مرحلة الشباب مرحلة النـزوع إلى تشكيل الجماعات ، والبحث عن الذات وإثباتها ، والحياة ضمن الأُطر الجماعية هي وسيلة التربية والتدريب على الروح الجماعية ، والممارسة القيمية لقيم التعاون والبر والإحسان ، والإيثار والتراحم ، والتواصي بالحق والجماعة هي وسيلة محاربة الأمراض المدمِّرة للشباب من إنـزواء وعُزلة وأنانية وانسحاب من المجتمع .
الحركة الإسلامية في تاريخها الطويل كانت تربِّي الشباب على تنمية الحس بالمسؤولية ، والتوجه نحو الأهداف الكبيرة ، والاشتراك في تحقيقها ، بالإضافة إلى تنمية فكرة الاحتساب ، والمشاركة الفاعلة في القضايا الاجتماعية والوطنية ، وهداية البشر ، والعمل على تغيير المجتمع وفق ما تربَّوا عليه .
كانت الحركة الإسلامية هي التي توفر المحاضن التي تُربِّي الشباب وتحول دون انحرافه بما توفره من برامج ونشاطات توظِّف الطاقات الكبيرة التي يمتلكها الشباب توظيفاً يملأ فراغهم ويجعلهم جادين مستثمرين لأوقاته في التحصيل والتثقيف والعمل . وكُنَّا في المدارس الثانوية نخشى على أنفسنا وسمعتنا من طلبتنا فنجتهد في تحضير دروسنا والاطلاع على كل ما يتعلق بالمواد التي ندرِّسها حتى نكون جاهزين لمناقشات الطلبة وأسئلتهم العميقة ، واستفساراتهم القوية ، وكان هؤلاء الطلبة واضحي الانتماء للاتجاه الإسلامي القوي أو الاتجاهات الفكرية الأخرى التي كُنَّا نُكنُّ لها كل الاحترام والتقدير ، ونُعلِّمهم قيم العدل واحترام الرأي الآخر ، ولا نفرِّق بينهم بسبب انتماءاتهم أو أفكارهم .
كان الطلبة من كل الاتجاهات السياسية يتميزون بثقافة عالية وإدراك واسع ، واحترام الفكر والاختيارات ، وكان مجتمع الشباب هذا خالياً من مظاهر العنف والسطحية الفكرية والتعصُّب الأعمى ، والصراع بلا وعي ، والحركة الإسلامية كانت تمتلك القيادة التي تُحسن توجيه الشباب وتدرك حاجاتهم ، وتعلم مشكلاته وتستوعب تطلعاتهم ونشاطاتهم ، وتوظِّف كل ذلك لمصلحة الأُمة .
كل هذه الموروثات تغيرت اليوم وأصبح الشباب يعاني من ضعف في الثقافة ، وخواء في المعرفة ، وفقر في الفكر ، وضآلة في الفقه ، كما أصبح الشباب يفتقد التربية الروحية ، والثقافة الروحية التي ترقى بهم ، وأصبح الشاب مندفعاً في العمل الحركي وهو يفتقد المعرفة والفقه ، وفضيلة التأمل والتدبُّر .
تبنَّت الحركة الإسلامية مفاهيم جديدة ربطت مسألة الانتماء لها بالولاء المطلق والطاعة العمياء ، وجعلت توجيهات التنظيم وأوامره في مستوى الواجبات الدينية التي يتعبَّد بها بل قد تكون الواجبات الدينية في مرحلة ثانوية إذا كان أمن التنظيم يقتضي ذلك .
إنَّ ثقافة شباب الحركة  سيطر عليها الاندفاع والحركية والعنف واعتبار التفكير أو المناقشة لأي أمر تنظيمي في دائرة الحيرمات ، إنَّ افتقاد القدوة الحسنة والأوعية الشرعية التي توجه حركة الشباب قد أوقعتهم في ممارسات غير شرعية وسلوكيات غير مدروسة مما جعل هذه السلوكيات والممارسات موظفَّة توظيفاً مدروساً من أعداء الإسلام ومحاربي مشروعه الحضاري وأغلب هذه الممارسات جاءت نتيجة عجز بعض الشيوخ عن مجاراة المتغيرات واستسلامهم للضغوط والحواجز النفسية بينهم وبين الشباب .

ظل الشباب اليوم يعاني من التضليل الديني والثقافي والزيف الإعلامي والمفاهيم المغلوطة في الدين وواجباته والانتماء وتبعاته ، وتفلسف له الأمور وتعكس القراءات التي تجعله يعتبر النكبات ابتلاءات والهزائم انتصارات ، والخسائر مكتسبات ، والتخلُّف والتردي انجازات بل تقلب له الأمور بحيث يعتبر الاستبداد الفكري والسياسي شورى وديمقراطية ، والظلم الاجتماعي والقهر الطبقي مساواة وعدالة ، والذُل والاستعباد استقلالية وتحرر ، ومعظم الشباب مستسلم لهذا التضليل ، ومعجب بالضلال راضٍ بهذه المقولات .
إنَّ على الحركة الإسلامية مسؤولية في هذه التجهيل وواجباً في جعل الشباب يتعرَّف إلى الحقائق ويتعامل مع الواقع ، ويستشعر التحدي ويتجنَّب الأخطاء ، فمشكلات الحياة وقضاياها الاستراتيجية ليست ملكاً لجيل من الناس أو جماعة من الجماعات تدعي الإحاطة بها والتصرف فيها ووضع الحلول لها ، لأنَّ مثل هذا الإدعاء لا يقتصر أثره ومساوئه على الجيل الحالي إنما يمتدُ ليُؤثر في المستقبل ويُدمِّره .
إنَّ شبابنا ظل يعيش في عالم الشعارات العاطفية والخُطب الحماسية ، والوعود العرقوبية التي تحجب عنه معايشةالواقع والتفاعل مع المتغيرات والتهيؤ للمستجدات ممايجعله دون دراية ووعي ، يمارس المفاهيم المغلوطة التي تدمر مجتمعه وتزعزع قيمه ومُثلَهُ .



Dr Abbas Mahjoob [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]