المتخيل المعلن والمسكوت عنه فى المجتمع السودانى
الثقافة
تعريف الثقافة والمثقف لم يجد له نصيبا فى التحديد القاطع اذ أصاب المفهوم غموضا كبيرا وارتبطت به علات عديدة خاصة فى مجتمعنا السودانى منها الاستعلاء ونقيضه الدونى للآخر حتى قيل ان أحدا قال "انه لا يسمع كلمة الثقافة أو المثقف الا أخذ عكازته". ورغم هذا الغموض فى مفهوم الثقافة الا أن هناك تعريفان يكاد يجمع عليهما الكل: الأول شامل يضم كل المتعلمين وفى كل الاختصاصات ويتبع ذلك مفهوم المثقف أى المتعلم الذى يعمل بذهنه أكثر من يديه. ويكون بالتالى الشخص الذى يعمل بيديه غير مثقف حتى لو كان متعلما اذ أن كثيرا من المهن تتطلب العمل باليد حتى لو كان الشخص حاصلا على أعلى درجات العلم. فمثلا المهندس بتخصصاته المختلفة المدنى والميكانيكى والزراعى والكهربى وغيره لابد له من العمل بيديه بجانب عمله الذهنى لهذا فان هذا التعريف لا يكون شاملا. التعريف الثانى هو المتعلق بالفن والرسم والنحت والتصوير والغناء أى بكل ما تعارف عليه الناس من الجماليات.  هذا التعريف ليس كافيا أيضا اذ أن معظم فئآت المجتمع تخرجهم من التثقيف والثقافة. لهذا لابد من تعريف جامع مانع يشمل كل تخصصات المجتمع ذهنية كانت أم عملية ولا تحصره على الذى نال التعليم فالكثير من الذين نالوا حظا من التعليم قد لايعرفون من الثقافة غير اسمها والكثير أيضا من الذين لم ينالوا حظا من التعليم أصبح لهم من المكانة فى مجالهم ما بذ من معهم فى ذلك المجال. لنأخذ مثالا واحدا لذلك ونستشهد بالفنان السودانى الراحل ابراهيم الكاشف فعلي الرغم من أنه لم يدرس موسيقى بل ولا يعرف القراءة والكتابة الا أن ما ألفه من نوت موسيقية أصبحت تدرس الآن فى معهد الموسيقى بالخرطوم.
لهذا فانى وفى صورة مبسطة أعرف الثقافة بأنها الطريقة التى ينظم ويدير بها مجتمع ما نفسه وتميزه عن المجتمعات الأخرى. ينطلق هذا المفهوم من أن الثقافة تتكون من مجموعة معقدة ومتحركة من قيم ومعتقدات ونظم وأنماط فكرية طورها المجتمع عبر وجوده الزمنى والمكانى ليؤكد بها بقاءه فى بيئة طبيعية وبشرية خاصة به. الأفراد فى هذا المجتمع ليسوا فقط متأثرين بثقافته ولكنهم يساهمون فى تشكيل تلك الثقافة حسب مكانة الفرد الاجتماعية داخل النظام الهرمى والذى يحدد وجوده والمجموعة التى ينتمى اليها على أساس قوتها الاقتصادية. هذه المكانة الاجتماعية تتحدد عبر تداخلات معقدة من "الممتلكات والدخل والتعليم والمهنة بجانب عوامل أخرى مثل الاثنية والجنس والمواطنة والهوية".  بهذه المحددات للثقافة والعوامل التى تؤثر فيها فان الثقافة الناشئة فى المجتمع تكون هى الثقافة التى تعكسها مرآة المجموعة التى تستأثر بالقوة الاقتصادية والسياسية فى المجتمع، خاصة تلك المتعلقة بالنظم والمعايير والقيم والتوقعات. حيث أن هذه المعانى هى التى تصبح السائدة أو تعتبر معايير للمجتمع يقاس عليها وجود الآخر.   بمعنى آخر تكون هذه القيم والمعايير والنظم هى المتخفية وغير المرئية باعتبار أنها المعايير المتعارف عليها للمجتمع وبالتالى يصبح حاملوها ليس لهم ثقافة لأن تصرفاتهم وسلوكياتهم هى المتوقعة والمتعارف عليها وتكون عناصر ثقافة الآخر هى المرئية باعتبار أنها ثقافة شاذة عن المعيار المتعارف عليه وأن سلوك وتصرف حاملها غير متوقع فى نظر ثقافة الأغلبية أو ثقافة الفئة ذات القوة الاقتصادية والسياسية.
لنضرب مثال على ذلك ينطلق من احدى المدارس فى منطقة جبال النوبة. ففى الفترة التى تلت اعلان الحركة الاسلامية لتطبيق الشريعة الاسلامية أصدر مدير المدرسة بيانا يأمر فيه الطلاب بعدم شرب المريسة (نوع من الجعة المحلية) باعتبار أنها من المسكرات فى تصوره المنطلق أولا من الثقافة العربية الاسلامية وثانيا من البعد الآيديولوجى والسياسى للنظام السياسى الحاكم. مدير المدرسة قبل اعلان تطبيق الشريعة لم يكن يرى المريسة شرابا مسكرا وحراما ولكنه قد يراها أمرا غير متعارف فى ثقافته العربية الاسلامية السائدة فى أواسط السودان. أما بالنسبة للتلاميذ وأهاليهم فى مناطق جبال النوبة فالمريسة جزء من عاداتهم وثقافتهم فبدلا من تناول افطار يحتوى على عصيدة وادام وهو غالب قوت أهل أواسط السودان فالفرد منهم يتناول هذه المريسة المصنوعة من نفس المواد ولكنها أقل تماسكا بل أقرب الى أن تكون سائلة ولا يضاف اليها ادام. بجانب ذلك فهو يتناولها فى الصباح الباكر وغالبا قبل طلوع الشمس ليلحق بعمله فى الزراعة ولا تؤثر على عمله اذا كان عاملا أو فى دراسته اذا كان طالبا لأنه يعرف أنها غير مسكرة. بالنسبة للمدرس نجد التزامه وتمسكه بمنع المريسة لأنه وضع عليها قيمة معيارية ومن ثم رآها وحكم عليها من منظور صاح أو خطأ من المنظور  السياسى العقائدى المنتمى اليه وليس من منظور المجتمع النوبى الذى يقطن أو يعمل فيه. أحد أصدقائى من جبال النوبة يحضر لدرجة الدكتوراة فى السويد عن المبيدات الحشرية وفى مناسبة سماية ابنى محمد والتى أصرت فيها حبوبته التى حضرت وضوع بنتها أن تعمل "شربوت" للسماية، أخبرنا أمام جمع من السودانيين وغيرهم من الحاضرين يومها بأنه لم يسمع بأن المريسة حرام الا عندما جاء الى الخرطوم لاكمال دراسته الجامعية بداية التسعينات من القرن العشرين.
تعريفنا للثقافة بأنها الطريقة التى ينظم ويدير بها المجتمع نفسه وتميزه عن المجتمعات الأخرى تقودنا الى ما حاولنا تبيانه فى هذه الدراسة وهو أن الكثير من الأفندية الذين ورثوا الحكم عن المستعمر واعتمادا على التعريف للثقافة القائم على التعليم، خلقوا بينهم وبين مواطنيهم برزخا حضاريا وهميا أنتج فى داخلهم شعورا بالاستعلاء وبالتالى الاغتراب عن مجتمعهم واعتبروه مجتمعا متخلفا بنفس الصورة التى رآه بها المستعمر الانجليزى. لا يوجد فرق بين الانجليزى والسودانى الأفندى الا المتمثل فى أن الأول أجنبى والأخير "ابن بلد" لأن الهدف واحد فى الحالتين وهو استغلال المجتمع السودانى الذى يحكمه. تتجلى هذه الصورة فى كثير من الممارسات قبل الاستقلال  والتى مارسها الأفندى وهو مفتشا صغيرا أو كاتبا مغمورا فى احدى دواوين الحكومة الاستعمارية فى احدى أريافه البعيدة والمهمشة أصلا. ولكنها أكثر وضوحا بعد الاستقلال حين آل كل الأمر السياسى والادارى والتربوى لهذا الأفندى حين أغفل كل ثقافات بلاده المتعددة باعتبارها ثقافات متخلفة ولا ترقى الى ذوقه هو كانسان متعلم. فبينما نستمع الى موسيقى الروك والجاز العالمية وما أنتجته الموسيقى العربية فى الاذاعة المرئية والمسموعة، لا نجد أثرا لأغانى أهلنا فى كل بقاع السودان فى الغرب أو فى الشرق أو فى الجنوب ما عدا فى الفترات الأخيرة. والسبب ليس لعدم وجود امكانيات مادية وفنية ولكن السبب هو النظرة الدونية التى تلف ذهنية الأفندى القائم على أمر وسائل الاعلام التى انحدرت له من نظرة المستعمر عن التخلف لكل ما لا يعتبر معيارا متناسبا مع ما اعتاد عليه أنه ثقافة أو ما لا يوافق مزاجه الشخصى. هذا "الأفندى" ومنذ تعليمه الابتدائى تربى على البعد عن مجتمعه طيلة فترة الاستعمار وحتى بعد ذلك واصل نظام التعليم فى تخريج نفس العقلية المتعالية التى لا ترى فيما ليس أوربى أو عربى اسلامى الهوى غير التخلف والازدراء.
التنوع العرقى والاثنى وعلاقتهما بالثقافة
ذكرنا قبل قليل أن الاثنية تعنى مجموعة من الأفراد ينحدرون من أصل واحد لهم تاريخ مشترك من القيم والرموز وفى بعض الأحيان الدين واللغة ولكن ليس بالضرورة، وهذا الانتماء يكون عبر أجيال ليس فقط بسبب دخول عناصر جديدة للمجموعة ولكن لآن أعضاء المجموعة طوروا مصالح تتطابق مع ثقافة المجموعة يدافعون ويحافظون عليها. أما المجموعة العرقية فهى مجموعة من الأفراد لهم سمات وتقاطيع بيولوجية تدل على عضوية الفرد للمجموعة وتدل على المعنى الاجتماعى لهذه العضوية فى المجتمع عامة.  بالتالى فان العرقية تصبح الأساس للتوقعات بالنسبة للادوار الاجتماعية ولمستوى الانجاز والقيم والمعايير الخاصة بالمجموعة الاثنية ولغيرها فى نفس الوقت. الاثنية والعرقية تصبحان ذات أهمية كبيرة عندما تكتسب المجموعة وضعا اجتماعيا حسب سماتها الاجتماعية والبدنية. فالثقافة المؤسسة على الاثنية والعرقية لا علاقة لها بخصائص متوارثة ولكنها توجد كانعكاس للمعانى الاجتماعية التى تلحقها المجموعة لهذه الخصائص وللطرق التى يتعامل بها الأفراد والجماعات مع هذه المعانى. والأهم على وجه الخصوص المعانى التى تعطيها المجموعات لهذه الخصائص فى سياق المجتمع. انماط السلوك التى يطورها الأفراد كنتيجة لهذه المعانى الاجتماعية يرمز لها بثقافات المجموعات الاثنية أو العرقية. من جانب آخر فان مصطلح الأغلبية أو الأقلية يشير فى رأينا الى العلاقة النسبية للمجموعات فى بناء القوة داخل المجتمع. فالمجموعة القوية فى المجتمع هى التى تؤثر فى الوضع الاقتصادى والمشاركة الاجتماعية والسياسية للمجموعات الأخرى. وهذه القوة التى تؤثر بها لا تعتمد على العددية المجردة كما يظن من أول وهلة وانما تعتمد على تحكمها فى الأوضاع الاقتصادية والسياسية والعسكرية. أمثلة كثيرة نستطيع ذكرها لدعم ما نقوله ولكن أكتفى بذكر مثالين الأول يرجع الى التحول فى السلطة من النوبة والبجة عند احتكاكهم بالعرب القادمين اليهم هربا من قهر المماليك حيث رغم قلتهم العددية مقارنة بسكان النوبة استطاعوا احتكار السلطة أولا بواسطة ارث الأم المتعارف عليه وسط النوبة والبجة، وثانيا من خلال نفوذهم الاقتصادى الذى ارتبط بوضع اجتماعى عززه ادعاؤهم بانتمائهم الى الرسول (ص) وصحابته الكرام.  المثال الثاني أسوقه من واقعنا المعاصر فعلى الرغم من قلة عدد المنتمين الى الحركة الاسلامية الا انهم استطاعوا فرض مشروعهم الهادف الى فرض الهوية العربية الاسلامية وذلك من خلال قوتهم العسكرية والاقتصادية. مثال أخير يمكن ملاحظته فى كل مجتمعات العالم قديما وحديثا وهو أنه وعلى الرغم من أن عدد النساء عامة أكثر عددا من الرجال فى أى مجتمع الا أن الرجال يمثلون الأغلبية الحقيقية فى ذلك المجتمع بسبب تحكمهم فى القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وبهذا تكون النساء رغم كثرتهن العددية الا أنهن يمثلن الأقلية.
فى السودان خاصة فى الفترة الأخيرة تتم الاشارة الى المجموعات المهمشة ليقصد بها الأقليات التى تعيش خارج المركز أي بعيدا عن أواسط السودان على الرغم من أن هذه "الأقليات" قد تكون أكثر عددا من مناطق الوسط قبل الهجرات القسرية من تلك المناطق الى مدن أواسط السودان بعد الحرب المقدسة التى فرضتها الأقلية من المنضمين الى الحركة الاسلامية. المجموعات الأقلية أو المهمشة عادة تركب أو تبنى على أساس خصائص سلوكية واقتصادية وثقافية متصورة وينظر اليها بدونية فى المجتمع وتجد فى الغالب معاملة مختلفة أو سلبية مقارنة بما تعارف عليه المجتمع بأنهم أغلبية. وكما يقول أحد الباحثين اننا نستخدم العرق أو الاثنية لتحديد الموضع الاجتماعى لقوة شخص ما داخل المجتمع حيث أن أي مجتمع متعدد الاثنيات أو الأعراق يضع مقياسا اجتماعيا يكون معتمدا على الخط العام لثقافة المجتمع وأحساسه تجاه الأقلية بأنهم يختلفون عنهم ولذلك يكونون أبعد اجتماعيا منهم.  تلعب الاثنية وكذلك العرق تاريخيا دورا مهما فى موضع الفرد فى المجتمع السودانى لهذا لابد من توضيح كيف يلعبان ذلك الدور فى حياة الأفراد من ناحية وفى انتاج الثقافة من ناحية أخرى. وحتى لا نضيع فى متاهات التاريخ وهو ملئ بالأمثلة التى تحقق ما نصبوا اليه من هذه الدراسة، فانى سأركز على الفترة التى تلت سقوط الدولة المهدية وحتى وقتنا الحاضر الذى شهد تحولات كبيرة وهامة فى "المشروع الحضارى" للانقاذ بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 فى أمريكا اذ أنه من الصعب جدا الحديث عنه الآن على أنه تابع للحركة الاسلامية بعد أن تنكرت الانقاذ لزعيمها حسن الترابى وتنكرت لمعظم مبادئه ولم تبق منه غير قهر القوة والعزة بالاثم.
أحد أسباب سقوط الدولة المهدية الرئيسية فى نظرى والتى لولاها لم يكن من السهل هزيمة الأنصار فى كررى، يرجع الى الصراع الداخلى الذى قاده من يعتقد بأنه ينتمى الى اشراف الجزيرة العربية وأنه بذلك أحق بالحكم من الخليفة عبدالله. هذا التصور يحمل بين طياته رفض للأغلبية الحاكمة والتى اعتمد عليها الامام المهدى فى كل انتصاراته العسكرية على المستعمر المصرى التركى، باعتبار أنها تنتمى الى أطراف السودان وتختلف عن مجموعات وسط السودان من ناحية البناء الجسمانى ولونه ومن ناحية اجادة اللغة العربية وان كان تشابهت معها فى المعتقد الدينى وهو الاسلام. صحيح ان سلاح المستعمر الانجليزى كان أحدث ولكنه وقتئذ لم يختلف كثيرا عن سلاح الحكم التركى المصرى والذى كان يقوده ضباط انجليز مثل هكس باشا أو أوروبيين مثل سلاطين باشا واستطاع الأنصار هزيمتهم فى كل المعارك دون استثناء ليحرروا السودان فى أقل من أربع سنوات نسبة لوحدتهم وايمانهم بقضيتهم. خلال الفترة الاستعمارية الثانية استطاعت قوى وسط وشمال السودان من اعادة سيطرتهم الاقتصادية والسياسية من خلال تعاونهم مع المستعمر. هذا التعاون مكنهم من التعليم ثم من الخدمة فى الادارة المدنية مما أكسبهم الخبرة الادارية التى مكنتهم من السيطرة على الحكم بعد الاستقلال. السيطرة على مقاليد الحكم وتمركز القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية داخل المجموعة التى ينتمون اليها جعلت ثقافتهم المسيطرة فى المجتمع والتى تم تصويرها على أنها المعيار الذى تبنى عليه تلك الثقافات وفرضوا عليها أي على ثقافات المجموعات المهمشة الأخرى الانصياع الى ثقافتهم. هذا هو الهدف الذى سعت اليه كل الحكومات الوطنية منذ الاستقلال وهى تعمل على بناء القومية السودانية من خلال فرض الثقافة العربية الاسلامية بقيمها ومعاييرها وعاداتها على كل المجموعات الأخرى. أي لدمج هذه المجموعات واستيعابها فى "المجتمع" والذى تمثله المجموعة التى تحمل ليس فقط الثقافة العربية الاسلامية وانما من يتماثل معها فى تفاصيل بنائه الجسمانى من الناحية العرقية. لا يلعب اللون هنا دورا كبيرا رغم أهميته ففى السودان كما يقولون "البطن بطرانه" أي أن تجد داخل أسرة من أب وأم لهما أربعة أبناء، ألوان مختلفة فى البشرة تمتد من الأسود الكاحل مرورا بالأسود الفاتح والأسمر ثم الأسمر الفاتح. وكما حدثنا أحد الظرفاء أن البعض وحتى لا يخرجهم من سلالة الأشراف سمى مثل هذه الأسر التى تحمل هذه التشكيلة من الألوان  ب "الأشراف الخدر".
العقدة العربية والهوية السودانية
ان الحديث عن الهوية السودانية هو حديث فى الأساس وفى نهايته المنطقية يكون خطابا لعلاقة الجانب الثقافى بالجانب الاجتماعى فى المجتمع وهو ما حاولنا تحديده فى حديثنا أعلاه عن العلاقة بين الاثنية والعرقية والثقافة. لقد سبقنا فى هذا الجانب الكثيرون على رأسهم عبدالغفار محمد أحمد الذى يصفه ادريس سالم بأنه "من أكثر الكتاب السودانيين المعاصرين انتاجا فكريا متميزا علميا وغير مرتهن الآنية السياسية (....) اذ أنه عندما يعالج القضايا الاجتماعيةالمختلفة يكون هدفه دائما مركزا على الجوانب الاقتصادية والسياسية على وجه الخصوص وكيف أن الاجتماعى الثقافى يتمحور حول الاقتصادى السياسى الذى يعطينا بدوره ديناميكيات الاستغلال بأشكالها المتعددة"  لقد تناول الكثير من الكتاب كما قلت قضايا الهوية السودانية ولكنهم تناولوها من خلال أدلجة مسبقة تنطلق من مناهج ووسائل رغم أهميتها العلمية تحتاج الى ادخال البعد السودانى عليها حتى تتواكب مع بعدها المحلى والذى يختلف فى مكوناته الثقافية والاجتماعية وهو أمر يحمل فى داخله حيادية مطلوبة فى الدراسة. لقد ركز بعض الكتاب على أن الفئة الحاكمة فى السودان منذ الاستقلال عملت على تأكيد الهوية العربية الاسلامية من خلال النظام التعليمى بما فيه البعد الدينى وحتى يقوم التوازن المطلوب لاستقرار المجتمع فى نظرهم لابد بالتالى من اعادة بناء النظام التعليمى ليحمل معه الثقافات الأخرى. وعلى الرغم من أهمية مثل هذا الطرح الذى يحمل الاعتراف بثقافات الآخر الا أنه يحمل بعدا ايديولوجيا سياسيا لا يستند على التفاعلات الاجتماعية داخل المجتمع كما سنوضح لاحقا.
يتميز المجتمع السوداني بتنوع ثقافى يضم هويات عربية اسلامية واسلامية غير عربية، وهوية ثقافية أقريقية مسيحية وأفريقية غير مسيحية وغير مسلمة. تنقسم هذه الهويات المتعددة على 56 جماعة ذات أصول عرقية مختلفة تنقسم بدورها الى 597 مجموعة عرقية على مستوى السودان وتنطف عددا من اللغات يقارب ال 115 لغة ولهجة محلية أهمها اللغة العربية  والدارفورية والنوبية والدينكا والنوير والشلك والبارى والزاندى.    فى الجزء التالى من هذه الدراسة سنتناول تاريخيا مسألة الهوية السودانية ونبدأها بفترتى مجتمع دولتى الفونج والمهدية باعتبارهما تشكلان التقاء مكونات الدولة السودانية الحديثة من تعدد لغوى وثقافى ودينى ولنوضح الدور السلبى الذى تلعبه بعض الدراسات فى قراءة أحداث تاريخ المجتمع السودانى.