بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الوضع اللغوي المثالي لسودان ما بعد الحرب
مقدمة
سيشهد تاريخ السودان حراكاً مهولاً في كافة جوانب الحياة. ويحدث هذا التحول واقعًا جديداً  تتغير بموجبه أدوار المجموعات العرقية كافة. وصريح القول  هو أن علاقة قوى المركز – كما اصطُلِح - المهيمن ثقافياً واقتصاديا وسياسياًً  سوف تتغير سلباً وإيجاباً مع قوى ما يُسمى بالمناطق المهمشة. وقد عبر عن هذا التحول البيان الذي  أصدرته الكنيسة اللوثرية السودانية في أغسطس عقب توقيع الاتفاق االإطارى في ميشاكوس في يوليو وجعلت عنوانه: حان الوقت للقوميات الأخرى لأن تحكم السودان . ورغم أن المقال يشير إلى حق مشروع كفله الدستور لأي سوداني ذي أهليه فإنه يحمل أيضاً دلالات نفسية.
وحتماً فإن التحول السياسي المرتقب سوف يفرز إسقاطات نفسية كبيرة تتطلب حكمة في السيطرة عليها بغية امتصاص وتذويب آثارها السلبية المهددة لبنيان النسيج الاجتماعي السوداني. وخير شاهد على هذا الزعم ما حدث في بان الثورة المهدية.
إن مشكلة الهوية، وخاصة مكونها اللغوي  ما انفكت  واحدة من أعقد المعضلات التي استعصى حلها طوال تاريخنا السياسي. وما أكثر المعضلات في بلادنا!
لقد بات عنصر اللغة مشكلاً لكثير من بلدان العالم ذات التركيبة العرقية المتعددة كالسودان.  فالسودان الذي هو دولة قارة، وقطر يشكل أمة، تسكنه أمشاج بشرية مختلفة الألسن والملل والنحل. فضلاً عن ذلك فالسودان مختلف الأجواء والطبيعة. ولقد تولد من هذا الخليط  ثقافات سودانية  تمثل نسيجاً  اجتماعياً معقداً، لكنه ليس فريداً ، فلهذه الحالة نماذج في الهند، وماليزيا، وجنوب إفريقيا، والولايات المتحدة، وسويسرا، وكندا، وأثيوبيا ونيجيريا. وفي بعض هذه الدول خلق التعدد اللغوي مشكلات أقعدتها عن التنمية، وأبطأت بها عن اللحاق بركب الدول المتقدمة. وقليل من الدول استطاعت أن ترسم خريطة لغوية مكنتها من إيجاد توازن اجتماعي.  فما أصل المشكل اللغوي في بلادنا؟
اللغة العربية سيادة ومشكلة
 يرى الناقمون على الوضع اللغوي الراهن أن الخريطة اللغوية كانت قسمتها ضيزى، تماماً كما الحقوق الأخرى. فقد أقصيت الألسن الأخرى. وطبعت كل القوميات باللسان العربي بغية تعريب كل السودان. ويرد المتحمسون للثقافة العربية بأن هذه السيادة اللغوية ما هي إلا إفراز طبيعي لتاريخ اجتماعي طويل، وظروف سياسية معينة، وواقع عرقي تعددي تمثل العربية القاسم المشترك فيه بحيث يستحيل اختيار سواها  لغة أولى إذما رضي الجميع العيش في وطن واحد.
ويرى أهل العصبيات الأخرى أن هذا الوضع المتميز للغة العربية نجم عنه عدم توازنية التركيب الاجتماعي. وبالتالي هيمنة القوى الناطقة بالعربية، وضآلة حظوظ غيرهم، الأمر الذي أوجد شعوراً بالدونية والتهميش لكثير من الجماعات السودانية، وخاصة تلك التي أطلق عليها جديثاً الأقاليم المهمشة marginalized regions. ولقد ترتب عن هذا الشعور بالدونية الثقافية رواسب نفسية عبرت عنها أقلام كثيرة وفي مناسبات مختلفة، وأسمت ذلك ورطة ثقافية.
ومعلوم أن سيادة لغة معينة في أي مجتمع متعدد الأعراق يخلق عند غير متحدثيها بوصفها لغة أم مواقف سلببية negative attitudes  تقود إلى كراهية تلك اللغة. ذكر  M. S. Thirumalai  جملة عوامل نفسية بها يكره المرء لغة ما منها:
تمثل ديانة أخرى.
تنتشر على حساب لغته الأم .
قد تؤدي إلى عبوديته .
يشعر بأنه سوف يفقد لغته الأم .
إنها لغة مفروضة .
لا يعترف متحدثو اللغة المهيمنة بعظمة لغته  ويميلون إلى إلتقليل من شأنها.
 إنها لغة عنصر اجتماعي مغاير.
 إنها من أسرة لغوية لا تنتمي لها لغته .
إن هذه اللغة المفروضة عليه تصنف من اللغات القديمة .
إن هذه اللغة حظيت بوضع سياسي أكبر من ذلك الذي حظيت به لغته .
إنها ذات صلة بلغة أخرى مكروهة لديه.
إن هذه اللغة لغة عنصر وافد.
إن فكر تلك اللغة وثقافتها لا يُحظى بقبول لديه  .
إن كل هذه العوامل التي تؤدي إلى اتخاذ موقف سلبي تجاه العربية متوفرة عند الآخرين الذين ليست العربية لغتهم الآن. ولذا فإنهم  (تمنوا ) وضعاً لغوياً جديداً يقلص دور العربية كما عند أقل الناقمين عداءاً ضد العربية ،  أو به تمحى العربية من السودان كما يرى أكثرهم تطرفاً. وفي مقابل ذلك فإن مواقف المتحمسين للعربية تدعو لدور أكبر للعربية يتم بمقتضاه تعريب كل السودان .
ولقد خلقت هذه المواقف السلبية والإيجابية نحو العربية صراعاً ما انفك قائماً  منذ ميلاد الدولة السودانية ، وخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي، أقعدت الدولة عن النهضة والعمران ، فما مزاعم كل من الطرفين حول العربية؟ وما الفيصل  في ما يزعمون ؟ وكيف الوصول إلى وضع لغوي مرضٍ للجميع؟
رؤى متصارعة حول العربية وتفنيدها
من المسلم به أن الصراع حول دور العربية في السودان قضية قديمة لم تحسم. والجدل حولها كان أشبه بحوار الصم؛ فليس ثمة طرف يُسمِعُ أو يَسمَعُ رأي الآخر، ومن ثم ظلت أمراً معلقاً.
    وبمراجعة عجلى لمواقف الجماعات العرقية في السودان وصراعها الفكري وغيرها في قضية الهوية نجد أنها تقف على طرفي نقيض فإذا بدأنا بأقصى درجات العصبية ضد العربية وثقافنها التي تمثلها فكرياً مدرسة السودانية الشكلية -كما نعتها الصاوي – فإنا نجد أن هذه المدرسة تمثل تياراً يقوم على تضخيم حقائق التنوع العرقي في البلاد  وتتجاهل دور الهوية العربية الإسلامية في تشكيل الهوية السودانية. وقد عبرت هذه النزعة عن نفسها عسكرياً في حرب  ضروس استمرت عقوداً من الزمان خلفت ندوباً نفسية جمة في كافة الصُّعُد الاجتماعية. وينسب لقائد الحركة الشعبية لتحرير السودان قوله:  (إن العرب مكثوا في الأندلس أكثر مما مكثوا في السودان، وكما خرجوا من الأندلس سيخرجون من السودان)، وقوله: (العرب في الشمال لا يختلفون عن البيض في جنوب أفريقيا) .
بل لقد جر هذا الموقف بعض العرقيات المسلمة الأخرى التي تدين بالإسلام وتتحدث لغة أخرى غير العربية للمطالبة بما أسمته حقا.ً فالنوبيون في الشمال دعوا إلى النوبية . وفي الشرق اعتمدت المعارضة المسلحة لغة البداويت لغةًَ للتعليم وأطلقت منظمة "اللجنة الدولية للإنقاذ" الأميركية، في احتفال رسمي في أسمرا، مشروع كتابة لغة" البداويت" التي يعود تاريخ ظهورها إلى أربعة آلاف سنة، بإصدار خمسة كتبٍ بهذه اللغة . وفي الغرب تنشط دعوات استخدام لغات محلية. وقد حملت بعض الجماعات العرقية السلاح أسوة بالحركة الشعبية لتحرير السودان من أجل استعادة ذلك الحق. والذين لم يحملوه نشطوا بطرق مختلفة لإيجاد أدوار للغاتهم المحلية. ويجب أن نسجل هنا أن هذه المواقف لا تبدو بعيدة عن دعوات الإقليمية والإثنية التي انتظمت كثيراً من البلدان العربية التي بها أقليات عرقية تشكوا تهميشاً كما في جماعة الأرمن في سوريا، والأمازيغ، في المغرب العربي، والأكراد في العراق، والأقباط في مصر. ولن تقرأ هذه بعيداً عن الهجمة التي تطال العالم الإسلامي وبتخطيط غربي سافر تحت غطاء حقوق الإنسان.
وفي الطرف الآخر فإن دعاة الأسلمة والتعريب يسعَون إلى تعريب بلاد السودان وإذابة كل الكيانات الأخرى في بوتقة عربية إسلامية. ويتمثل ذلك في " حركة الإسلام السياسي الحديثة وبدرجة أقل في القوى السياسية التقليدية ، حيث تحول الإسلام إلى عقيدة سياسية ألحقت بها العروبة كسلاح إضافي "  
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن، وتحاول هذه الدراسة الإجابة عنه:  كيف تبنى سياسة لغوية توفيقية مثالية؟   يرى د. الحاج بلال عمر أن "المطلوب بلورة توجه أيديولوجي يُمكِّن من تحويل استغلال المنفعة إلى استغلال المصلحة للجميع"  وهذه لا غبار عليها  بيد أن هذا  الكلام يبدو نظرياً، أكثر من كونه واقعاً. يضاف إلى ذلك أن التوجه الأيديولوجي ذاته يبدو وسيلة أصعب من الغاية وهي اللغة الواحدة في هذه الحالة. فالاتفاق حول أيدويولوجية واحدة حلم لن يتحقق. والذين حاولوا أن يفرضوه في العالم فشلوا..والاتفاق على أيدويولوجية في السودان المتسم بتعدد الأعراق والملل والنحل يبدو مستحيلاً. بيد أن خيار التعايش والاتفاق على الوحدة القائمة على التنوع  unity within diversity  هو الأفضل. وهذا خيار له استحقاقاقته الاجتماعية والسياسية الثقافية  (خصماً وإضافة ) على الأعراق جميعاً. فكيف يكون ذلك في اللغة التي هي محور هذه الدراسة ؟
إن الأمر ليقتضي حكمة ودراسة وما ينبغي أولاً في قضية اللغة بث وعي جماهيري لإزالة بعض المفاهيم والارتباطات الخاطئة بين اللغة وغيرها من القضايا الاجتماعية. وفي حالة العربية فإن  مما أخطأ فيه المتعصبون ضد العربية هو ربطها بالوضع الاجتماعي والسياسي للجماعات الناطقة بالعربية وسواها. فالمكانة الأساسية  والاقتصادية والثقافية التي تتمتع بها بعض المجموعات العربية دفع الآخرين من غير متحدثيها إلى أن يقفوا موقفاً سلبياً تجاه اللغة العربية.  والواقع أن كل قاطني التخوم الذي غبنوا من ما أسموه بسيادة المركز قد نقلوا ذلك الغبن إلى العربية.
 ولدحض هذه الارتباط الخاطئ فإنا نلفت هنا أولاً إلى أن  متحدثي العربية بوصفها لغة أم في السودان ينقسمون لغوياً إلى فئتين (نستبعد هنا التقسيم التقليدي في علم الأنساب )، هما: عرب ومستعربون. والفئة الثانية هي التي يمكن بها وصف كل العرب خارج نطاق الجزيرة العربية القديمة مثل: المغرب العربي، ومصر، وأقصى شمال السودان، وشمال الشام، وتخوم العراق الشرقية والشمالية، وتخوم الصحراء العربية في إفريقيا. 
وتمثل فئة القبائل العربية قبائل الرشايدة، والزبيدية في الشرق، والكواهلة والتعايشة وكل البقارة في الغرب، ورفاعة، وكنانة في النيل الأزرق. وإذا نظرنا مرة أخرى نجد أن المجموعة الأخيرة _أي العرب -  لم تقم لها كياناً سياسياً عبر تاريخ السودان.  وليس لها دوراً سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافي  يضاهي المجموعة الأخرى وذلك لكونها قبائل احترفت الرعي ولم يكتب لها الاستقرار .
أما المجموعة الأولى فهي القبائل الفاعلة اجتماعيا وثقافياً وسياسياً وتمثلها القبائل التي قطنت ضفتي النيل وفروعه وأشهرها قبائل الجعليين بكل بطونها وأفخاذها. ولقد احترفت هذه الفئة الزراعة. ومن ثم جنت ثمار الاستقرار تشاركها تلك الفاعلية القبائل غير العربية في الشمال وهي قبائل الدناقلة بكل تنوعاتها العرقية.
ويسجل التاريخ أن القبائل غير العربية قد أقامت دولاً إسلامية كبرى وكان لسانها اللغة العربية كما في سلطنة الفور، وتقلي، وسنار، والمسبعات وغيرها. إذن فالعربية براء  من التفوق المزعوم ومن التخلف الاقتصادي والسياسي لبعض الجماعات العرقية .
وثمة مفهوم يربط الثقافة العربية باللون كما فعل  الباقر العفيف عندما تعرض  لمسألة الهوية السودانية في ورقته الموسومة بـِ"قوم سود ذوو ثقافة بيضاء" في ربط غير موضوعي للعربية باللون على نسق مقولة فرانتس فانون  Frantz Fanon: Black Skin White Masks  عن ثقافة الزنوج المتأمركين . والحقيقة فإن الثقافة لا لون لها ، والعرب الذين وصفوا بأنهم بيض البشرة، ألوانهم السمرة والأدمة.  وعندما كتب الجاحظ فخر السودان على البيضان لم يك يعني العرب بالطبع وإنما يقصد سكان أوربا في ذلك الزمن ، وهم الروم الذين يشكلون مادة  الجنس الأوربي.إن اللغة _ كالحضارة _  لا لون لها.  ولئن كان - كما زعم بعضهم- فإن لون الإنجليز بعيد جد منا، ومن أولئك المتيمين بثقافتهم.
ويقف بعضهم من العربية موقفاً سلبياً لكونها وعاء الثقافة العربية. والحقيقة فالعلاقة بين اللغة والثقافة ليست علاقة ثابت بثابت وإنما هي علاقة متغير بثابت. فالثقافة متغير. واللغة ثابت (تستبعد التغيرات الدلالية والصوتية لأنها  طارئة). فالثقافة العربية في العصر الجاهلي ليست كتلك التي تكونت  بمجئ الإسلام. فالثقافة اختلفت وبقيت اللغة.
وهذا يؤدي إلى القول  بأن  اللغة ليس من المهم أن تحمل الثقافة نفسها التي ولدت بها. إذن فأين ثقافة العصر الجاهلي من ثقافة عصر الإسلام؟ وأين ثقافة العصر العباسي من ثقافة العصر التركي؟ وهل ثقافة العرب في االأندلس هي مثل ثقافة العرب في الصحراء؟ إن اللغة وعاء حامل للثقافة، وليست هي الثقافة ذاتها. ولعل مقولة العربي الشهيرة في مدح الخليفة عندما كان جلفاً فقال:
أنت كالكلب في وفائه  وكالتيس في قراع الخطوب
ومقاله  عندما تمدين ولان جلده:
عيون المها بين الرصافة والجسر  جلبن  الهوى من حيث أدري ولا أدري
 لخير دليل على ذلك. فالشاعر هو هو . ولكن ثقفت نفسه وتغيرت تقاقته وتغير بالتالي  سلوكه اللغوي.
والذين يقفون من العربية موقفاً عدائياً  لأنها لغة ديانة مخالفة لدينهم  قد أخطأوا الربط أيضاص . فالعربية  قد وجدت قبل الإسلام وإنما الإسلام اختارها لتحمل مفاهيمه. من منظور آخر  فإن العربية التي هي لغة الإسلام هي كذلك لغة المسيحيين العرب.  ومشاهير من علماء العربية مسيحيون. كذلك فإن هنالك لغات أخرى غير العربية أطلق عليها اللغات الإسلامية صارت حاملة للإسلام كالأردية والفارسية والملايوية والهوساوية والسواحيلية. بل أن  الناطقين بلغة الملايو وحدها أكبر من المسلمين الناطقين بالعربية.
من طرف آخر إن الذين يُغالون في حماسهم للعربية لغيرة إسلامية، أخطأوا  أيضاً ؛ لكونهم قد ربطوا الغاية بالوسيلة. فالإسلام الذي يجب أن يكون غاية لا يستلزم معه إجادة العربية. ولذا فإن العربية لم تجعل  من أركان الاسلام. وعدم معرفة العربية لم يقف حائلاً في نشر الإسلام.
ويقول الإمام الشافعي: " فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده  ورسوله ويتلو به كتاب الله،  وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك"
يقول ابن تيمية: " واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخُلْق والدين تأثيراً قوياً بيناً ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين.  ومشابهتهم تزيد من العقل والدين والخلق وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين  ومعرفتها فرض واجب فإن فهم الكتاب  والسنة فرض  ولا يفهم إلا بالعربية  وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "  
ويفهم من كلامه أنه واجب عيني ويفهم ذلك من قوله  "مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب كالصلاة لا تصح إلا بقراءة من القرآن العربي"  وقيل إن تعلم العربية على الوجوب الكفائي إذ يجب أن يتعلم العربية من أهل كل لسان فرقة ثم يعلمونها قومهم.
 والمشاهد الآن أن من  المسلمين من لا يتحدثون العربية. بل الملحوظ الآن أن الدول الإسلامية التي لا تتحدث العربية هي أكثر تطوراً من الدول الإسلامية الناطقة بالعربية  (ماليزيا ، إندونيسيا ،باكستان ، إيران ، نيجريا).
والذي يجب أن يُعلم هو أن الثقافة في السودان ليست عربية خالصة ولا أفريقية قحة. إنها سودانية فحسب. وليست كما يقول بعضهم إنها إفريقية بل إن ما يطلق عليه ثقافة إفريقية اسم لا مسمى له. فالأفارقة اتخذوا إفريقيا موطناً، ولا ثقافة تجمعهم إنها كيان سياسي وليس ثقافياً. وإذا سلمنا جدلاً بوجود الثقافة الواحدة ترتسم في الذهن عدة تساؤلات منطقية منها:  ما لغة تلك الثقافة التي  يتحدثها الأفارقة أجمعون؟ وهل ثقافة شعب البشمن تماثل ثقافة المغربي مثلاً ؟ أم تقارب ثقافة الدينكاوي؟ وهل يرقص المصري طرباً لطبول الماساي؟وما الجامع بين الصومالي والأمازيغي؟
ربما يتطوع البعض ويشير إلى خطوط واهية تجمع بين المجتمعات آنفة الذكر. غير أنا نقول هنا: ولئن افترض وجود أية علاقة أو صلة ثقافية بين جماعتين متباعدتين فما ذلك إلا نوع من الإرث العالمي المشترك الذي تلتقي فيه كل الإنسانية. ولن يعجز المرء ذكر أي صلة ثقافية بين مجتمعين مهما تباعدا طقسا،ً وطقوساً، وطبيعة ولغة. فخيط من الشبه قد يوجد بين الإسكيمو القاطنين في زمهرير القطب الجنوبي ، وبين البدو الذي تلفحمهم حرارة الصحراء العربية. ولكنهم لا يشكلون ثقافة مشتركة. إن هذا الإرث المشترك يمثل آثاراً بقيت مما أشار إليه الحق تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) البقرة 213.
سمات السياسة اللغوية الحكيمة
إن الواقع السوداني والظروف العالمية لتحتم علينا أن نبني سياسة لغوية حكيمة تصهر الأمة السودانية في بوتقة الأمة المتماثلة ثقافياً. وهذه السياسة الحكيمة تؤمن بأن التعدد اللغوي من سنن الكون وبالتالي تحدد وضع اللغات كافة ثم تختار لغة تجمع عليها الأمة انطلاقاً من وظيفة تلك اللغة في المجتمع وتحدد هذه السيادة اللغوية الراشدة لغات التعليم.
إن أول مبادئ حل المشكل اللغوي في السودان هو الاعتراف بأن التعدد اللغوي  من سنن الكون .ودليل ذلك قوله تعالى في سورة الروم { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ } 22. وكون اختلاف الألسن سنة من سن الكون ؛ يعني أن اللغة حق من حقوق الفرد. وقد نصت على ذلك الفقرة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإتسان الذي أصدرته الامم المتحدة وتقرأ هذه المادة كالأتي " لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء" . وقد ضمن ذلك الحق في دستور السودان  1998م البندين الثالث والسابع عشر. وهذا يفرض اتباع سياسة لغوية تعترف بالتعددية ؛ أي إعطاء كل جماعة عرقية حقها اللغوي، ولكن بقدر وتقدير. ويكون ذلك  محكوماً بعوامل موضوعية منها: مكانة هذه اللغة عالمياً. ودورها الثقافي. ومدى حماس كل الجماعات التي تتحدثها. ومنها  وهل هي مكتوبة؟ أم شفاهية؟
  وليس من ضير في ذلك. وليس فيه تهديداً لوحدة البلاد  وقياساً على مقولة علماء  الأصول  ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وفي القاعدة الفقهية المستنبطة من الحديث الشريف "لا ضرر ولا ضرار". فما الأوجب من وحدة الأمة؟ وما الأضر من تمزقها؟
 إن اختلاف الألسن ليس عائقاً في سبيل وحدة الأمة ولا يمكن أن يكون ذلك لأن بسنن الله سبحانه وتعالى ينسجم الكون، وبغدو صالحاً للجياة البشرية  ما لم يتدخل هوى الإنسان فالله سبحانه وتعالى خلق الكون متناغماً بيد أن  الإنسان هو الذي يصنع الفساد، ومصداق ذلك قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الروم، 41.  وفي موضوع اللغات فإن الألسن  عرضة للتغيرات  المنسابة انسيابا طبيعيا والمشهور في مقولات اللغويين أن اللغة كائن حي ولذا فهي عرضة للحوادث من موت وحياة وشيخوخة وشباب  كما الإنسان. وهذه العوارض كلها من سنن الله سبحانه وتعالى فحدوثها نتيجة لعوامل طبيعية  من صلاح الكون أما عندما يتدخل الإنسان مدفوعاً بعوامل ذاتية، أو فكرية، أو عنصرية من أجل تغيير الوضع اللغوي لقوم ما فهذا هو الفساد. ويتجلى هذا الإفساد اللغوي بجلاء في ما كان يسمى سابقاً بالاتحاد السوفيتي. ففي حقبة السطوة الماركسية حاولت الحكومة فرض اللسان الروسي ليكون لسان كل القوميات. وحاصل ذلك بناء أمة ما جمعها إلا القهر.  إن الجبروت والطغيان لا يحل معضلة ما حلاً جذرياً، وإنما يقدم مسكنات ومهدئات تظهر بزوالها المشكلة بحجم أكبر وأعمق. . وقد كان ذلك ماثلاً في الدولة لدولة السوفياتية التي تفرقت  أيدي سبأ حال ارتخاء تلك القبضة الحديدية.
  ويظهر ذلك أيضاً بجلاء في محاولات الاستعمار الأوربي الذي  فرض اللغات الأوربية لتكون لغات شعوب مستعمراتهم. فصارت الإنجليزية لغات شعوب كثيرة في آسيا، وإفريقيا وغدت الفرنسية لغات شعوب كثيرة في إفريقيا، وبعض دول آسيا. كذلك الأمر للبرتقالية والأسبانية. والناظر في خارطة الدول التي تتحدث بغير لسانها القومي يجد أن معظمها دول فقيرة ومتخلفة؛  وما ذلك إلا لأنها فرضت عليها لغة لا تستطيع أن تعبر بها أو تتعلم بها فلا يكفي الإنسان أن يجيد لغة ما فقط. إن التوافق النفسي مع هذه اللغة أو متحدثيها عامل مهم في اتخاذ هذه اللغة أداة للمساهمة في بناء الأمة.
إن الواقع العالمي الآن ليشير إلى أن "أغلب دول ومجتمعات العالم هي من نوع المجتمعات التعددية أى تلك التي تعيش فيها جنبا إلى جنب جماعات أولية مختلفة متنوعة ومتعددة " . ومن النادر جداً وجود الدول المتجانسة. وحالة السودان ليست استثناءاً.  وتشير الأرقام إلى أن  بلدنا السودان التي بها أكثر من 300 لغة. وهذا التنوع اللغوي الهائل خلق وضعاً لغوياً مشابهاً لدولة الهند التي  بها حوالي 1500 لغة ولهجة . ورغم هذا الفرق الهائل بين السودان والهند في عدد اللغات  نجد أن هذه الدولة أي الهند  قد توصلت هذه الدولة إلى سياسة لغوية تعددية تعترف ب 22 من هذا التنوع اللغوي كلغة رسمية  .
والذي يقارن بين وضع السودان وبين الهند  يجد أن فرص التوحد اللغوي في السودان أكبر بكثير من الهند؛ وذلك  لأن التعدد  الديني فيه  ليس بالتنوع المفرط الذي نجده في الهند. ففي الهند التي تعرف بأرض الأديان بها أديان كثيرة منها الهندوسية، الإسلام، والسيخية، والمسيحية، والبوذية، والحنيزية،  والزاردشتية، وغير ذلك من أديان. بينما الأديان في السودان لا تعدو ثلاثة: الإسلام والمسيحية وأديان قبلية.
تحديد دور اللغة
لقد حدد ندا 1971 وظائف اللغة في الآتي :
1  اتصال داخل المجموعة  اللغوية الواحدة.
2  الاتصال مع المجموعات اللغوية خارج مجتمع الفرد اللغوي (لغة عامة أو لغة وظيفية).
اتصال يتطلب معلومات متخصصة (الإنجليزية مثلاً ) .
تحدد هذه المقولة ثلاث مجالات يتعامل معها الفرد لغوياً هي المجلات هي دائرة مجتمع القبيلة ، الاتصال البيني مع القبائل الاخرى التي لا تتحدث لغتهم ثم الاتصال بالعالم الخارجي . إذن هذه تمثل حقوقاً للفرد يجب أن توفرها له الدولة وتحميها. وتبدو هذه القضية سهلة وغير مشكلة في المجتمع أحادي الغة الأم كالسعودية مثلاً. أما في السودان فإن الأمر يتطلب وعياص ودراية بتحديد اللغة المناسبة لأي فرد.
اللغة الواحدة ضرورة:
حقاً  إن التعدد اللغوي من سنن الكون. واللغة حق للفرد بل هي من مكونات شخصية الفرد. فإذا حرم المرء لغته حرم أهم المكونات الفطرية للشخصية. إذن فلا  ضير أن تكون الأمة متعددة اللغات بيد أنه من اللازم للأمة أن يكون لها لسان واحد. وهذا اللسان الواحد به يتحقق التناغم الاجتماعي. فاللغة تشعر أفراد الأمة بانهم كيان واحد يقول كيلمان 1971:48  " إن اللغة الواحدة المشتركة تخلق قطراً متحداً ومترابطاً، بيد أن الحكمة مرجوة لتحديد ما هي تلك اللغة. فهذه اللغة الواحدة يجب أن تلبي رغبات وأشواق كل طيوف المجتمع" . وكما  يرى Vic Web   أن هنالك ثلاثة خصائص يجب أن تمتاز بها السياسة اللغوية في مجتمع التعددية اللغوية،وهي:
أن تعكس روح التعددية.
أن تضع في الاعتبار الاختلافات الوظيفية لكل لغة.
اتخاذ القرار بشأن السياسة اللغوية لا ينبغي أن يكون اعتباطياً أو عاطقياّ إذ لا بد من أن يكون عقلياً ومنظماً .
ولما كانت اللغة ذات وظيفة اجتماعية فإن بها الإنسان يتواصل مع أفراد مجتمعه. ولن يتحقق ذلك التواصل إلا بوجود رموز وعلامات ذات دلالات مشتركة بين أفراد المجتمع. وإذا فرض على مجتمع نظام لغوي ما لا يناسب جماعة لغوية معينة فإن هذه الجماعة تتخلف اقتصادياً وعلمياً لأن اللغة أصوات يغبر بها كل قوم عن أغراضهم كما ورد عن ابن جني.
  فإذا كان المرء منتسباً لقوم لا يستخدمون لسانه فكيف يتفاعل مع ذلك المجتمع؟ إن عليه أن يتعلم تلك اللغة المفروضة وهي بالتالي تغدو لغة ثانية. ومن هذا فقد" اتفق اللغويون وعلماء النفس التربويون على أهمية جعل اللغة الأم هي لغة التعليم. وفي مقابل ذلك أكدوا جعل اللغة الأجنبية لغة للتعليم يخلق مشكلات تعليمة لا حصر لها، وأنها لا تؤدي إلى تعلم ناجح مطلقاً" . المعلوم أن اللغة الثانية لا يستطيع بها المرء ان يعبر بها أو يتواصل بها كما اللغة الأم.  إن الحل الأفضل هو أن يتعلم كل فرد بلغته الأم، إذ بها يحدث تحصيل علمي أفصل فالوظيفة النفسية والفكرية  للغة الأمم تتمثل  في قدرتها على الوفاء بالتعبير الدقيق والحي عن الحاجات النفسية والشعورية، وهذا ما لاتقدر عليه اللغة الثانية.
ولقد أجريت تجربتان دعمتا ذلك الرأي. كانت التجربة الأولى في جنوب أفريقيا. أجريت هذه التجربة في الصف الثالث  بإحدى المدارس الثانوية التي تدرس باللغة  القومية فغيرت لغة التعليم إلى الإنجليزية، وقد لوحظ تدني مستوى التحصيل بصور واضحة. وعكس تلك التجربة كانت في تنزانيا حيث غيرت  لغة التعليم من الإنجليزي إلى السواحيلية فأظهر الطلاب مستوى علمياً أرفع من مستواهم العلمي عندما كانوا يدرسون بالإنجليزية.
إذن وبناء على المعطيات السابقة فإن الوضع اللغوي – الخاص بالجنوب-  الذي جاء في اتفاقية السلام الموقعة عام 1972م  بين نظام مايو والأنينانيا 2 والذي بموجبه اعتتمدت  الإنجليزية كلغة أساسية PRINCIPAL LANGAUGE  في الجنوب السوداني تعلم وتدرس في مدارس الجنوب، وتكون أيضاً بمثابة لغة الإدارة  هو أفضل الخيارات الممكنة. فبموجب الاتفاقية يدرس الطالب السنتين الأولين في المرحلة الابتدائية باللغة المحلية بينما يختار الطالب الإنجايزية أو العربية لتكون لغة الدراسة في المرحلة الثانوية المتوسطة. واللغة التي ليست بلغة تدريس تدرس كمادة فقط.
ونتيجة لهذه الاتفاقية  كان نصف طلاب المدارس المتوسطة في الإقليم الجنوبي في عام 1970م  يدرس باللغة العربية، والنصف الآخر يدرس باللغة العربية.  بيد أن استخدام اللغة العربية صار قضية سياسية لدى كثير من الجنوبيين الذين يعتبرونه من عناصر سيادة الشمال  .
أما في بقية أقاليم السودان فإن اللغة العربية تعتمد لغة رئيسة؛ فتكون هي اللغة الرسمية، ولغة التعليم العام، والعلوم الإنسانية في معاهد التعليم العالي،  بينما تعتمد اللغة الإنجليزية لتدريس العلوم التطبيقية. على أن يعطى  للمتحدثين بلغة أم  غير العربية في الشرق، وأقصى الشمال، وأقصى الغرب حق اختيار لغة التعليم في السنين الأولى (أولى ، وثانية وثالثة أبتدائي) من التعليم العام.
الخلاصة
 من هذا العرض يتضح أن المشكلة اللغوية في السودان ظل عقبة كأداء  تقف في طريق وحدته ومن ثم استقراره وتطوره. وكما وضح من الشواهد التي سيقت والواقع العالمي المعاش فإن هذه الحالة ليست يتيمة إذ لها أمثالها. وان حلها ليس مستحيلاً بيد أنه معقد، وذلك لتداخل قوى غير وطنية ذات أغراض واستراتيجيات معلومة.
إن حل هذه المشكلة اللغوية يطَّلب حكمة وروية. وفي هذه الحالة فلا بد من الاعتراف بالحق اللغوي للجميع إذا ما أريد التعايش في وطن واحد يسع الجميع. وهذا يتطلب تنازلات لمستحقات جديدة. ولتوفير المناخ اللازم لهذا الواقع اللغوي الجديد فلا بد من بث ثقافة السلام والوعي بدوركل لغة في بناء السودان المتجانس المتحد.
 وترى الدراسة أن التعاطف يجب ألا يغمط اللغة العربية، لأنها العامل الأول الذي يجمع كل السودانيين باختلاف أعراقهم وأديانهم. كذلك ترى الدراسة أن اللغات المحلية يجب أن تعطى دوراً يناسب حجمها كماً وكيفاً.
أما اللغة الإنجليزية فنسبة لدورها الحضاري ومكانتها في الجنوب فإن الدراسة توصي بأن تكون اللغة الرسمية في الجنوب والثانية في كل السودان على أن تكون لغة التعليم التطبيقي في الجامعات السودانية مع السعي الجاد نحو  التعريب الممنهج لا المرتجل  . والله الموفق.