عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدخل
السودان بلد متعدد الأعراق والثقافات , هذه حقيقة ثابتة ولا تحتاج إلي جدال أو إثبات. غير أن الأمر في الماضي لم يكن بهذه البساطة والجلاء. إذ أن الولوج فيه كان بمثابة دعوة صريحة لإثارة الفتنة وبعث كوامن العنصرية والتحضيض علي الكراهية وبهذا فهو أصبح سيفا مسلطا علي الرقاب لإسكات كل المعارضين والرافضين للتوجه السائد في البلاد . منذ الإستقلال , وإلي عهد قريب , كان الإتجاه العام في السودان هو تغليب الثقافة العربية علي ثقافات أهل السودان الأخري من ذوي الأصول غير العربية. هذا الإتجاه كان يجد دعما غير محدود من الدولة التي كانت تسخر كل إمكاناتها ومؤسساتها التعليمية والثقافية في تجذير هذا المفهوم . الإدعاء بأن هذه السياسة هي صنعة إستعمارية إنما هو قول مردود وغير دقيق لواقع معاش. فالمعروف عن الإستعمار الإنجليزي تحديدا أنه كان دائما في حرب شرسة  ودءوبة لتقليص تمدد الثقافة الإسلامية- العربية  ليس في السودان وحده وإنما في جميع مستعمراته المترامية التي توجد فيها هذه الشرائح الثقافية والدينية . إضافة لذلك أن الحكومات الوطنية المتعاقبة علي حكم السودان لم تفعل غير تكريس الوضع القائم وتثبيت دعائمه , لدرجة طفح فيه الكيل وكاد أن يهدد الوئام الإجتماعي والإجماع الوطني .
   مكانة اللغة العربية في السودان
وفي البدء  يجب الإقرار بأن الثقافة العربية في السودان , وإن كانت وافدة عبرا لبحر إلاّ أنها لم تكن عرضا طارئا في ا السودان كما يريده أو يراه البعض وإنما هي مكون أصيل وراسخ ليس لثقافة السودان وحده وإنما لعموم شعوب إفريقيا . هذا ما ذهب إليه الباحث الإفريقي الكبير علي المزروعي حيث يقول : " إن الثقافة العربية الإسلامية تشكل واحدة من ثلاثة مرتكزات أساسية للثقافة الإفريقية". يؤكد هذا أن الإسلام والعروبة توأمان ساميان لا يمكن الفصل بينهما . لذلك نجد أن اللغة العربية عبر عمرها المديد لم تتقوقع وسط النخبة العربية الوافدة للسودان وتعزل نفسها عن محيطها اللغوي المحلي كما فعلت بعض اللغات الاوروبية في بعض الأقطارالإفريقية يقصد بهذا إنها لم تكن لغة نخبوية كاللغات الأوروبية الوافدة . د/ عون الشريف قاسم يؤكد هذا المفهوم عند حديثه عن العامية السودانية فيقول : " إن اللغة العربية كانت في حراك دائم وتلاحم متجدد مع لغات أهل السودان , فهي استعارت من لغاتهم واعارتهم حتي تكون ما سمي بالعامية السودانية التي لم تكن إلاّ كشكولا للعربية الفصحي ولغات أهل السودان “ . بهذه الصورة فإن اللغة العربية أخذت من اللغات السودانية المحلية ما تحتاج إليها من كلمات وتراكيب لغوية محلية لتستعين بها في تعايشها مع الواقع الجديد , لهذا فهي إستعارت كلمات الفلاحة والغذاء ( طورية , ويكاب ) مثلا من اللغة المروية القديمة , كما استقرضت من اللغة البجاوية بعض الكلمات ( عنقريب ,  وتاب ,كركاب ) ولكن أهم ما استعارته هي اللاحقة " آب " التي تعني في البجاوية آل أو الإنتساب كقولك علياب , مكابراب , فاضلاب----الخ . هذه وغيرها من المصطلحات هي التي أعطت العامية السودانية ذخيرة لغوية جديدة لا غني عنها في سبيل تكيفها مع المحيط اللغوي الجديد في السودان . ( قاموس العامية في السودان – د/ عون الشريف قاسم ) . ليس هذا فقط بل إن العربية توغلت في مجاهل الجنوب واحتكت مع اللغات النيلية هناك  وأخرجت ما متعارف عليه في الحاضر بعربي جوبا وغيرها من عاميات أهل السودان التي تتميز بلكنات وتراكيب لغوية محلية مميزة . هذه ما يسميه اللغويون بالإستعارة أوالإقتباس اللغوي وهو دليل علي حيوية اللغة وديناميكيتها وتفاعلها الإيجابي مع اللغات الأخري .  لذلك لا ينبغي لأحد أن يقلل من شأن حضور الثقافة العربية في السودان أو التنكر لدورها الإيجابي في دفع عملية التطور الثقافي في السودان حتي أصبحت لغة التخاطب الأولي في السودان linqua franca  .
نحو فهم جديد للتعددية في السودان
غير أن المرفوض هو الفهم القاصر لبعض غلاة هذا التوجه الذين يرون الأحقية المطلقة لأن تبسط هذه الثقافة يدها في الفضاء السوداني وأن ُتكرس لها كل إمكانات الدولة وأجهزتها دون مرعاة للثقافات المحلية التي هي الأخري لم تكن عرضا مؤقتا وإنما هي حصيلة تراكمية من التأريخ والإرث الثقافي للشعوب السودانية , وهذا بدوره لا يمكن تجاهله , علاوة لذلك  إن اللغة العربية التي أوتيت من مميزات تنافسية وتفوقية لا يستهان بها لم تستطع إلغاء هذه الثقافات المحلية التي ترسخت وأضحت محطات ثابتة وركائز متجذرة في الثقافة السودانية بحيث لا يمكن تجاوزها أواغفالها . منطق تغليب دعاة العربية في السودان هو أنها لغة القرآن الكريم ولغة النبي صلي الله عليه وسلم  , ولا جدال في هذا , ولكن التنوع العرقي والثقافي هو أيضا فطرة الله التي فطر الناس عليها ولو أراد الله أن يخلق الناس علي ملة  واحدة  أويجمعهم علي لسان واحد لما أعجزه ذلك ولما استشار أحد في مشيئته " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ( هود :118 ) ", " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " . " ومن آياته خلق السموات والأرض واختلف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لأيت للعلمين : ( الروم :22 ) . وهكذا تتواترالأيات. إضافة لذلك أن الحضارة الإسلامية احتضنت بل فضلت وقدمت الأعاجم  كبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي علي كثير من سادات قريش ووجهائها وفصحائها ولم تطالبهم التبرء من حبشيتهم أو روميتهم أوفارسيتهم ثقافة بهذا العمق الأخلاقي استطاعت أن تستوعب  هؤلاء ومن بعدهم شتات العالم من الملل والنحل حتي أثروا الثقافة الإسلامية وأعطوها بعدها العالمي لهي أجدر أن تستوعب أقوام السودان وإن إختلفت أعراقهم ولغاتهم ولكن بالحسني والقدوة الطيبة.
وفي السودان بدأ , رويدا رويدا- مفهوم التعددية  يأخذ موقعه في الوسط الثقافي السوداني . لم يأت هذا  التحول بين يوم وليلة وإنما جاء عبر نضال طويل للتنظيمات الإقليمية وعبر أبناء الأقاليم الذين لا يزالون يناضلون لإيجاد موطء قدم لهم في أروقة الحياة السياسية والثقافية السودانية , والحق يقال أن  لمشكلة الجنوب إسهام  خاص في تبلورهذا التحول . رغم ذلك فإن ماتحقق هو دون المطلوب إلاّ أنه جعل الناس يتقبلون مفهوم التعددية ,وإن كان علي مضض , ولا يتحاشون الخوض فيه وأصبحوا لا يرون حرجا في  تعدد الهويات واختلاف الثقافات والأعراق في السودان. ولم لا وهذه سنة الحياة وأن العالم من حولنا يعج برطانات واختلافات ربما أكثر حدة وأكثر تدميرا في بعض بقاعه  ولكن الشرط الأساسي الذي يجب مراعاته هو أن لا تطغي هوية علي هوية أخري.
أُحادية الثفافة ودور أجهزة الدولة في تكريسها
الدكتور محمد إبراهيم الشوش وغيره  من المدافعين المستميتين للعروبة في السودان , وحُقّ لهم ذلك, بداعليهم بعض التفهم لإشكالية الثقافة في السودان . فمثلا يقول د/ الشوش في حديثه عن الواقع السوداني "إن تعدد الهويات والإختلافات العرقية والثقافية أو القبلية في البلد الواحد ليست مشكلة , وإنما تصبح ذلك حين تسعي إحدي هذه الهويات للهيمنة وفرض إرادتها ومحو الهويات الأخري "(الرأي العام 5/10/2005 ) . لعل الدكتور الشوش يتفق معنا في أن الواقع في السودان كان ولا يزال غير ذلك , إذ أن الثقافة العربية في السودان هي الغالبة , رغم التباين العرقي واللغوي البّين بين أهل السودان . بل أن الدولة حملت الناس حملا في هذا الإتجاه بتجنيد كل طاقاتها لترسيخ هذه الغاية حتي جعلت منها منهاجا ومسلكا في مؤسساتها التعليمية والثقافية . وفي نفس الوقت لم تقم حتي باليسير المطلوب من الإهتمام بالثقافات المحلية الأخري. نسوق هنا مثالا بيسطا واحدا يوضح هيمنة الثقافة العربية في السودان وهو أنه إذا أجري مسح ميداني في المحطة الوسطي في الخرطوم أو في أي مدينة أخري من مدن السودان وسئل الناس عن أهم الفنانين السودانيين , سيكون الجواب سريعا وحاسما -- وردي , عبدالكريم الكابلي , أبوعركي البخيت , محمد الأمين ----إلي آخرالقائمة المعروفة لدي كافة العامة , هذا بصرف النظر عن المستفتيين. لا أحد سوف يذكر محمد البدري , سيدي دوشكا , علي أوليل , عبد الرحيم شامي , يحي أدروب وغيرهم من قمم الغناء البجاوي , وبالمثل سوف يختفي من القائمة بقية فناني الأقاليم . يوضح هذا حضورا كاسحا لثقافة شمال ووسط السودان عند الجميع من طفل الروضة إلي أستاذ الجامعة.
من الإجحاف هنا أن نلوم المواطن البسيط  وحتي المثقف الذي لايقل جهلا في هذا الموضوع في عدم معرفته لهؤلاء الفنانين وغيرهم من فناني الأقاليم )وما ينطبق علي الفن ينطبق أيضا علي نواحي الحياة الأخري ) , ولكن الوزر كل الوزر يقع أولا وأخيرا علي الدولة وأجهزتها التي تضخ يوميا في شرايين المواطنين جرعات مكثفة من ثقافة أحادية لدرجة أصبحوا لا يعرفون أولا يتصورون وجود غيرها . تكرار المعلومة يوما بعد يوم وترديدها علي نمط واحد , بصرف النظر عن صدقيتها وعقلانيتها يجعلها شيئا مقبولا ومستحسنا لدي الناس . هذا اسلوب إعلامي معروف ومتبع يجعل من الخطأ صوابا ومن اللامعقول معقولا, ومن الإشاعة حقيقة , ولكنه اسلوب خاطئ غيرُ مبرءٍ من الذنب والقصد.
ولنا عودة في الجزء الثاني.