نجل شيخ أبو زيد المدان بقتل الدبلوماسي الأمريكي.. في أول حوار بـ (بدلة) الاعدام الحمراء (2-2):

*تعرضت للاذى من داعش وليس من الحكومة أو أمريكا*

كفروني وأغروا زوجتي بالطلاق ومنعوا أولادي من زيارتي في السجن

*أطفالي مهددون الآن بأن يؤخذوا إلى داعش في أية لحظة*

أسرتنا ليست مفرخة للعنف بل هي ضحية له

*هناك من تم استغلالهم بنية طيبة لقتل اخوانهم بعد تكفيرهم واستباحة دمهم*

أشخاص معروفون لهم مدارس يجندون الناس ويتزعمون هذا الفكر في السودان

*داعش تركز على استقطاب فئات معينة وعلى أبناء الأسر المعروفة*

الاتجاه للجهاد في سبيل الله محمود لكن هناك انحرافاً وفتناً وهرجلة

*نصيحتي للشباب هذا زمن فتن فابتعدوا عنها.. ولابد من الاعتدال*

- أكبر الفتن في هذه الدنيا هي أن تقتل انسانا دون وجه حق

*ثلاثة من أخواني تم تسفيرهم للجماعات في الخارج واعتقال ابن أختي في تركيا*

كثير من الذين ذهبوا للقتال في ليبيا وسوريا والصومال عادوا بعد أن رأوا الواقع بأم أعينهم

*حاوره في سجن كوبر: فتح الرحمن شبارقة*

كان الوصول إلى عبد الرؤوف، نجل شيخ أبو زيد محمد حمزة، الزعيم الراحل لجماعة أنصار السنة بالسودان في سجن كوبر ذائع الصيت، مهمة صحفية شاقة وعسيرة للغاية. فقد استغرق الترتيب للحوار فترة زمنية هي الأطول من نوعها ربما، وتطلب ذلك سلسلة من الاتصالات مع قيادات بالشرطة وإدارة السجون كانت كثيراً ما تنتهي إلى لا شىء. لكن كل ذلك، كان أسهل كثيراً من اقناع رجل محكوم بالاعدام للحديث في شأن يتعلق بالحياة. ولكن لخطر الجماعات الإرهابية المتطرفة التي باتت تتربص بالشباب وتلقي بهم في أتون محرقة عبثية، كان لابد من اجراء اتصالات أخرى مثابرة انطوت على قدر من الخطورة مع عبد الرؤوف نفسه في داخل زنزانته لاخذ موافقته واقناعه بالحوار مع (الرأي العام) بعد ادانته وثلاثة من أصدقائه بمقتل الدبلوماسي الأمريكي جون غرانفيل برصاصات قاصدة في ليلة رأس السنة من العام 2008م.
قضية عبد الرؤوف، استحوذت على نصيب وافر من اهتمام وسائل الاعلام العالمية والمحلية وشهدت تطورات دراماتيكية عديدة، كان أبرزها هرب المدانين من داخل السجن الحصين بعد تأييد حكم الاعدام في حقهم، ثم توالي أنباء مقتلهم بعد ذلك واحداً تلو الآخر خارج الحدود، بينما تم القاء القبض على عبد الرؤوف الذي حاورته في الأيام الفائتة بمكتب مدير سجن كوبر اللواء سعيد ضحية وفي حضوره. حيث جاء، أو بالأحرى جيئ به إلى المكتب وهو مصفد بالأغلال ويرتدي (بدلة) الإعدام الحمراء، ومع ذلك كانت تعلو ملامح وجهه ابتسامة ثقة غامضة تعطي تفسيراً مختلفاً لملامحه في كل مرة، فإلى مضابط الحوار:

*ماهي الرسالة التي تضعها في حقائب من يرغبون في الرحيل من الشباب للانضمام للحركات التي تقاتل بعضها؟*
- أقول لهم إن هذه فتن، والانسان إذا ذهب ألا أن يقتل مسلماً، ولا يوجد قتال لعدو وإنما القتال تحول فيما بينهم.
*كأنك تحذرهم من أن ينزلقوا في أتون هذه الفتن باسم الجهاد؟*
- أحذرهم، لأنهم رأوا العواقب.. وكثير من الذين ذهبوا إلى ليبيا وسوريا والصومال رجعوا إلى بلادهم بعد أن رأوا الواقع بأم أعينهم غير ما كانوا يتوقعون. فهم يذهبون للجهاد في سبيل الله والشهادة ويتم استغلالهم بنية طيبة لقتل اخوانهم، ولمجرد خلاف بسيط يقول لك هذا كافر وتستبيح دمه.
*كيف يتم التواصل واستقطاب هؤلاء الشباب للالتحاق بتلك الجماعات في سوريا وليبيا مثلاً.. وهل يتم تجنيدهم عبر النت أم ان هناك أشخاصاً يقومون بتسهيل مهمتهم وتسفيرهم إلى هناك؟*
- هنالك أشخاص موجودون يتزعمون هذا الفكر هنا في السودان وبعضهم كان معتقلاً، وهم الذين يفتوا للناس ولديهم مراكز ومدارس ويجندون الناس.
*وهل لهؤلاء الأشخاص قدرة على تسفير من يجندونهم لخارج البلاد للاتحاق بتلك الجماعات؟*
- نعم، وأنا لدى ثلاثة أخوان تم تسفيرهم، والرابع ابن أختي الآن معتقل في تركيا، وكذلك يعملون الآن على أن يُسفّروا أولادي.
*من هو أو من قتل من اخوانك وكم عدد من قتلوا ضمن تلك الجماعات في الخارج؟*
- أول من استشهد هو عبد الإله، ثم محمد وزوجته في ليبيا وتم ارجاع أبنائهم الثلاثة قبل أربعة أشهر تقريباً من ليبيا، ثم عبد الواحد.
*وهل قُتِل عبد الواحد كذلك في سرت الليبية؟*
- نعم، وهم استغلوهم ناس هناك لأنهم يريدون الجنة وأن يرضوا ربنا ويجاهدوا في سبيل الله، ولا أحد الآن في الأسرة يعرف حتى كيف ماتوا، وقد اتصل أحدهم بالأسرة ليخبرهم بأن عبد الواحد قتل دون أن يخبرهم كيف حدث ذلك.
*عندما يسمع الناس في كل مرة عن مقتل أحد أبناء شيخ أبو زيد في ليبيا، فإنهم يتساءلون: ماذا في هذه الأسرة تحديداً يدفع أبناءها للانضمام لهذه الحركات المتشددة رغم أن والدهم لم يكن كذلك؟*
- المسألة ليست مسألة تشدد، والتربية في البيت هي تربية دينية عادية لا علاقة لها بالتشدد، لكن دخلت أطراف تبنت هذه المسألة وحاولت تؤثر..
*هل تشعر بأن هناك تربصا أو استهدافا لأسرتكم ربما؟*
- نعم موجود.. موجود.
*ولماذا يتربصون بكم تحديداً ولا يستقبطون أبناء أي شيخ آخر؟*
- والله هؤلاء الناس لا يركزون إلا على فئات معينة، وعلى (الناس الظاهرين) إن كانوا مثلاً من الأكاديميين والأطباء والمهندسين فهم يركزون على أبناء الأسر الكبيرة والمعروفة..
*وماهي فلسفتهم من ذلك برأيك؟*
- لأن بعض الناس عندما يسمعون بأن ابن (ناس فلان) ذهب في هذا الاتجاه فأنت لا تحتاج دعوة بعد ذلك وسيأتي كثيرون إلى ذات الطريق.. وعندما يقولون إن أولاد شيخ أبو زيد أربعة ذهبوا في هذا الطريق فأنت لا تحتاج بعد ذلك لأن تدعى. وإن كان الوالد لا علاقة له بهذه المسائل.
*هل ترى إن أسرتكم هي مفرخة للفكر الارهابي أم ربما كنتم من ضحاياه؟*
- لا .. لا نحن لسنا مفرخين بل ضحية للعنف، وأخواني عندما مضوا في هذا الطريق أنا كنت في السجن وتركتهم جميعاً أطفالا. ولكن البعض استغلوا دخولي السجن ووصلوا إلى أخواني وحتى إلى زوجتي، وأطفالي الآن مهددون بأن يأخذوهم في أية لحظة..
*وكيف وصلوا إلى زوجتك؟*
- هنالك أشخاص يتبعون لداعش هم السبب في طلاق زوجتي، ذهبوا اليها وحرضوها وقالوا لها تمشي الهجرة وتمشي ليبيا..
*والآن أين هي؟*
- مازالت موجودة في السودان.
*وماذا عن ابنك وابنتك؟*
- موجودان ولكن بعد أن كفروني منعوا أولادي من زيارتي، والآن أنا زيارتي مفتوحة ولكن منذ (8) شهور لم يزرني أحد في السجن.
*لو عاد بك الزمن إلى الوراء إلى ماقبل الحادثة...ومعك زملاؤك ماذا كنت ستفعل؟*
- والله يا أستاذ أنا أكون صريحا معاك، أنا الذي فعله بي وبأسرتي المنتسبون لداعش أشد من الأمريكان. والأمريكان أنا لم أر منهم شيئاً حتى الشخص الذي تعرض للقتل أنا لم أره بعيني وكنت نائماً كما قلت لك، ولم أتعرض لعداء من الأمريكان أو من الحكومة ولكن الأذية تعرضت لها من داعش. والآن انت عندما يأتي شخص ويأخذ أخوانك الثلاثة ولا يراعي إن هذه الأسرة فيها ناس كبار وتحتاج لواحد منهم لكي يكون موجودا، وهو وأولاده موجودين في نفس الوقت، بل يذهب من ورائي لزوجتي ويحرضها ويغريها بأن تتطلق ويتزوجها ويسافر بها الى ليبيا فهل هذا من الاسلام؟!، وكيف يقولون انهم على منهاج النبوة والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ليس منا من خبب امرأة على زوجها، وأنا الآن مسجون ولكنه يمنع حتى أطفالي من زيارة أبوهم فهل هذا هو الاسلام؟!
*تابعت من قبل مناشدة من الأسرة للحكومة والرئاسة للتدخل لمنع تسفير أبنائك إلى الدواعش في ليبيا فهل تمت استجابة؟*
- حسب علمي ليس هناك استجابة واضحة، والجماعة الذين حذرنا منهم مازالوا حول الأطفال.
*ومن يوجد في بيتكم الآن؟*
- البيت الآن فيه عبد الملك وهو متزوج وبأولاده، وفيه الوالدة وهي امرأة كبيرة وأبناء محمد أطفال صغار جيئ بهم من ليبيا بعد مقتل والديهما هناك وهم في رعاية الوالدة الكبيرة.. وأنظر ماذا فعلوا بي أنا. فهم لا يسألون عن أبناء محمد أو أسرة عبد الاله ويقولون إن هؤلاء قُتِلوا معنا وكانوا في صفنا، لا يسألون مجرد سؤال.
*لنفترض انه تم العفو عنك الآن من أولياء الدم. ماذا ستفعل.. وما الذي سيتغير في عبد الرؤوف؟*
- والله يا أستاذ أنا الآن أكثر شيء يهمني هو الأولاد، واستيقظ في كل يوم وأنا خائف من أن يتم تسفيرهم إلى ليبيا أو أي مكان. لأن الناس الذين حولهم خطرون وأنا أعرفهم جيداً فهم يقومون بتسفير الناس إلى ليبيا وهم موجودون. (فالشخص الذي سفّر محمد أخوي قاعد، والذي سفّر عبد الإله أخوي قاعد، والذي سفر عبد الواحد أيضاَ قاعد. والشخص المتزعم لهذه الفتنة وطلّق زوجتي موجود ومعروف بالاسم).
*وهل السلطات تعرفهم أيضاً؟*
- أنا لا أعرف السلطات، ولكني أعرفهم. وهم في مراكز معروفة وأغلبهم كانوا معتقلين.
*هل يمكن أن تقدم نموذجا لعائد أو تائب من فكر العنف أو الفكر المتطرف؟*
- الاعتدال لابد منه، والتشدد منهي عنه. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول ما شاد الدين أحد إلا غلبه. لكن اتجاه العاطفة عن أنهم يريدون الجهاد في سبيل الله وكذا يمكن أن يكون محموداً ولكن الأحداث والفتن التي تحدث هناك خطيرة ويحدث انحراف للناس حتى عن الفطرة. وأصبحت تحدث حالة من الهرجلة، وأضرب لك مثلاً بالبنات اللائي يسافرن إلى داعش، فالواحدة منهن تترك أهلها وتمشي إلى هناك وتتزوج من غير محرم ومن غير أي شيء، وأنا سمعت بواحدة كفّرت أهلها وتزوجت هنا من داخل السودان، والآن لو سألت أي شخص عادي في الشارع سينكر لك هذه المسألة، فهل هذا من الدين؟!، فهناك أشياء يستغلون فيها حماس الشباب.
*آخيراً.. ما هي نصيحتك للشباب؟*
- أقول لهم إن هذا زمن فتن، وأدعوهم للبعد عن الفتن، وأكبر الفتن في هذه الدنيا هي أن تقتل انسانا دون وجه حق، وإذا كان المقصد هو رضاء الله عز وجل فلابد للانسان أن يتثبت ولا ينساق وراء العاطفة ويُستغل من البعض.