د. النور حمد: "ليس نقدا بقدر ما هو تحليل الظواهر الاجتماعية"
كمال طيفور: "مهارب المبدعين" و"تشريح العقل الرعوى" ممتعان
محمد بشير حامد: "لغة الهرب تصبح اكثر تعقيدا فى عالم السياسة"
تاج السر الملك: "العلاقة بين الهروب واللا انتماء"
صلاح شعيب: "ليس فقط الهروب، ولكن، أيضا، ازمة المثقف في مجتمعه"
أسماء محمود محمد طه: "هروب المبدعين. اين هروب المبدعات؟"
---------------------------------
واشنطن: محمد علي صالح
في اللقاء الشهرى، ناقش نادى الكتاب السوداني بواشنطن كتاب د. النور حمد: "مهارب المبدعين: قراءة في السير والنصوص السودانية." (دار مدارك للنشر، الخرطوم).
يناقش الكتاب علاقة النخب السودانية بالمجتمع الذي يعيشون فيه. ويميل الكتاب نحو فشل هؤلاء في تغايير المجتمع، بدليل "المهارب." ويناقش الكتاب، بالإضافة الى الهروب الفكرى، الهروب الجغرافي، من المدينة الى القرية.
من بين الأسماء التي يشير اليها الكتاب: ادريس جماع، التيجاني يوسف بشير، محمد سعيد العباسى، محمد احمد محجوب، محمد المهدى المجذوب، محمد عبد الواثق، الناصر قريب الله.
هذا ملخص اراء المشتركين في النقاش:
--------------------------------
"تحليل الظواهر الاجتماعية"
النور حمد، اكاديمي وكاتب وفنان تشكيلى:
"قلت في هذا الكتاب إنه ليس كتابا في النقد الأدبي بقدر ما هو كتاب في تحليل الظواهر الاجتماعية. كما أنه ليس كتابًا استقصائيًا لظاهرة هرب المبدعين، وإنما استخدم الكتاب بضع نماذج من مبدعي السودان. واستند الكتاب على سيرهم ونصوصهم ليؤشر إلى مسلك وسم مسلك بعض المبدعين.
في مجال الشعر تحديدا، ارى أن هناك تشابها في مسلكهم يمكن أن يمثل ظاهرة سودانية تقتضي البحث.
من الثيمات الرئيسة في هذا المبحث ملاحظة أن بادية السودان أكثر تحررا من مدنه، وهو أمر معارض للطبيعة المعروفة عن الريف والحضر.
واعتقد أن المدن نشأت على النسق التركي، وعلى فكرة الحريم التركية التي سندها الفقه التركي المدرسي. وهذا هو ما جعل المدن خانقة، وطاردة للمبدعين الذين لا يحيون الا في مناخات الحرية.
أرى أن التصوف السناري، وطبيعة الحياة السنارية المنفتحة المتصالحة مع التنوع، متجذرة في التاريخ الكوشي القديم، وفي الحقبة المسيحية، وفي كل ما يسم الحزام السوداني الممتد من البحر الأحمر وإلى المحيط الأطلسي.
السمات المشرقية التي عزلت السودان عن الحزام السوداني سمات وافدة، وقد أثرت سلبا على هوية القطر ومعرفة أهله بشخصيتهم الحضارية. بعبارة أخرى، هناك انقلاب في المزاج السوداني تسبب فيه الغزو التركي.
يخالف الكتاب الزعم القائل أن جماعة الغابة والصحراء هربت إلى المكون الزنجي في الحياة السودانية طلبا لحرية الابداع. ويرى الكتاب أن الثقافة السودانية الكوشية للشمال والوسط السوداني منقسمة بين الخنق والافساح. وهذا ما جعل بادية كردفان مهربا لشعراء مدن الوسط.
أحدثت حالة الخنق تشوها ألجأ المبدعين إلى الهرب نحو أنثى متخيلة في مدن المتوسط، وفي الفضاء الأوروبي. وكان هذا نتيجة لتأخر تعليم المرأة، وللطبيعة الجديدة المتزمتة التي اكتسبتها المدن حيث نشأ المتعلمون."
--------------------------------------
"مهارب المبدعين" و "تشريح العقل الرعوى":
كمال طيفور، مقيم بمنطقة واشنطن من العام 1999. مهتم ومشارك في الاعمال الاجتماعية للمجموعة السودانية الامريكية في المنطقة:
"اجد في كتابات د. النور حمد، على الأقل هذا الكتاب، "مهارب المبدعين"، ومقالات "تشريح العقل الرعوى"، متعة كبيرة. تصور هذه الكتابات ماضيا قريبا، وحاضرا معاشا اليوم.
تكاد، في الكتاب، ترى الاشخاص، وتقرأ أعمالهم، وكأنك تسمعهم، مثل: محمود محمد طه، ومحمد احمد محجوب، ومحمد المهدى مجذوب، وغيرهم.
الخص ملاحظاتي في نقطتين:
النقطة الأولى:
صراع المفكر السوداني، كما هو الحال مع د. النور، بين الكتابة وعدمها. مثلا: الأسئلة التي جاءت في مقدمة الكتاب، ومنها سؤال: هل العمل يرقى الناشر؟
واسأل انا: هل يجيب على هذا السؤال المفكر فقط، او الأصدقاء والمقربون (وعامة القراء) اذا عندهم الدراية والتأهيل للإجابة؟
أقول هذا لأننا فقدنا اعمالا كثيرة وتراثا هاما لم يدونه أصحابه في الماضى. وذلك بسبب ميل السودانيين نحو عدم "البوح"، والخوف من كثرة الحديث عن النفس، والميل نحو التواضع.
لهذا، احمد الله ان خرج هذا العمل الى الوجود. والاحظ إشارة د. النور، في مقدمة الكتاب، الى أصدقاء ومقربين كانت لهم أدوار تشجيعية في اصدار هذا الكتاب الهام.
النقطة الثانية:
بدليل المفكرين الذين أشار اليهم د. النور في كتابه، والمفكرين الذين لم يشر اليهم، من مبدعين، هاربين وغير هاربين، تظهر أسئلة جديدة: لماذا استعصى على السودانيين الوصول الى حلول عصرية ومقنعة لمواضيع هامة مثل: الهوية، والحداثة، والحضارة، والثقافة (مسرح، وسينما، وفنون، واداب)؟
طبعا، كما جاء في النقطة الأولى، تعتمد الإجابات على الذين يكتبون، او لا يكتبون. وعلى وجود دوافع الكتابة، او غيابها. وعلى الهروب، او عدم الهروب.
لهذا، أقول بان كتاب د. النور يلقى الاهتمام لانه، اذا لم يجد الأجوبة على الأسئلة، على الأقل، يثير الأسئلة.
ولهذا، نفذت طبعته من الأسواق منذ سنين. بل سمعت من أصدقاء انهم فشلوا في الحصول عليه. واشير الى ان الزميل صلاح شعيب (مشترك في هذا النقاش) كان ساهم في عرض الكتاب في معرض الكتب السودانية قبل سنوات. واسأل د. النور: متى سيعاد طبعه؟"
------------------------------------------
"لغة الهرب تصبح اكثر تعقيدا فى عالم السياسة":
محمد بشير حامد، رئيس سابق لشعبة العلوم السياسية في جامعة الخرطوم، ووزير الاعلام في حكومة الانتفاضة سنة 1985:
"يتمحور كتاب (مهارب المبدعين) على تساؤل ثلاثى الأضلاع: من ماذا ولماذا وإلى أين؟ فيصور انعكاسات سيطرة الفقه العثمانى فى كآبة الحياة فى حواضر الوسط، ثم حالة الشد بين التزمت الفقى والتعليم الحديث تحت حكم الانكليز مما ولد نزعة هروب المبدعين لجماليات البادية ولمناخات اجنبية والانثى "الضائعة".
هناك عدة تساؤلات جدلية عن تعبير (مهارب المبدعين): هل المضمون العام للتعبير (النزوح للبادبة) حالة متلازمة للإبداع؟ هل يعنى فى مفهومه الخاص (التوق للأنثى) حالة ذهنبة أو سعى لمنشود أم لهروب؟ كما ان هنك محدودية لظاهرة الهرب فى التفسير النفسى بمعنى الهرب إلى ماذا؟
لغة الهرب تصبح اكثر تعقيدا فى عالم السياسة: فلو لومنا الاجيال الأولى بالهرولة للطائفية ونظرنا بتشاؤم لماضينا وحاضرنا، ماذا تبقى من أمل لمستقبلنا؟ لا توجد إجابة قطعية فى تفسير فشلنا: هل كان فى الهرولة للطائفية؟ أم هل كان الاستقلال سابقا لأوانه؟ أم هل كانت مشكلة مؤسسات؟
الأنماط السلوكية عند الطلائع الأولى تعكس صورة حقيقية لأجيال لاحقة ولكن مظاهرها أقرب للتجربة منها للهرب، فالتوق للاجنبية يمكن النظر إليه كتجربة تفقد جاذبيتها بعد تذوقها لا كنوع من الهرب.
اللغة فى تجسيد جدلية المدينة والريف فيها تبرير لظاهرة الهرب. والحديث عن البادية بلغة سلسة فيه امتاع. وتنعكس أيضا في الجدلية انشطارية حالة المرأة وازدواجية شخصية الرجل فى حواضر الوسط.
نقطة هامة أخرى فى الجدلية: الاختلاف بين إسلام أفريقي متسامح وإسلام متشدد من الجزيرة العربية.
توضيح لمفهوم الغابة والصحراء: فهو لم يكن (هربا) بل (عودة) ولم يكن اقصائيا بل جامعا يهدف لدمج الزنوجة فى العروبة كهوية سودانية كما فى شعر عبد الحى والنور وود المكى. جذور الجماعة تمتد لمدرسة الفجر ويعتبر المجذوب "لأب الروحى" للجماعة.
شعور طلائع المتعلمين بالهامشية والارتهان لفكرة الانتماء العربى نجد له تماثلا على المستوى السياسى. الانجاز عربيا (مؤتمر اللاءات الثلاثة) بالمقارنة لضعف التحرك أفريقيا. تجاهل مفهوم القنطرة.
الكتاب عبارة عن رحلة مشوقة تاريخيا وجغرافيا وأدبيا ونجح المؤلف فى أن يجعل منظوره لجدلية المدينة والبادية المحور الأساس لدراسته."
-----------------------------------
"العلاقة بين الهروب واللا إنتماء"
تاج السر الملك: كاتب وتشكيلى يعيش في ولاية فرجينيا. صدرت له كتب: "الاحمسة" و "الدغمسة" و "نخلة لا تنبت والابنوس" و "الهلوسة." يدير شركة "تاج ملتميديا" لتصميمات الغرافيكس والفتغرافيا:
"كتاب الدكتور النور حمد (مهارب المبدعين)، وبعيداً عن تأثيرات المدي المتسع لمعرفتنا الشخصية، كتاب له سطوة فلسفية معرفية أدبية عميقة الغور. بالرغم من أن الموضوعة الاطروحة قد طالتها اياد طارقة من قبل، وسبقته إليها اقلام أثبتها المؤلف في مواضعها. لكن، اضاء النور، برؤيته الثاقبة وفلسفته الطليعية، كثيرا من غوامض هذه الظاهرة. ورصدها من زوايا بالغة الحرج، بلغة رفيعة دقيقة وواضحة دون اسراف، وغنىً في التعابير يسع المعاني والمدلولات باحكام.
ولعل اول مقارنة انعقدت في ذهني، وانا اتوسط المتن من الكتاب، جاءت من جهة كتاب "اللامنتمي" الأشهر للفيلسوف البريطاني كولن ويلسون، والذي أعتمد فيه تحليلات نقدية لنصوص أدبية وتشكيلية لدراسة نفسية إنسان القرن العشرين.
أعتمد ويلسون في ذلك علي كتاب وفنانين بعينهم، بدءاً بالكاتب الفرنسي-جزائري البير كامو، معتنق الوجودية وفلسفة العبث. مروراً بموته الاورفيوسي الكارثي العبثي. وسيرة لورنس العرب، وكتابه "أعمدة الحكمة والسبعة." وأعمال كافكا، تي اس اليوت، فان جوخ، فريدريك نيتشة، وليم بليك، جان بول سارتر، وآخرين.
وتناول ويلسون في كتابه عزلة المبدعين عن مجتمعاتهم، وحيرتهم الدائمة. وعزا ذلك إلى الرغبة العميقة في إيجاد دين موضوعي واضح، يمكن أن ينتقل إلى الآخرين، دون أن يقضوا حياتهم في البحث عنه، وقد اسهم الكتاب في نشر الفكر الوجودي بصورة واسعة وسط الشباب الأوروبي.
بالنسبة لكتاب د. النور حمد، لعل من الجدير أن اذكر انه اقام، عن قصد أو دونه، خلفية من الايقاع الصوفي صحبت الموضوعة، كلحن هادئ تكاد تسمعه ولا تكاد. وظهر إسم الاستاذ محمود محمد طه. ولعل في ذلك إشارة صادرة من الوعي الباطن، تخص مسألة إيجاد الدين الموضوعي الواضح. ولعلنا مخطئون في هذا المنحي.
حاولت رسم خيط بين شخوص ويلسون ومبدعي النور. ووجدت تشابهاً يتجاوز حدود الجغرافية، وحتى مكونات الشخوص الاجتماعية والدينية والعرقية وغيرها.
الفكرة الاساسية ثابتة، اذ تطرق ويلسون لأمثلة اللامنتمين في الادب الحديث. واختار مثالاً: بطل قصة باربوس "الجحيم"، الذي لجأ إلى غرفته في الفندق، ليغلق بابها ويعيش ليرقب الإخرين من ثقب الحائط. وكما يقول ويلسون، ينظر بطل القصة أكثر وأعمق مما يجب، ولا يرى إلا الفوضى.
في كتاب النور، تقترب حالة الشاعر جماع من حالة بطل "باربوس." فالجحيم هو ما عبر عنه جماع، واصفاً عيشه في كثير من قصائده.
في اعتقادي، ثمة رابط بين كلمة "المهارب" ومفهوم "اللاإنتماء."
إذا تأملنا، مثلاً، الحالة الشعورية التي عاشها معاوية نور، نجد أنها لا تختلف عن الحالة الشعورية للفنان "فان جوخ." ولا فرق بين هرب العباسي إلى البادية في كردفان، وهرب لورنس إلى بادية الحجاز.
الأول بغرض الإنفعال بعذرية البداوة، والثاني بغرض الهرب من الحياة المدنية الصاخبة التي تعيشها مدينة كلندن.
وقد نبه مؤلف "المهارب" إلي نقطة بالغة الاهمية في تحليل ظاهرة الهرب عند مبدعي السودان، حين وصفها بانها حالة ابتعاد عن سلطة الثقافة العربسلامية، والتوجه إلى الداخل، حيث تسكن الحرية، وتنتفي القيود.
عندى بعض المآخذ على الكتاب:
الأول: إقتصاره على دراسة حال مبدعي النصوص، دون الإلتفات إلى المبدعين الإخرين. وقد يكون سبب ذلك عدم توفر المادة الكافية لدراسة التشكيليين وغيرهم من المبدعين.
الثاني: لم يعن بالبحث، في داخل النصوص الادبية السودانية، عن هاربين "فكشنال" (خياليين). مثلا: بطل رواية "الغريب" التي كتبها البير كامو. ومثلا: مصطفي سعيد، الهارب الأعظم (في رواية "موسم الهجرة الى الشمال" التي كتبها الطيب صالح)، واللامنتمي السوداني في اعلى تجليات الهرب، واوضحها مثالاً.
الثالث: ظهور إسم المفكر السوداني الاستاذ محمود محمد طه بدى غريباً وسط موضوع المبحث. بدى مثل ترقيع صادر عن وعي باطني للمؤلف. او انعكاس لالتزام ادبي تجاه الفكر الجمهوري الذي ينتمي إليه المؤلف. لكنه لم يضف للكتاب شيئا يذكر."
-------------------------------
"ليس فقط الهروب، ولكن، أيضا، ازمة المثقف في مجتمعه"
صلاح شعيب، صحفى وكاتب:
"بالمقارنة مع المطبوعات التي صدر مؤخرا، يقف كتاب "مهارب المبدعين" للدكتور النور حمد في طليعة الكتب التي حوت مادة تحليلية غزيرة لكبار الشعراء - المثقفين في مرحلة باكرة من تاريخنا الثقافي.
يدخل الكتاب في حيز المنشورات الثقافية التي تعالج أزمة هروب المثقفين من زاوية جديدة حرية بالسجال على المستوى المنهجي، والمضموني، مثلما لاحظنا في الندوات التي أقيمت للكتاب، والقراءات التي تعرض لها عبر مختلف وسائل الإعلام.
ولا مناص من القول إن الفصول التي حواها الكتاب لا تعالج فقط أزمة هروب هؤلاء المثقفين من هجير المدن إلى رحابة الريف، كما قصد الكاتب، وإنما تعالج أيضا أزمة المثقف وسط مجتمعه، وكيف أنه أصبح غريبا في بيئة لا يستلطفها كونها تنكد عليه الترفيه، أو حرية الانطلاق الذاتي، أو تكبل اختبار أحاسيس عاطفته الإنسانية.
الكتاب، أيضا، يتملكه حس نقدي للمنتوج الإبداعي لهؤلاء الرموز، وذلك من زاوية تحليلية بالشكل الذي يجعله، أيضا، محاولة لنقد السيرة الذاتية للمثقف، واستكتابها، أيضا، بمنظور سجالي معها.
سؤال الهروب، أو الاغتراب الذاتي للمفكر، أو الأديب، أو المثقف، أكبر من أن نحصره في دائرة الهروب من المدينة إلى الريف بحثا عن ملذات النفس الطليقة. وإنما يتعين التطرق إلى مهارب الأدباء، والمثقفين، والفنانين، داخل ذواتهم نتاجا لأسباب عديدة تتعلق بأسئلة الوجود الكبرى، ودور المثقف في المجتمع، وعلاقته بالسلطات المجتمعية.
مؤكد أن هذا لم يكن هم كتاب النور. لكن الأمل كبير في أن يسعى النور، بما عرف عنه من قدرات فكرية عالية، ومهارات في المقاربات الثقافية، وهمة نشطة في إثراء الفكر، والأدب، والصحافة، والبحث، والفنون، ليعالج لنا أزمة بعض المثقفين السودانيين من ناحية اغترابهم الوجداني، ولوذهم إلى الاستجابة للذات، وانغماسهم في الاعتماد على فهم البيئة وفق نظريات خارجية دون الاعتراف بإمكانية قراءة الظاهرات السودانية من داخل نسيجها المجتمعي التاريخي الذي تخلقت فيه، وحكمت الصيرورة المتعسرة للوطن بالكيفيات التي مثلت في تاريخه."
-----------------------------------
"هروب المبدعين، اين هروب المبدعات؟":
أسماء محمود محمد طه، قانونية وناشطة سياسية وفي مجال حقوق الانسان:

بالكلمات الاتية ختم المؤلف توطئة بحثه، وذهب ليقرر أن هؤلاء الهاربين انما هم ضحايا لوضع معقد عجزوا عن مواجهته:
"أحب أن أشير في ختام هذه التوطئة إلى أن هذا الكتاب لا يمثل مساءلة أو محاكمة لزمرة الهاربين من جيل الرواد والجيل الذي تلاه، بقدر ما يمثل محاكمة لنا نحن السودانيين أجمعين، وبلا استثناء. أعني محاكمة للجوانب السالبة والخانقة في ثقافتنا، وللضعف الذي وسم حياتنا الفكرية والسياسية وقعد بنا عن الاحياء الفكري والثقافي والسياسي. فصاحب الفكر الثاقب منبوذ ومحارب في ثقافتنا. فتجربتنا الفكرية والسياسية تجربة تميزت بالتعثر والفشل في جميع أطوارها."
أجدني أتفق مع توصيف المؤلف لما ذهب اليه من نقد لحال المجتمع السوداني.
وأعتقد إن هذا الحال إنما ينطبق على كل المجتمعات، ينقص أو يزداد ضراوة. لكنه موجود فيها، ساكن أم واضحة ملامحه.
ومرد ذلك، في تقديري، إلى التناقض والتنازع بين الفرد والجماعة.
الفرد منا يتوق إلى الحرية بلا قيود. وهذا التوق يتعارض مع رغبة المجتمع في الحفاظ على أمنه واستقراره بالحفاظ على عاداته، مهما كانت مجحفة وقابضة لحرية الفرد، بالصورة التي تضغط على الافراد للاستسلام للسائد من العادات، مهما كانت معارضتها لمفهوم الحرية ومقتضياتها.
الصراع ملازم في كل المجتمعات، منذ نشوء المجتمع في صوره البدائية والى يومنا هذا. ويختلف في درجته من مجتمع لآخر. مثل ما ذكر المؤلف لاحقا يإن مظهر الكبت لحرية الأفراد في المجتمعات الملتزمة بتطبيق الاسلام السني، في مستواه وصورته السياسية، أشد تزمتا وقبضا للحرية.
ويبقى السؤال: هل معالجة هذا الوضع المعقد هروب المبدعين؟ أم البقاء وسط المعضلة لمحاورتها، ومحاولة إيجاد الحلول لها؟
في اعتقادي ان هذا الهروب ممن ينتظر منهم أن يكونوا حداة التغيير يمكن أن يضاف، أيضا، لفشل الحالة السودانية.
يوجد المؤلف علاقة وطيدة بين هروب المبدعين والبحث عن المرأة. ولا شك عندي أن هذه العلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة، أيضا، موجودة منذ الأزل.
وهي علاقة غريبة. وصفها الأستاذ محمود في كتاب "تطوير شريعة الحوال الشخصية" بالآتي:
"إن وضع المرأة في الأسر وضع غريب حقا. إنها ليست رقيقا، بالمعنى المفهوم عن الرق، ولكنها ليست حرة.. فالرقيق يكاد يعامل من وجهة نظر واحدة، هو الشعور بأنه مال مملوك، ضمن المال. ولكن المرأة تعامل من وجهة نظرت نبعث من خليط من المشاعر.. فهي مملوكة، وان اختلف نوع ملكيتها عن ملكية الرقيق.. وهي محبوبة، وحبها يبعث على استحواذ الرجل عليها.. وهي ماعون الولد، والحرص على انتقاء النسب يسوق الى تشديد الرقابة عليها.. وهي ضعيفة، في مجتمع الفضيلة فيه للقوة.. وهي متهمة، ومظنة خطيئة، فلا ترى لها عفة مرعية الا عفة يسهر عليها الرجل ..."
من هذه المشاعر المختلطة جاء الحجاب، والقيد على المرأة.
ومن هنا أفهم بعضا من هروب المبدعين.
لكني أتساءل: إلى أي إمرأة هرب هؤلاء المبدعون؟ في تقديري، الهروب للمرأة الجسد فقط هم ضئيل لا يليق بمبدع!
بالرغم من رد أكثر حالات هروب المبدعين للبحث عن المرأة – الأنثى - في هذا المجتمع القابض، الا أن الكتاب أهمل تماما أدوارا أخرى تقوم بها المرأة، غير المرأة الأنثى المرغوبة كحس، كجسد.
فلم نر ذكر مبدعات هربن مع المبدعين لضغط المجتمع عليهن. آخذين في الاعتبار الظروف الصعبة التي عاشتها المرأة مقارنة بمساحة الحرية التي يجدها الرجل السوداني. ومع ذلك، فاني أعتقد أن هناك فنانات وشاعرات ومساهمات في الحياة العامة على قلتهن. وأعتقد ان الاشارة اليهن تجعل الكتاب أكثر شمولا وتنوعا وتخرجه من النظرة الذكورية في تحليل ظاهرة تمس النساء والرجال على قدم المساواة.
لهذا، أقترح أن تضاف صفحات في الطبعات القادمة تتناول أمثلة لبعض المبدعات. ودراسة كيف كان هروبهن من ذاك المجتمع القايض لحقوقهن. وللاجابة على التساؤل: هل هربت المبدعات كما هرب المبدعون؟؟ وإلى أين؟ ومن ماذا؟
الاجابة على هذه الأسئلة، ان توفرت، في اعتقادي تثرى الكتاب، وتجعله أكثر شمولا وامتاعا وطرقا لباب غير مطروق.
ختاما، وكما يقولون خارج النص، أرجو أن تشرك بعض النساء المهتمات في نادي الكتاب هذا لقيمته في التشجيع على الاطلاع وعلى النقد مما يقوى العقل وينشط الحركة الفكرية.
قليل من النساء يعطي النادي طعما ومذاقا وتنوعا. ويدفع حركة المجتمع الى احراز شيء من المساواة والجندرية."
================
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
MohammadAliSalih.com
Facebook: Mohammad Ali Salih
Twitter: MellowMuslim