقال اثنين من طاقمه.

وقد اشتدت الحملات الأمنية بحق المعارضين بداية من خريف 2016 وحتى نهايته، وهو ما ارتبط باستفحال الآثار الاجتماعية للسياسات الاقتصادية.

وأشارت كونفدرالية منظمات المجتمع المدني السودانية في 11 نوفمبر/تشرين ثان 2016 إلى حملة أمنية منظمة انطلقت في مطمع الشهر نفسه لاعتقال العديد من المعارضين السياسيين والناشطين الحقوقيين والنقابيين، وأعربت الكونفدرالية عن استنكارها للحملة التي ترتبط بالغلاء الكبير في أسعار الغذاء والمواد الأساسية في البلاد.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

تُعبر التقارير الوطنية والدولية عن صورة كئيبة للغاية لمدى التمتع بالحقوق الاقتصادية الاجتماعية، ولاحظ الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان أن الدفاع والشرطة والقطاعات الأمنية المختلفة تمثل ما نسبته 78 % من مجموع الميزانية الوطنية للسودان، مقارنة بنسبة 7% فقط مخصصة للزراعة والصحة والصناعة والتعليم، ودعا الحكومة إلى اعتماد نهج كلى للتنمية ووضع إستراتيجية وطنية لحماية القطاعات المنتجة وتطويرىا، فضلاً عن إستراتيجية جديدة للحد من الفقر تؤدى إلى معالجة الأسباب الجذرية لأوجه التفاوت في البلد.

وكانت المنظمة قد نبهت إلى مخاطر تفشي الفساد على الوضع الاقتصادي في البلاد، ونوهت بما يشاع حول استثمارات كبيرة لقيادات النظام الحاكم خارج البلاد، وخاصة في إثيوبيا وماليزيا.

وأدانت المنظمة محاولات تهجير سكان القريف شرق الخرطوم لأغراض لها علاقة بمنفعة استثمارية وليس لها علاقة بالمنفعة العامة.

كما سجلت الشكاوى الواردة للمنظمة من سكان منطقة النوبة شمال السودان عمليات تهجير قسري للسكان لإقامة صناعات معادية للبيئة، وورد أنه تم تهجير الآلاف من السكان وإقامة عشرات المصانع التي تنتج مخلفات سامة أسهمت في تلويث البيئة المحيطة، بما في ذلك نفوق الأسماك في نهر النيل، واعتماد عشرات الآلاف من السكان على معونات إنسانية بعد فقدان مساكنهم ومصادر الرزق.


* * *

المنظمة العربية لحقوق الإنسان


http://aohr.net/portal/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%84%d8%ad%d9%82%d9%88%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%86%d8%b3%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%82%d8%b1-7/


http://aohr.net/portal/wp-content/uploads/2017/03/%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86.pdf