[عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

تاريخ أغفلته أقلام المؤرخين

قصة المحارب نموذجا


توطئة

أجمع معظم المؤرخين والمهتمين بالتاريخ .. بأننا أمة ذات تاريخ شفاهى (شفوي) ... وان تاريخنا المكتوب لايساوي ربع مايتناقله العامة والرواة ... بل ان معظم الذين أرخو لحياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية ... كانوا أجانب ومستشرقين ... هو أشبه بجبل الجليد الذي يبرز جزءه الأعلى ويغوص معظمه فى الأعماق بعيدا عن الأنظار ... ولك ان تندهش اذا علمت ان الجزء المجهول من تاريخنا يتداوله أهل القرى والبوادي .. في جلسات الأنس وأحاديثهم العابرة .. نقلا عن أجدادهم .. بشكل عفوي ودون انبهار .. على سبيل الونسة العادية ... للأسف الشديد هنالك الكثير من الأحداث والتفاصيل الهامة ظلت غائبة أو غير مؤكدة بسبب التاريخ الشفوي وما يلازمه من تحريف ونقل غير دقيق للحقائق والأحداث ... كان بامكانها ان تزيل الكثير من اللبس والغشاوة اللتان لازمتا تاريخنا عبر الحقب السحيقة واللاحقة .... كان من شأنها تغيير مجرى التاريخ بأكمله .

المحارب

هنالك روايتان تتحدثان عن أصل المحارب ... الأولى تقول بانتماءه الى قبائل الشرق ( البجة ) وهى الأرجح ... بينما تنسبه الرواية الثانية الى قبائل ( الماساى) الكينية .. على ضوء المعلومة التي ذكرها ( ونجت باشا ) مدير مخابرات الجيش المصري وهى ان الرماح التي يستخدمها في القتال من النوع الذي يستخدمه محاربو الماساى ... والسؤال الذي يطرح نفسه هو : ما الذي أتى به من كينيا وكيف انضم الى جيوش المهدية ؟ علما ان قبائل الماساى لم يعرف عنها ميلها للهجرة أو مغادرة أراضيها أيا كانت الأسباب .

شهادة الأعداء

يذكر ( ونجت باشا ) في مذكراته اعجابه بمقاتل في صفوف جيش المهدي وصفه بالضرغام .. طويل القامة أشعث له خفة نمر ونظرات نسر .. مقدام لايهاب الموت ... لاتخطئ رماحه صدور الخصم ... كنت أتمنى لو أنه كان الى جانبنا ( الحديث ل ونجت )

أما القس ( هارولد ) والذي قضى سنوات سجينا في فترة المهدية فقد ذكر ان الحراس في ونساتهم الليلية كانوا يتحدثون عن الجندي الجديد وطريقته في القتال .. مبدين اعجابهم بشجاعته ودقة تصويبه ... لذلك كانوا يلقبونه ب ( الدود ) أى الأسد .. فقط كانوا يستغربون من عدم اختلاطه بالناس أوالتحدث اليهم .. وهو ماجعله غير معروف للجميع ... بسبب حبه للعزلة والانطواء .

الرمح الخاسر

يقال والعهدة على الراوي ... ان ذلك المحارب عندما يخسر الجيش معركة وهو أمر نادر الحدوث في الحروب التي خاضتها جيوش المهدية ... كان ذلك المحارب تعبيرا عن استياءه وحسرته يقوم بضرب رمحه برجله المرفوعة الى أعلى ويشطره الى نصفين ثم يلقي به بعيدا بازدراء وتأفف ... كأنه يقول في سره ان الرمح الذي يخسر معركة غير جدير بالاحتفاظ به .

المعركة الأخيرة

يقول الراوي ان معركة تحرير الخرطوم 1884 م بعد حصارها ومقتل ( غردون باشا ) الذي اطلق عليه الانجليز عقب مقتله لقب (الشهيد المحارب القديس ) كانت تلك آخر معركة يخوضها المحارب قبل اختفائه المفاجئ بعد وفاة المهدي .. هنالك رواية تقول ان المحارب الغريب الأطوار ... تسلل كالقط الى جهة غير معلومة بعد سماعه خبر وفاة المهدي .... بينما تصر رواية أخرى على أنه توفي غرقا في النيل عند محاولته العبور من الضفة الغربية الى الشرقية ... أيا كان سبب اختفاءه أو طريقة وفاته .. يظل المحارب لغزا محيرا أغفلته كتب التاريخ أو تجاهلته أو ربما لم تسمع به ... بسبب الأجواء الغرائبية التي أحاطت بشخصيته والجدل الذي اثارته هويته ... هو أحد الذين أسقطهم التاريخ من صفحاته عمدا أو سهوا ... ولكن التاريخ لايكتبه المعاصرون فقط .. ولا المغامرون الذين يفتقرون للحياد .. أو المؤرخون الكسالى .. الشعوب أيضا تكتب التاريخ وتصنعه .