19 ابريل 2017

ظلت الدولة السودانية، ومنذ استقلال البلاد في العام 1956 تقدم الخدمات الطبية مجاناً. وفي سبعينات القرن الماضي ارتفعت تكلفة الخدمات الصحية، وأصبحت تشكل عبئاً على الدولة مما أدى إلى تدهورها، فتم اقرار نظام العلاج الاقتصادي والذي يعنى تقديم العلاج بالمستشفيات الحكومية للقطاعات المنظمة من العاملين بالدولة وذلك بعد استقطاع مساهمة مالية من مرتباتهم لصالح وزارة الصحة، من اجل تخفيف هذه الأعباء على الدولة، والمحافظة على جودة الخدمات. الا ان نظام العلاج الاقتصادي لم يوقف تدهور الخدمات الطبية، بل ادى إلى زيادة العبء العلاجي على الدولة والمواطن.
وفي العام 1984 طرحت نقابة أطباء السودان مقترح التامين الصحي عبر وزارة الصحة، والتي تحمست للفكرة وطلبت من هيئة الصحة العالمية ابتعاث كوادر مؤهلة لوضع أسس علمية لنظام التامين الصحي في السودان. وبالفعل أوفدت هيئة الصحة العالمية البروفيسور كاليمو الخبير في مجال التامين الصحي، والذي قام بإجراء الدراسات اللازمة وأعد تقريراً كان بمثابة اعلان نهاية عهد مجانية الخدمات الصحية وبداية ما أصبح يعرف بالتامين الصحي.
وقد عرف نظام التامين الصحي بانه من أهم الواجبات التي تضطلع بها الدولة من أجل صحة المواطن، وهو أحد أشكال الضمان الاجتماعي، تتكامل فيه إمكانيات الدولة مع قدرات المجتمع لتوفير الرعاية الصحية لكافة قطاعات المجتمع، لا سيما تلك التي تواجه صعوبات في تلقي الحد الأدنى من الرعاية الصحية اللازمة لاستمرار الحياة والمساهمة في التنمية.
وجاء في تقرير هيئة الصحة العالمية حول تصورها لإطلاق عملية التامين الصحي في السودان خلال حقبة الحكم الديمقراطية ما يلي:
• وجود ارتفاع في الوعي الصحي قاد إلى زيادة الطلب على الخدمات الطبية بحيث لا تستطيع الدولة وحدها تغطية تكاليفها، مما يتطلب فرض رسوم معقولة لتلقي تلك الخدمات.
• زيادة الإنتاج تحتاج إلى قوى عاملة صحيحة البدن، كما أن القطاع الخاص يعاني من نقص واضح في الخدمات الطبية المقدمة للعاملين به.
• هناك مستشفيات كثيرة تصلح لأن تكون نواة للتامين الصحي في السودان.
• التأمين الصحي هو أحد المؤشرات لتطبيق رعاية صحية جيدة.
• تطبيق نظام التامين الصحي سيؤدي إلى إيقاف هجرة الكوادر الطبية المؤهلة.
• انسب نظام للتامين الصحي يتطلب ان يكون تحت إدارة حكومية ويقدم خدمات طبية شاملة تعتمد في تمويلها على مساهمات الدولة و اشتراكات المستفيدين، على أن تكون تلك الاشتراكات ذات معدلات مئوية مستقطعة من المخدمين والمستخدمين.
وعلى الرغم من التصور التدريجي، والمعقول نسبيا، في الانتقال من نظام مجانية العلاج الى نظام التامين الصحي، عبر توصيات ومراحل واضحة حددها خبير هيئة الصحة العالمية البروفيسر كاليمو الا ان ذلك التصور لم يجد حظه في التنفيذ بسبب التحولات السياسية الكبيرة التي شهدها السودان بعد الانقلاب العسكري للجبهة الاسلامية القومية في 1989، والذي قام بدوره بدق اخر مسمار في النظام الصحي السوداني بتحويل الخدمات الصحية الى سلعة تجارية تميز بين المواطنين، واضعة الملايين من السودانيين فريسة للأمراض.
في بداية التسعينات تم الإعلان عن سياسة التحرير الاقتصادي التي تم بموجبها رفع الدعم الحكومي عن الخدمات الطبية، وقامت الحكومة السودانية في العام 1991 بفرض رسوم على دخول المستشفيات العامة وعلى تلقي الخدمات العلاجية فيها. وفي محاولة للحد من الآثار السالبة لهذا القرار، تم تطبيق نظام العلاج الاقتصادي والتكافلي بالمستشفيات وإنشاء دائرة العلاج الاقتصادي. إلا أن هذا المشروع واجه عقبات عديدة، أهمها صعوبة تقديم الخدمات الطبية لغير القادرين من ذوي الدخل المحدود وأرباب المعاشات، لذلك لجأت الحكومة السودانية إلى تطبيق نظام التأمين الصحي المجتمعي الذي يقوم على فكرة توزيع الخطر على أوسع نطاق مجتمعي والاستفادة من مساهمات الأعداد الكبيرة المؤمن لها لتغطية تكاليف العلاج.
أدت هذه التحولات الي زيادة عبء الصرف على الصحة من قبل المواطنين، حين حوَلت الحكومة السودانية بعد انقلاب 1989 الخدمات الصحية من خدمات عامة تقدمها الدولة في اطار مسئولياتها الي سلعة يتحصل عليها المواطن بشكل شخصي، و يتضح هذا الامر عند النظر الى تناقص صرفها على هذه الخدمات، حيث بلغت نسبة صرف المواطنين على تلك الخدمات(64.3) % بحسب تقرير اقتصاديات الصحة الصادر في العام 2008، الذي قدر متوسط الصرف الكلي على صحة المواطن الواحد بحوالي (111) دولار سنوياً، يدفع منها المواطنون (71) دولار، هذا إضافة الى عدم المساواة في توزيع ميزانية الصحة الحكومية على المحليات في الولايات المختلفة، فعلى سبيل المثال يبلغ نصيب محليات ولاية الجزيرة من الصرف الحكومي الكلي على الصحة نسبة 25.5%، وبولاية الخرطوم تبلغ النسبة 24.8%، بينما تصل هذه النسبة في الولاية الشمالية وولاية النيل الأزرق وولاية غرب دارفور الي 0.3% و 0.5% و 0.7% على الترتيب، الرسم البياني ادناه يوضح نسب توزيع ميزانية الصحة على المحليات في الولايات المختلفة.

أدى كل ذلك الي تزايد الاعتماد على التأمين الصحي خصوصاً وسط القطاعات المنظمة، مثل موظفي الدولة والمزارعين، وقامت الدولة بمحاولات لتنظيم التأمين الصحي فأصدرت قانون الهيئة العامة للتأمين الصحي لسنة 1994 لحل مشكلة العلاج بالبلاد، وشرعت في التنفيذ بمساعدة من منظمة الصحة العالمية، وتم تقديم أول خدمة طبية بولاية سنار العام 1995، ثم اتسعت دائرته بعد ذلك ليغطي بنسب محدودة معظم ولايات السودان.
وفي العام 2001 تم إصدار قانون التأمين الصحي الذي تم تعديله في العام 2003، والذي بموجبه تم تعديل اسم الهيئة العامة للتأمين الصحي لتصبح الصندوق القومي للتأمين الصحي.

سلبيات قانون التامين الصحي
تعرض قانون التامين الصحي للعام 2001 المعدل في العام 2003 إلى الكثير من الانتقادات، وأبرزها تلك التي أوردها البروفيسور محمد عثمان خلف الله أستاذ قانون العمل والتأمينات الاجتماعية بجامعة النيلين، في الدراسة التي أجراها عن سمات قوانين التامين الصحي في السودان حيث أعاب على هذا القانون الآتي:
1. لم يحدد نسبة الحد الأدنى للاشتراك في القانون، ومنح مجلس إدارة الصندوق الحق في تعديلها وسلطة تطبيق التأمين على الفئات الفقيرة.
2. لم يحدد نسبة الاشتراك المئوية للتأمين الصحي، وتجاهل الأطراف المعنية بالاشتراك وهي (صاحب العمل – العامل – الحكومة)، ومنح صلاحيات التعديل لمجلس الوزراء بالتشاور مع مجلس إدارة الصندوق.
3. لم يحدد التزام الدولة المالي للتامين الصحي بنسب مئوية من الأجور، وجعل حجمها يحدد سنوياً في الموازنة العامة، مما جعل هذا الالتزام متفاوتا حسب الوضع الاقتصادي للدولة وتوفر السيولة.
4. أفرط هذا القانون في منح السلطات للولايات.
5. منح الولايات الحق في إصدار تشريعات ولائية للتامين الصحي، مما مكنها من إصدار قوانين ولائية ربما تكون متناقضة مع القانون القومي.
6. جعل العلاقة بين الصندوق القومي للتامين الصحي والولايات علاقة تنسيق وليس علاقة إدارية، مما أزال سلطة الإشراف والرقابة من المركز.
7. جعل إلزامية الخضوع للقانون شاملة، مع إعطاء الحق في إدارة نظم تامين صحي خاصة لا تتعارض مع أسس ومبادئ التامين الصحي، إلا أن هذه الإلزامية تنقصها سلطة التطبيق
8. قصر حق استخدام العاملين في الصندوق القومي للتامين الصحي وفي الإدارات التنفيذية بالولايات على مدير عام الصندوق القومي.
9. لم يحدد الأمراض التي لا يغطيها التأمين الصحي في صلب القانون.
10. جعل نسبة المساهمة المالية التي تفرض على الولايات لصالح الصندوق بالمركز غير محددة سلفاً، ومنح سلطة تحديدها لمجلس الوزراء.
ميزانية التأمين الصحي:
تعتبر أوجه صرف أموال التأمين الصحي أحد اكبر مناحي القصور في تطبيق هذا النظام في السودان، حيث يتم صرف حوالي ثلث الميزانية على الجانب الدوائي، بينما تبلغ نسبة الصرف الإداري على نظام التأمين الصحي حوالي 23.3% من ميزانية التأمين الصحي الحكومي الكلية، بالمقارنة مع نسبة الصرف الإداري في شركات التأمين الصحي الخاصة والتي تبلغ حوالي 9.6% فقط. الرسم البياني ادناه يعكس توزيع ميزانية التأمين الصحي.

صاحب تنفيذ فكرة التأمين الصحي بالسودان الكثير من السلبيات، منها قلة الوعي بالتامين الصحي، والقصور الإداري والبيروقراطية التي لازمت اغلب أجهزة الدولة الرسمية، والتي لم تسلم منها الأجهزة الرسمية المناط بها إدارة التامين الصحي في البلاد، في مقابل نمو مطرد لشركات التأمين الصحي الخاصة، مما يتسق تماما مع سياسة الدولة في تحويل الخدمات الصحية من خدمة عامة الي سلعة في السوق، وكانت ابرز سلبيات التأمين الصحي ما يلي:

أولاً: محدودية انتشار التامين الصحي وسط الفئات غير المنظمة والفقراء
من الملاحظ بان نسبة التغطية التأمينية في السودان ضعيفة جداً ولا تتناسب مع حجم السكان، وبحسب الورقة التي قدمها الأستاذ محمد إبراهيم الزبير مدير إدارة التغطية السكانية بالصندوق القومي للتامين الصحي، في الدورة التدريبية التي عقدت لمناقشة النظم التطبيقية لقوانين الخدمة العامة والتأمينات الاجتماعية في ديسمبر من عام 2014، فقد بلغت هذه النسبة (32.1)% من جملة عدد سكان السودان، وتفاصيل توزيعها على الولايات على النحو الآتي :

الولاية النسبة الولاية النسبة
ولاية الخرطوم 61.7% ولاية شمال كردفان 22.3%
ولاية سنار 29.5% الولاية الشمالية 36.3%
ولاية الجزيرة 26.5% ولاية كسلا 22.5%
ولاية القضارف 38.2% ولاية جنوب كردفان 24%
ولاية البحر احمر 26.4% ولاية جنوب دارفور 15.5%
ولاية نهر النيل 34.1% ولاية غرب دارفور 23.4%
ولاية النيل الأبيض 25.1% ولاية وسط دارفور 37.5%
ولاية النيل الأزرق 34.7% ولاية شرق دارفور 18%
ولاية غرب كردفان 35% ولاية شمال دارفور 21.1%

وبرغم دخول القطاع الخاص فى التأمين الصحى فقد ارتفعت هذه النسبة في العام 2015 إلى (37)% فقط من جملة عدد سكان البلاد، بحسب إفادات وزيرة الرعاية الاجتماعية مشاعر الدولب التي نشرت بموقع وكالة السودان للأنباء (سونا) بتاريخ 30/8/2015، خلال مخاطبتها لملتقي المديرين التنفيذيين للتامين الصحي بقاعة الصداقة بالخرطوم، وهي تغطية تشمل أقل من نصف عدد سكان البلاد، وأضافت الوزيرة في ذات المخاطبة بأن وزارة المالية التزمت بسداد اشتراك (750) ألف من الأسر الفقيرة في التأمين الصحي، وهذا العدد لا يتناسب مع حجم الأسر الفقيرة بالبلاد، في ظل المعاناة الاقتصادية وتمدد الفقر.

ثانياً : أغلب الأدوية غالية الثمن خارج قائمة أدوية التأمين
يقوم التأمين الصحي بإصدار قائمة تتضمن الأدوية التي تصرف عبر التامين الصحي، يتم إعدادها بواسطة لجنة محايدة تتكون من كبار الاختصاصيين في التخصصات المختلفة والصيادلة، لتحديد الأدوية الأساسية التي يحتاجها المريض، وتعتمد هذه القائمة عبر ورشة عمل تعقد خصيصاً لهذا الأمر، كما تتم مراجعتها سنوياً بحذف وإضافة بعض الأدوية. ولكن برغم هذه الإجراءات التنظيمية ظلت السياسة الدوائية للتأمين الصحي منذ نشأته، تتعرض إلى الكثير من الانتقادات، خاصة فيما يتعلق بعدم شمولها للأدوية الجيدة، والغلاء النسبي للثمن الذي تصرف به عبر التامين الصحي، والاستعاضة عنها ببدائل غير جيدة ورخيصة الثمن.
و لتأكيد هذا القصور، انتقد مدير التامين الصحي بولاية الخرطوم عمر حاج حسين في تصريحاته التي نشرت بصحيفة الطريق الالكترونية بتاريخ 22/2/2014 السياسة الدوائية للتامين الصحي، حين أشار إلى تراجع نسبة قائمة الأدوية في التامين الصحي من (90)% إلى (63)%، نتيجةً لارتفاع أسعار الدواء، وذكر بأن الأدوية المقدمة في التأمين الصحي أقل جودة من تلك التي تباع في الصيدليات التجارية.

ثالثاً: الكثير من الأمراض والخدمات الطبية خارج تغطية التأمين الصحي
حددت المادة (31) من قانون الصندوق القومي للتامين الصحي لعام 2001 تعديل 2003 الخدمات الطبية التي يقدمها التامين الصحي في الآتي :
1. الخدمات الطبية على مستوى الممارسة العامة.
2. الخدمات الطبية على مستوى الأخصائيين، والعلاج بالمستشفيات.
3. الفحص بالأشعة والفحوصات المعملية والمختبرية.
4. صرف الأدوية اللازمة.
5. العلاج والرعاية الطبية أثناء الحمل والولادة.
6. علاج الأورام الخبيثة.
7. علاج طب الأسنان في حالات (الأشعة – الخلع – الحشو – علاج اللثة).
ولا يوجد تفصيل للأمراض والخدمات التي لا تشملها تغطية التامين الصحي في القانون، ولكن من الممارسة العملية فالتامين الصحي يقدم لمنسوبيه الخدمات التشخيصية المجانية الآتية :
1. الكشف الطبي .
2. مساعدات التشخيص (الفحوصات المعملية العادية والخاصة)، مثل فحص الهرمونات والايدز والرنين المغنطيسي ومناظير الجهاز الهضمي والتنفسي.
3. كل العمليات الجراحية العامة والمتخصصة بالليزر مثل تفتيت الحصاوي وعمليات الشبكية، ويستثنى من ذلك العمليات التي لا تندرج ضمن الممارسة العامة على سبيل المثال ( جراحة المخ والأعصاب – جراحة القلب المفتوح – زراعة الكلى وغيرها من العمليات الكبيرة ).
4. خدمات غسيل الكلى.
5. علاج الأسنان في حالات ( الخلع – الحشو – علاج الجذور – وعلاج اللثة ).
ورغم الفلسفة التي استند عليها التامين الصحي في إخراج بعض الأمراض والخدمات الطبية من مظلة التامين الصحي، بتصنيف تلك الخدمات كخدمات خاصة وتكميلية، إلا أن هذا الأمر ينطوي على الكثير من الإجحاف، فحامل بطاقة التأمين يرغب في تجنب دفع تكلفة المخاطر المرضية التي قد يتعرض لها عبر اشتراكه في هذا البرنامج التكافلي، وهو لا يختار الأمراض التي تصيبه، فعلى سبيل المثال فإذا فقد أسنانه نتيجةً لأي مرض أو حادث فالتأمين الصحي لا يغطي زراعة وتركيب الأسنان والأطقم رغم أهميتها الصحية القصوى بالنسبة للإنسان، كأول خطوة في عمل الجهاز الهضمي وفي النطق، وكذلك لا يغطي التأمين الصحي علاج جذور الأسنان، ومن المعلوم عالميا إن تكلفة علاج الأسنان هي الأعلى مقارنة مع غيرها من الخدمات الطبية على مستوى الممارسة العامة، فلماذا يواجه المواطن الموجود داخل مظلة التأمين الصحي هذه التكلفة العالية.
أيضا ما معنى أن يتمكن المواطن عبر التامين الصحي من مقابلة طبيب العيون ويشخص حالته ويقرر له ارتداء نظارة طبية بمقياس معين حتى يتمكن من الرؤية بشكل جيد، دون أن يستطيع الحصول عليها عبر التأمين الصحي.
كما أن تصنيف العمليات الجراحية الكبرى مثل (جراحة المخ والأعصاب وجراحة القلب المفتوح وزراعة الكلى وغيرها من العمليات الكبرى)، كخدمات طبية ذات ممارسة خاصة، وإخراجها من تغطية التامين الصحي، ينسف الفكرة الرئيسية للتامين الصحي التي تقوم على استفادة المواطن من التامين الصحي في تجنب خطر مواجهة التكلفة العلاجية العالية، عبر توزيع هذه التكلفة على نطاق واسع من المواطنين، فكان الأجدى البحث عن وسائل خاصة لمعالجة أمر هذه الخدمات الطبية ذات التكلفة العالية، بدلاً عن إخراجها بالكامل من مظلة التغطية التأمينية.

رابعاً : بعد المسافات الجغرافية لمراكز الخدمة وعدم توفر الاختصاصيين وصعوبة مقابلتهم
اشتكى الكثير من المواطنين من بعد مراكز الخدمة المحددة لهم لتلقي الخدمات العلاجية، أو لتسجيل وصرف الأدوية دائمة الاستعمال شهرياً، بالإضافة إلى عدم تقديم الخدمات التأمينية في بعض المراكز خلال العطلات الأسبوعية، اضافة الى أن أغلب هذه المراكز لا يوجد بها أطباء اختصاصيين، ويتم تقديم الخدمة الطبية داخلها بواسطة نواب الاختصاصيون والأطباء العموميين، والمراكز القليلة التي يتواجد بها الاختصاصيين مزدحمة للغاية، وعيادات الاختصاصات الطبية موزعة على أيام الأسبوع، الأمر الذي يتطلب انتظار المريض زمنا أطول حتى يستطيع مقابلة الاختصاصي.
الدكتور مصطفى صالح في ذات التصريحات المشار إليها سابقاً، أقر بان هناك مشكلة في توزيع المراكز الصحية، وهي جزء من مشكلة الخارطة الصحية في السودان عموماً، وذكر بأنه وبحسب وزارة الصحة فان (14)% من مناطق السودان لا توجد بها مرافق صحية.

خامساً البيروقراطية في الإجراءات والاستخدام الكثيف للمستندات الورقية
يعتمد التامين الصحي بالسودان في إجراءات تنظيم الخدمات الصحية التي يقدمها لمنسوبيه على استخدام الكثير من المستندات والاستمارات الورقية، فضباط التأمين الصحي بمراكز الخدمات الصحية، تجدهم يقبعون خلف مجموعة ضخمة من الاستمارات المطبوعة بمختلف الألوان، والمخصصة لمختلف الخدمات الطبية التي يغطيها التأمين الصحي، ويقومون بتعبئتها يدوياً بإدراج معلومات المؤمن عليهم وتفاصيل بطاقاتهم العلاجية، ومن ثم يعتمدونها بختم التأمين الصحي وبتوقيعهم وختمهم، لذلك تجد الكثير من طالبي الخدمة مصطفين أمام هؤلاء الضباط للحصول على تلك الاستمارات، وتزداد المعاناة من هذه البيروقراطية عند إجراءات صرف الأدوية دائمة الاستعمال التي خصص لها التامين الصحي سجل معين يتم تعبئته شهرياً بواسطة الطبيب، ويشترط حضور المريض شخصياً لإكمال هذا الإجراء، وهناك إجراءات طويلة ومعقدة تتم في الإدارات التنفيذية للسماح بصرف هذه الأدوية إذا تعذر حضور المريض، بعد إثبات عجزه أو كبر سنه وصعوبة حركته.
وتمتد هذه المعاناة عند تحويل المواطن لشراء الأدوية من الصيدليات التجارية لعدم توفرها في صيدليات التامين الصحي، حيث تخصص الإدارات التنفيذية للصندوق يوم معين لاسترداد قيمة تلك الأدوية، وتشترط على المريض أن يحضر كافة المستندات التي تم بموجبها الس