عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 3 - 4
صحراء سينا
المعبر الثاني الذي دخلت عبره القبائل العربية إلى وادي النيل هو المنطقة الواقعة بين نهاية البحر الأحمر الشمالية والبحر الأبيض المتوسط والمعروفة بصحراء سينا. ولعل أقدم ما ورد في الهجرات عبر هذه المنطقة هو ما ذهب إيه مؤيدوا فرضية الغزو الأجنبي والأصل العربي للغزاة الذين دخلوا وادي النيل عبر البحر الأحمر عن طريق الصومال. وتقول الرواية أن هؤلاء الغزاه وحدوا الدلتا والصعيد مكوونين ما عرف فى التاريخ بعصر الأسرات وبدأت بهما الحضارة المصرية. وقد ناقشنا ذلك في مقال سابق تحت عنوان "الهجرات العربية قبل الاسلام: المصادر اليونانية"
ويرى فريق آخر من مؤيدي فرضية الغزو الأجنبي أن اولئك الغزاة لم يأتوا عن طريق الصومال بل وصلوا عبر صحراء سينا. وقد ضعّف ماكمايكل (ج1ص5) هذا الرأي ووضح أن الأدلة الأثرية كما ذكر مؤرخي مصر القديمة تنقضه. 
وقد اثبتت النصوص الواردة في تلك الآثار كما بقل ماكمايكل (ِA History of the Arabs p5) عن بعض مؤرخي الحضارة المصرية القديمة امثال (Breasted, Navile and Elliot Smith أن ملوك مصر شيدوا الأسوار والتحصينات لصد هجرات وغارات البدو عبر صحراء سينا منذ عصر الأسرة الأولى. وفي نفس الوقت وضحت الآثار العلاقات التجارية بين أولئك البدو والمصريين بما يوضح أن الصلات التجارية كانت قائمة بين الطرفين، لكن دأبت الحكومات الصرية على تأمين تلك الحدود أمام التسرب من أجل الاستقرار ولصد الغارات. وظلت العلاقة بين مصر والجماعات البدويةعلى حدود الدلتا الشرقية حتى منتصف القرن السابع عشر ق م حيث تغير الحال بغارات الهكسوس.
ورغم ذلك نجد المؤلف المصري المشهر الكتور عبد المجيد عابدين يكتب عن العلاقات المصرية المبكرة عبر صحراء سينا في الجزء الخاص بالهجرات العربية قبل الاسلام في كتابه (البيان والاعراب ص 77) بعد أن وضح أن تاريخ مصر القديم لا يزال في حاجة إلى المزيد من البحث لالقاء الضوء على الهجرات التي دخلت مصر من بلاد العرب: "ومع هذا فلا مجال للشك في أن طريق سينا كان قنطرة ثابتة مفتوحة للهجرات العربية إلى مصر منذ القدم.
أولا وكما وضحنا فإن كلمة عرب في المؤلفات والآثار السابقة للاسلام كان يقصد بها البدو وليس الجنس الذي عرف فيما بعد بهذا الاسم. فتعبير "عرب" هنا يدل علي أي مجموعة بدوية سامية ولا يعني الجنس العربي. ومن المؤسف له أن كثيرا من المؤلفات العربية الحديثة تناول  كل الجماعات السامية البدوية شرقي صحراء سينا في القرون السابقة للاسلام باعتبارهم عربا، وهذا الخطأ – المقصودا أو غير المقصود – يطمس الحقيقة ويضلل القارئ.
ثم ثانياٍ: هل هذا الاسلوب الذي عبر به المؤلف أسلوباً لكتابة التاريخ! فإطلاق الحكم العام بهذه الصورة "لا مجال للشك" في موضوع يتطلب المناقشة والاستدلال ليس أسلوبا علميا على الاطلاق لا في كاتبة التاريخ ولا غيره. 
وعبارة "فلا مجال للشك" توحي بأن هنالك مجالاً للشك، ويمكن أن تكون العبارة مقبولة لو أورد المؤلف ما يزيل ذلك الشك، أما أن يفرض علينا المؤلف قبول قضية غير مثبتة فهذا لا مجال للشك في رفضه. فماذا لو أستخدمت أنا مثلا نفس لغته وقلت: "لا مجال للشك في أن طريق سينا لم يكن معبراً للهجرات العربية" وتركت القارء بدون أي شرح أوتعليل. أو يا ترى ماذا كان سيقول د. عبد المجيد عندما يقرأ عبارتي؟
وأغلب الظن أن المؤلف يدرك أن مثل هذه الأحكام العامة لا مجال لها في كتابة التاريخ، ولكن كان هذا سبيل الكثير من المؤلفين المصريين والسودانيين بقصد أو بغير قصد. والسؤال هو إذاً: لماذا استخدم هذا الأسلوب؟ والجواب هو أنه لا دليل له لإثبات ما يقول، وهو في نفس الوقت يريد أن يفرض قضيته على القارئ كقضية مسلم بها. وبغض النظر عن الفكر القومي العربي في مصر في ذلك الوقت فصلة المؤلف بالسودان قوية، فقد درّس في السودان وكتب عنه كثيراً ويعلم أن الدعوة لعروبة السودان - لشئ في نفس يعقوب –  ستجد القبول المطلوب خاصة اذا أتت من مصدرٍ مثل عبد المجيد عابدين، فهي لا تحتاج إلى البحث عن الدليل.
والشئ الغريب أن المؤلف وفي نهاية الفقرة التي بدأها بعبارة " فلا مجال للشك" ذكر أن ملوك مصر كانوا يقاومون تلك الهجرات وأن قدماء المصريين أقامور "حصونا قوية متتابعة على حدود الدلتا الشرقية" لصد تلك الهجرات.  ويواصل المؤلف في نفس المكان:
"ومن الأمثلة التي انتهت إلينا عن هجرات (العرب) أو الساميين إلي مصر، في تلك العصور، نلاحظ أن منها هجرات سلمية يؤخذ فيها رأي حاكم مصر، وما كانت تتم إلا بموافقته." ونقل عن ماسبيرو –أحد مشاهير مؤرخي مصر القديمة – مثالاً لذلك وهو صورة في الآثار القديمة تمثل عددا من البدو يقدمون لفرعون مصر القرابين ليسمح لهم بالسكنى في وادي النيل. 
فإذا كان مما "لا مجال للشك" فيه أن طريق سينا كان قنطرة ثابتة مفتوحة للهجرات العربية إلى مصر منذ القدم" فلماذا اعترضها حكام مصر وحاربوها وشيدوا الحصون أمامها؟ ولماذا أذا كانت سينا قنطرة مفتوحة للعبور بدون قيود يطلب البدو من حكام مصر العبور والسماح لهم بالاستقرار؟ والملاحظ هنا أن المؤلف استخدم التعبير الصحيح وهو "الساميين" ليصف تلك الجماعات، لكنه ليدعم قضيته وضع كلمة "العرب" بين قوسين ليفسر بها الساميين، وهذا خطأ مقصود.
كما يلاحظ أن المصدر الذي رجع اليه المؤلف قد استخدم لفظ البدو للاشارة إلى الجماعات التي طلبت السماح لهم بالاسقرار في مصر ولم يستخدم كلمة "عرب" لأن البدو بمعنى العرب كانت مفهوما يونانيا رومانيا فقط. والمصدر المشار اليه هنا هو الآثار المصرية، كما لم يستخدم عبارة "ساميين" لأنه ليس كل الساميين بدو، والمعنيين بالنص كانوا من البدو الساميين.     
ومنذ القرن السابع عشر قبل الميلاد تغيرت العلاقات بين مصر وغرب آسيا وذلك بغزوات الشعوب التي عرفت في مصر باسم الهكسوس. والذي يهمنا من أمرهم هو أن بعض الكتاب مثل حرجي زيدان ومحمد عزة دروزة اعتبرهم عربا. ورغم أن بعض المؤلفين ضعف هذا الرأي لكنهم لم ينفوا عروبتهم كما جاء عند ماكمايكل وعبد المجيد عابدين.
وقد خلط بعضهم بين الهكسوس والشاسو كما فعل محمد صلح ضرار (تاريخ شرق السودان1/35) نقلاً عن جرجي زيدان فذكر أن "أمة الشاسو من عرب الشام هاجرت إلى إقليم البجة واستوطنت بين النيل والبحر الأحمر كما يتنقل فيها بدو هذه الأيام.... وكلمة الشاسو معناها عرب واشتهروا بالسطو ونهب أموال سكان وادي النيل، ويقال لهم الهكسوس." 
فالهكسوس – أو حكام البراري أو ملوك الرعاة - هو الأسم الذي أطلقه المصريون على الغزاه الذين بدأوا غاراتهم شرقي الدلتا  منذ بداية القرن السابع عشر ق م. ويربط أغلب الباحثين (انظر عبد العزيز صالح ، تاريخ الشرق الأدنى القديم: الجزء الأول مصر والعراق ص 205-207) بين هجرة الهكوس وبين هجرات كبيرة تحركت من سهوب آسيا الوسطى منذ أوائل الألف الثاني ق م، وتوجهت على فترات متقطعة وطويلة إلى الهند وغرب آسيا وشرق أوربا. وعرفت تلك الهجرات باسم عام هو: الشعوب الهندوأرية أو الآرية، وقد عرفوا بأسماء محلية في المناطق التي غزوها مثل الحيثيين في آسيا الصغرى والكاسيين أو الكاشيين في بلاد ما بين النهرين، والحوريين في أعالي الفرات، والههكسوس في مصر.
ووصلت شعبة من تلك الهجرات سوريا في القرن الثامن عشر ق. م. واضطر الأمورين – وهم سلالة سامية – إلى التقهقر جنوبا نحو القبائل البدوية في جنوب سوريا ولحق بهم بعض الآريين الغزاة. وفي بداية القرن السابع عشر ق.م. أطلوا على الحدود المصرية. واستغلت تلك التجمعات ضعف الدولة المصرية فى ذلك الوقت فدخلوها تحت قيادة الآريين. وأطق المصريون عليهم (حقاو خاسوت) أي حكام البراري، ثم تحور الاسم عند الكتاب اليونانيين إلى الهكسوس وهو الاسم الذي ترجم إلي ملوك الرعاة.
فالهكسوس الذين غزو مصر خليط من البدو المقيمين جنوب منطقة الأردن الحالية ألى جانب الأموريين – وهم ساميون كما ذكرنا – الى جانب الآريين، والهكسوس هم الذين قادوا ذلك الغزو وبهم عُرِف.
أما الشاسو فهو لفظ أطلقه المصريون القدماء علي جماعات سامية بدوية مختلطة الأعراق بدأت تظهر على حدودهم منذ القرن السادس عشر ق م. ويرى بعض الباحثين أنهم يمثلون الأصول المبكرة لبني اسرائيل، وربط بعض الباحثين بينهم وبين الأراميين الذين كانوا يتجولون جنوب منطقة الأردن الحالية.  http://en.wikipedia.org/wiki/Shasu    From Wikipedia, the free encyclopedia  
فهجرات الهكسوس والشاسو قد تمت منذ نحو ألفي سنة قبل أن تصبح لكلمة عربي دلالة على الجنس العربي الذي عرف بهذه السمة بعد الاسلام. فمن الخطأ وصف الكتابات الحديثة تلك الهجرات بأنها هجرات عربية، إلى جانب أن الذين استخدموا كلمة عرب وقصدوا بها البدو هم اليونانيون والرومان. ولم يستخدم قدماء المصريون أو العبرانيون أو غيرهم من شعوب غرب آسيا كلمة عرب للدلالة على الجنس العربي. وقد ذكرنا أن هذا ما أكده الباحثون العرب أمثال الدكتور جواد على.     
والمصادر القديمة – كما وضحنا - عندما تتعرض للهجرات السامية عبر صحراء سينا بدوية كانت أم غيرها تتناولها بالاسم الذي عرفت به في المناطق التي هاجرت منها. فقد رأينا – أعلاه – أن النقوش قد أشارت إلى النازحين بالبدو الفلسطينيين الذين يطلبون الاذن بالإقامة في وادي النيل فلم تطلق عليهم اسم العرب. وكما رأينا ايضا فالهكسوس والشاسو الساميين لم يطلق عليهم العرب. وقد تناولت المصادر العبرية والمصرية بعض الهجرات السامية العبرية إلى مصر منذ عصر النبي يوسف عليه السلام والذي تربطه  بعض القرائن – كما يرى بعض المؤرخين http://www.answer.com/topic/josiph ) )  بعصر الهكسوس، فلماذا لم تطلق المؤلفات الحديثة اسم العرب على تلك الهجرات العبرية كما أطلقوه على الهكسوس والشاسو؟  
وقد أورد دروزة  في أماكن متعددة في كتابه "عروبة مصر" نماذج للكتابات في الآثار المصرية منذ عصر الاسرة الأولى وحتى الغزو الفارسى في منتصف الألف الأخير قبل الميلاد أي في مدة تزيد على 2500 سنة ولم ترد في تلك الكتابات كلمة عربي، بل كانت الإشارة إلى هجرات أو تسللات أو غزوات تلك الشعوب إما بعبارة البدوكما وهي الغالبة أو بأسمائها مثل الكنعانيون والأموريون والفينيقيون ةالهكسوس والشاسو وغيرهم.
وقد ذكر دروزة أن الآثار المصرية القديمة كثيرا ما وصفت تلك الشعوب الآتية من غرب أسيا يالآسيويين. وأضاف (ص28) "ويرادف المؤرخون بين هذا التعبير[آسيويون] وتعبير الساميين المرة بعد الأخرى، وكانت بلاد الشام التي يأتي منها هؤلاء الغزاه آهلة في هذه الظروف بالقبائل الآتية من جزيرة العرب والتي يجب أن يطلق عليها القبائل العربية." ويواصل دروزة في مكان آخر (ص17) والباحثون يرادفون كثيراً بين تعابير أسيويين وساميين وعرب... وهذا يسوغ القول أن من سموا بالآسيويين هم من الجنس العربي"
والمؤلف أولا: لم يوضح من هم المؤرخون والباحثون الذين يرادفون بين تلك الصطلحات: آسيويون وساميون وعرب. ثم إنه جعل كل سكان الشام عرباً، إذ أن كل من أتى من جزيرة العرب – قبل الاسلام-  فهو عربي مثل البابليون والكنعانيون والعبرانيون. ليس هذا فحسب بل وقد جعل كل سكان  بلاد الشام عربا، معذرة يجب أن يكونوا عرباً. واعتقد أننا إذا قبلنا أن اليهود عربا يمكن أن نقبل أن الهجرات الآرية التي دخلت الشام أيضا عرباً. وثانيا: وباختصار شديد إذا سلمنا أن المصطلحات: الساميون والآسيويون والعرب ذات معنى واحد، فهل يقبل العرب أن تكون الفرس واليهود – الآسيويون عرباً؟ أم أن الفرس واليهود ليسوا بآسيويين!
 وفي واقع الأمر فقد جعل دروزة كل فراعنة مصر عرباً، حتى الأسرة رقم 22 والتي اتفق المؤرخون علي أنها ليبية الأصل قال (ص68) عن مؤسسها "فإن صح أنه ليبي فإن الاحتمال بجنسيته العربية يظل واردا وإن كان يرجع في هذه الحالة إلى الأزمنة القديمة السحيقة" وهو بذلك يرجع إلى ما ذكره (ص17) عن أصل الليبيين حيث قال: "قال غير واحد من الباحثين بأصلهم السامي الراجع إلى عهد سحيق في القدم."
والذي نود التوصل إليه هنا هو التعرف على كتابات دروزة لأن أحكامه وصلت السودانيين أيضاً. فقد تناول الأصل العربي للسودانيين مؤسسي كوش ومروي. ففي أثناء تناوله الهجرات العربية إلى مصر في عصر الأسرة 19 في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ذكر (ص56) نزول أولئك المهاجرون – الفينيقيون والكنعانيون – في كثير من المدن المصرية وقال: " وكان يقع مثل هذا من ناحية بلاد النوبة والسودان."
وذكر أيضا (ص17) "ولقد كانت بلاد النوبة وظلت محطة من محطات التموج العربي الجنس. وملامح النوبيين لا تفرق عن الملامح المصرية في شيء على ما تدل عليه صور وموميات الملوك المصريين القدماء الذين قيل إن أصبهم نوبي.فاحتمال كون النوبيين القدماء الذين قاموا بنشاط سياسي في مصرقبل قيام المملكة المتحدة من الموجات العربية الجنس غير بعيد، بل نكاد نقول إنه الأرجح في رأينا قياساً على الأمثال."
وإذا أوجب دروزة أن تكون كل القبائل السامية – واليهود ساميون – عرباً، وجعل فراعنة مصر والليبيين عرباٍ فلا غرابة إذاً أن تكون بلاد النوبة – عنده - محطة للتموجات العربية.