تميّزت الدكتورة "سهير القلماوي" كماذكرت  بخلق طيّب ومعاملة راقية وروح صافية مرحة مريحة ،الأمر الذي جعلني أعتز بما تعلمت منها من  التقاليد العلمية  وطرق التعامل مع الطلاب، وفي حرصها على مقابلة طلابها في يوم معين وساعات طويلة ؛تعلمت درسين مهمين أفدتهما منها:
الأول –هو احترام المواعيد والدقة فيها وحمل النفس عليها بانتظام ،واخطار الطلاب اذا ما طرأ ما يمنع الحضور في الموعد أو اليوم بواسطة الكلية .
الثاني—احترام الأستاذ لطلبته مهما كانت  أوضاعهم وأعمارهم وحظوظهم الاجتماعية والاقتصادية،تعلمت احترام طلبتي وطالباتي وتقديرهم وكسب ثقتهم والاحسان إليهم  والتغاضي عن هفواتهم  وزلاتهم  إلا ما كان شاذا منها وخارجا عن المألوف.
-- تعلمت منها  كيف يفتح الأستاذ عقله وقلبه  ومكتبه لطلابه لأنني كنت أحس فيها عاطفة الأمومة  وسماحتها وجدية الأستاذ وتواضعه ،مارأيتها تقلل من جهد طالب أوعمله وما سمعتها تجرح طالبا فضلا عن أن توبخه وتسيئ إليه.
كنت  أظن  عندما قدمت لها أول فصل كتبته في رسالة الماجستير أنني كتبت  ما لم يسبقني إليه أحد وأن كتابتي خالية من الأخطاء الفكرية والمنهجية  والتعبيرية خاصة أنني كنت أستاذا حسنا في نظر طلابي في مدرسة بورتسودان الثانوية التي كانت متميزة بإدارتها وطلبتها وأساتذها السودانيين والمصريين والهنود وغيرهم ومع ذلك شعرت بضآلة نفسي  وقلة علمي وسوء أسلوبي  وركاكة تعبيري ؛عندما أرجعت إلي أوراقي وهي تقطر دما وتسيل منها الدماء وينزف منها الجراح وقد وضعت بقلمها الأحمر من الملحوظات والاستدراكات والأخطاء ماجعلني  أشعر بحجمي الطبيعي، وقدراتي المتوضعة والخدعة التي يعيشها الإنسان عندما لايجد من يقومه ويوجهه  ويعلمه  ،فتعلمت منها منذ ذلك الوقت كيف أكتب  وماذا أكتب؟ وكيف أعبر  وكيف  أرجع نفسي وأحاسبها.
تعلمت من أنشطتها المتعددة ومجالاتها المختلفة كيف يمكن للأستاذ الجامعي أن يقوم باعمال كثيرة في حياته لنفسه ومجتمعه وأن العبرة ليست بالعمر  ولكن بحظ الانسان  من الحياة والحركة مما دفعني الى جانب دراستي العليا في جامعة القاهرة أن التحق بالدراسات العليا في كلية التربية بجامعة عين شمس  .
تعلمت  منها أن قيمة الأستاذ الجامعي  ليست في لقبه العلمي ولافي منصبه  وإنمافي مدى استفادة طلابه منه  ومدى نفعه لمجتمعه وقدرته على المشاركة في مناشط الثقافة المختلفة دون التقوقع في دائرة التخصص الدقيق بعيدا عن مجالات الثقافة المتعددة والنفع العام.
تعلمت منها الا ألهث وراء الألقاب ولاأتطلع للمناصب والرئاسات التي يتقاتل البعض من أجلها فكل ذلك عرض زائل  لاقيمة له في ميزان العلم.
تعلمت منها الاستقلالية في الرأي والتفرد في الشخصية كانت تقول لنا لاتأخذوا بآرائي كلها إذا لم تقتنعوا بها وتحملوا مسؤولية آرائكم واجتهاد اتكم ،لاتكونوا صورة  من أساتذتكم  تجترون آراءهم وترددون مقولاتهم وتكررون ألفاظهم  وتتقيدون بمناهجهم فأنتم أحرار في مجال البحث العلمي ما دمتم تلتزمون الأصول المنهجية العلمية.
ما كانت ترضى أن نسفه رأي أحد أو أن نقلل من الجهد العلمي لأي باحث بل تطلب مناقشة أي رأي في إطار المنهجية المتعارف عليها.
لم تكن تجامل  النس في قناعاتها وآرائها ومبادئها فقد طلب  منها في عهد الرئيس "أنور السادات" أن تكون وزيرة للشؤون الاجتماعية فاعتذرت بأدب جم  لأنها  لم تكن راضية عن  كثير من المواقف  والسياسات بينما كان الكثيرون في عهدها يتسابقون إلى الإستوزار وما هو أقل منه بل ويريقون ماء وجوهم إن بقي فيها ماء كما هو سائر في كل البلاد .
كنت أحس بأهميتي  عندما تسالني –بعد مناقشة موضوعي –عن بعض الكلمات والتعابير  والأمثال في قصة "الطيب صالح"موسم الهجرة الى الشمال" حيث كانت تشرف على طالبة تترجم القصة الى الإنجليزية كنا نتحدث عنها ونتناقش كثيرا ثم أجدني في النهاية وقد علمتني أشياء كنت أجهلها ومدلولات لكلمات عامية سودانية لم تخطر على بالي  ، وبحكم عمري آنذاك كنت مستنكرا على "الطيب صالح" الإشارات  الجنسية بل والتعبيرات المباشرة  غير أنها أفهمتني بتبرير علمي  مبعث هذه الإشارات ودلالاتها ولو كنت في عمري الآن لما احتجت الى تفسير ولاسألت أصلا.
تعلمت منها أن وظيفة الأستاذ الأساسة ليس هو تقديم المعلومات وشرح الدروس والقاء المحاضرات بل إن وظيفته الأولى هي تعليم القيم وتفعيلها في حياة الأستاذ أولا قبل طلبته  وأنه الأنموذج الذي يحتذى  فكرا وسلوكا ،لغة والفاظأ سماحة ورحمة، أدبا وأخلاقا  سماعا وتقبلا ،أخذا وردا وتحملا وتقديرا ولعل التزامي بهذا الأدب هو الذي يجعلني في صلة دائمة مع طلبتي في البلاد التي عملت فيها وبخاصة الإمارات والأردن  وباكستان  عن طريق الشبكة العنكبوتية أو الاتصال المباشر أو غيرهما .
كانت لها القدرة على أن تجمع في طلابها بين أصحاب الاتجاهات المختلفة  والمبادئ المتباينة دون أن تؤثر في بحوثهم وآرائهم ما دامت في حدود البحث وقد اختارت لي في مناقشة رسالتي شخصين أحدهما وجودي مشهور والثاني ماركسي  متعصب وبما أنني أختلف معهما  رأيا وفكرة  وطريقة ومنهجا  إلا أنها ازالت قلقي  بأنهما من تلاميذها وأن علي أن أوجه ما يقولان بشجاعة و واعتزاز بالرأي  وأنهما لن يخرجا على المألوف في المناقشات.
الدكتورة "سهير القلماوي" من  تلاميذ جيل العمالقة في مصر طه حسين"والعقاد"  وقد ساروا على نهج أساتذتهم في إغناء الحياة الفكرية والأدبية والثقافية وعلموا طلبتهم القيم العلمية والسلوكية والخلقية والأدبية لأن الدرجات العلمية لاقيمة لها إن خلت من ذلك كله.
Dr Abbas Mahjoob [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
////////////