Dr Abbas Mahjoob [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

نحن أُمّة تعرف كيف تختلف ولكنها لا تعرف كيف تتأدب عندما تختلف ، لأن الاختلاف بين أفراد الأُمّة وعلمائها من الأمور الفطرية الطبيعية التي خُلف الناس عليها وجُبلوا ، لأنّ البشر يختلفون – حسب الفروق الفردية بينهم – في فهومهم وقدراتهم ، وإمكاناتهم ، ويتباينون في مواقفهم وأفكارهم وآرائهم ، كما يتفاوتون في مقاماتهم وأقدارهم .
وقد أدرك سلفنا الصالح تلك الحقيقة ، فكانوا يضعون العلماء - وقد اختلفوا معهم -   في المواقع التي تحفظ لهم أقدارهم وتحميهم من تغوُّل أصحاب الألسنة والأغراض عليهم ، فقد كان الإمام الشافعي – رحمه الله – لا يذكر اسم الإمام أحمد بن حنبل إلا تقديراً له وإعلاءً لشأنه فيقول : " حدّثنا ثقة من أصحابنا وأنبأنا الثقة وأخبرنا الثقة" ، كما كان الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – يقول عن الإمام الشافعي – رضوان الله عليهما – : " إنّه كان كالشمس للدنيا ، وكالعافية للناس فانظر هل لهذين هل من خلف أو عِوض ؟ " .
وقد روى صالح بن الإمام أحمد قال : " لقيني يحيى في حين فقال : أما يستحي أبوك فيما يفعل ؟ قلت : وما يفعل ؟ قال : رأيته مع الشافعي ، والشافعي راكب وهو راجل أخذ بزمام دابته " يقول صالح : فقلت لأبي ذلك فقال : إن لقتيه فقل له: يقول لك أبي : " إذا أردت أن تتفقّه تعال فخذ بركابه ن الجانب الآخر " .
فهؤلاء الأئمة أرادوا تعليمنا كيف نتأدب ع علمائنا ، وكيف نعاملهم ونُثني عليهم ، ولا نذكرهم إلا بالخير ، وإنْ كنا نظن - وبعض الظنّ إثم – دون تحقيق أو دليل أنّ اختلافهم بسبب الهوى والغرض ، إنّ ديننا يضع في أوليات آدابنا إحسان الظنِّ بالناس عامة وبعلمائنا خاصة ، لأن الأدب وحُسن الخُلق وإحسان الظنِّ هو الذي حفظ لنا تراث علمائنا وصان لنا أعراضهم وعلومهم من أصحاب الضغائن والأهواء والأغراض .
وقد أراد أسلافنا أن يعلِّمونا أن نحوِّل الخلاف إلى خلاف شخصي ، وألا يؤثر تباين الاجتهاد ورفض بعض الآراء في اتخاذ مواقف عدائية واتهامات شخصية لمن نختلف معهم في الرأي والوسيلة أو التقدير .
إنّ المقلِّدين من المتأخرين - وإنْ ادعوا التجديد لأنفسهم - قد أُشربوا روح التعصب ، وجانبوا روح العلم ، وافتقدوا تلك الآداب التي تدل على صفاء النـيِّة وصدق المقصد ، وسلامة القلب ، والتجرُّد للحق مهما كان الاختلاف ، لأنَّهم إذا اختلفوا في سبيل الحق - حقيقةً - لتحرُّوا الموضوعية ، واعتبروا أنّ الجميع مجتهد ، بعضهم يصيب فله أجران وبعضهم يخطئ في اجتهاده - مع صدقه- فله أجر .
إنّ تحوُّل الاختلاف إلى جدل عقيم ، وتنابز وطعن في العلماء ، وتسفيه لأقدارهم ومقاماتهم ، وإدعاء المعرفة ببواطن نيَّاتهمم كل ذلك يؤدي إلى التناحر والتشتت والفُرقة والتدهور ، والبُعد عن منهج رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم – ( إنَّ الذِيْنَ فَرِّقُوا دِيْنَهُمْ وكَانُوا شِيَعَاً لستَ مِنهم فَي شَيء ) وكما يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة : " إنّ الاختلاف بوجهات النظر بدل أن يكون ظاهرة صحية تُغني العقل المسلم بخصوبة في الرأي ، والاطلاع على عدد من وجهات النظر ، ورؤية الأمور من أبعادها وزواياها كلها ، وإضافة عقول إلى عقل ، انقلب عند مسلم عصر التخلّف إلى وسيلة للتآكل الداخلي والإنهاك ، وفرصة للاقتتال حتى كاد الأمر أن يصل ببعض المختلفين إلى حدِّ التصفية الجسدية ، وإلى الاستنصار والتقوِّي بأعداء الدين على صاحب الرأي المخالف ، ولهذا في التاريخ القريب والبعيد شواهد ، فكثيراً ما يعجز عن النظرة الكلية السوية للأمور ، والرؤية الشاملة للأبعاد المتعددة فيقبع وراء جزئية يُضخِّمها ويُكبِّرها حتى تستغرقه إلى درجة لا يمكن معها أن يرى رأياً آخر ، وقد تصل به إلى أن يرى - بمقايسات محزنة - أعداء الدين أقرب إليه من المخالفين له في الرأي من المسلمين الذين يتلقون معه على أصول العقيدة نفسها .
إنّ الإسلام علَّمنا المنهج الذي يقوم به الأفراد فما من فردٍ مهما بلغ من موازين الدنيا إلا وهو معروض على ميزان التقوى ، وصلاح العمل ، وحُسن النيـِّة والتجرُّد إلى الله ، والبُعد عن مواطن الرِيبة والظن ، لأنّ الأشخاص كما يقول الأستاذ عمر عبيد رئيس تحرير مجلة الأُمة السابق : " يُقاسون بالمنهج الإسلامي ، والقِيم الإسلامية ، ولا يُقاس الإسلام بهم مهما علا شأنهم ، والذي يمثل محلّ الأُسوة والقدوة بالنسبة للمسلم هو المعصوم عليه الصلاة والسلام " .
وكل البشر يخطئ ويصيب ، ويُؤخذ من كلامه ويُردّ ، إلا المعصوم - صلّى الله عليه وسلّم - وهذا في نظرنا يُشكِّل الضمانة الأكيدة لسلامة العمل واستمراره وسداده ، ذلك أنّ المشكلة في التصوير الإسلامي الآن كما يبدو أننا قد نصل في تقديس الأشخاص إلى مرحلة العصمة عن الخطأ إلى مرحلة الملائكة ، فإذا تكشّف لنا شيء من الخطأ - وهذا أمر طبيعي - فكل ابن آدم خطّاء ، أنـزلناه إلى منـزلة الشياطين - لذلك يقتصر التعامل في نظرنا - إما مع ملائكة لا تخطئ أو مع شياطين جُبلت على الخطأ والخطيئة !! ، أما التعامل مع البشر الذي يخطئ ويصيب ، والقدرة على إبصار الصواب والخطأ ، وإعطاء كل أمر ما يستحقه وعدم بخس الناس أشياءهم ، فهذا لا يزال غائباً عن حياة بعض مسلمي اليوم والله تعالى يحذِّرنا ويقول : ( وَيْلٌ للمُطَفِفين ) وبعضنا يظن أن التطفيف إنّما يكون في الميزان والكيل فقط ! .
إنّ القِيم معصومة والأشخاص والأغراض زائلة ، والبشر خطّاءون ، قد تسقطهم أخطاؤهم وقد يسقطهم أعداء الإسلام بوسائلهم الماكرة التي تتوجه أول ما تتوجه إلى دعاة الإسلام - لتحطيمهم بإساءة سمعتهم أو اتهامهم أو تلفيق الأكاذيب حولهم - وقد تستطيع احتواء بعضهم وتوظيفه لسبب آخر من رغبة أو رهبة ، ولإعجابي بتحليل الأستاذ عمر عبيد لهذه الظواهر في حياتنا أنقل عنه أيضاً قوله :
" لا يجوز بحال أن تنقلب الوسائل إلى غايات أو تتلبس الوسائل بالغايات فيصبح شعارنا خطأ الشيخ خيرُ من صواب المُريد ، وتسود مناخنا الثقافي الإسلامي مفهومات مغلوطة توقف عملية المناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي صانت الرسالة الإسلامية والأُمّة الإسلامية في تاريخها الطويل من الانحراف ، وحملتها على الولاء للمنهج وعدم التحريف ، والشذوذ الجماعي ، والعثرات المردية على طريقها الطويل ، وحفظت القادة والزعماء ، والدعاة والمفكرين والعلماء من الافتتان بالرأي ، والإعجاب بالنفس ، والانـزلاق بالخطأ ، كما حفظت الأُمة أن تقع فريسة لشذوذ أو تطرُّف أو غُلوٍ ، أو تعثُّر أو تمزُّق " .
إنّنا في حاجة أن نفرِّق بين الأشخاص والأفكار ، وفي حاجة إلى إحسان التعامل مع بعضنا ومع المجتمعات الأخرى ولو كانت بعيدة عن الإسلام ، كما أننا بحاجة إلى امتلاك قدر كبير من المرونة والرفق ومعرفة فقه التعامل ، وهذا الرفق أدب يخبرنا المعصوم عليه الصلاة والسلام أنّه ما كان في شيء إلا زانه ، وما نُـزع من شيء إلا شانه ، والله يحبُّ الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على سواه ، فأين الرفق في سلوكنا ونحن نقرأ ونُعلِّم صغارنا أدب الرفق وأهميته .
إنّ أعداءنا يوظفوننا أحياناً في القضاء على بعضنا وتدمير علمائنا ومشايخنا ، وتسفيه آرائنا وتعظيم خلافاتنا .
إنّ أدب الاختلاف يقتضي أن نتمسك بصفاته - صلَّى الله عليه وسلَّم - في رفقه وحلمه ، ويُسره وأدبه ، وبساطته وتواضعه ، وابتعاده عن الفظاظة في القول ، والجلافة في الفعل وجارح الكلام وسوء القول ، إننا في حاجة أن نفقه أدب الاختلاف ، وتقبُّل الآخر ، والاعتراف للآخرين بحقهم في الاجتهاد والنظر ، والقبول والرفض ، و الصواب والخطأ ، كما نحتاج من علمائنا ومشايخنا أن يكونوا قدوة لنا وأن يعلِّمونا كما كان الإمام مالك - رحمه الله - يُعلِّم تلاميذه وأتباعه فيقول :
" إنّما أنا بشر أُخطئ وأُصيب ، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به ، وما خالف فاتركوه ، إنّ هذا العلم دين فانظروا مَن تأخذوه منه " وكذلك كان الإمام أبو حنيفة فقد قيل له : " هذا الذي تُفتينا الصواب بعينه ، قال : ما أدري عسى أن يكون الخطأ بعينه " .



الإسلام وحرية الرأي
يُركِّز الإسلام على حرية الرأي باعتبار أنّ هذه الحرية من أهم الحقوق الإنسانية ، بل جعلها الإسلام حقاً واجباً لا يجوز التنازل عنه ، أو التهاون فيه ، فإذا كان بعض العلماء يرى وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ركناً سادساً من أركان الإسلامي فإنَّ حرية الرأي هي أساس هذا الركن ، لأنّ المسلم مسؤول ، والمسؤولية التزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتقويم الانحرافات في الأُمة في حدود طاقاته ، وقدراته سواء أكان الانحراف في الدين أو في مقاصده أو فهمه ، أو في المجتمع ، وسواء أكان في قاعدة المجتمع أو قِمته ، بل إنّ إنكار المُنْكَر على ولاة الأمر هو الذي حضَّ عليه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وجعله باباً من أبواب الشهادة " سيِّد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمامٍ جائر فأمره ونهاه ، فقتله " .
الأُمّة مطالبة بممارسة حقّها في حرية الرأي ، والنقد ، والنُصح والتعبير لأنّ في ذلك تمكيناً لحقوقها الحضارية والإنسانية حتى تكون بحق أُمة مخرجة للناس من الظلمات إلى النور ، ومن التخلُّف إلى التقدُّم ، ومن الذيلية والتبعية إلى القيادة والاستقلالية .
إنَّ بعض الناس يسيئون فهم قاعدة " سدَّ الذرائع " لأنّ إساءة فهم هذه القاعدة أدت إلى تراجع هذه الأُمة عن دورها القيادي وتفوقها الحضاري ، كما أدت سيادة اتجاه فكري وثقافي يؤصل للانحراف ، ويصادر الحُريات ليتحكم بذلك الطغاة على البشر ، وتصبح الأُمة مسبحة بحمدهم ، وطيعة لأذنابهم ، وأسيرةً لآرائهم وتفسيراتهم التي يرون مخالفتها منافية للإسلام ، وهذا ما جعل البعض يقوم بمقام الوصاية على الأُمة وكأنّها يتيم قاصر لا يعرف مصلحة ، ولا يدفع مفسدة ، مع أنّ الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - قد أعلن عصمة هذه الأُمة من الخطأ وحصانتها من الضلال " لا تجتمع أُمَّتي على ضلالة أو خطأ " ، والقرآن يوضح أن تجاهل الحُكام لإرادة الأُمم وسلب حقوقها في ممارسة النقد ، والتقويم ، والمناصحة والشورى دليل على الطغيان والاستبداد .
حرية الرأي والتعبير عنها من دعامات الفكر الإسلامي ومبادئه التي مورست في واقع الأُمة ، فعصمتها من المحن والهزائم ، والأمراض ، الاستبداد السياسي ، والتعتيم الثقافي والتهميش الجماعي .
لم يقتصر حرمان الأُمة من ممارسة حريتها على الدول والأنظمة بل سرى هذا الداء إلى التنظيمات الإسلامية حيث يقول رئيس تحرير مجلة "الأُمَّة " سابقاً الكاتب المعروف عمر عبيد : " لم يقتصر ذلك على الأنظمة بل سرى إلى الأحزاب والفئات والتنظيمات والحركات والجمعيات التي أُوجدت لتكون وسائل أفضل في مساعدة الأُمة على الخروج من وهدتها ، وتجاوز أزمتها ، ومحاضن لتربية العناصر الصالحة من أبنائها ، فإذا بها تمارس عملها تحت شعار "نفِّذ ثم ناقش " وحتى التنظيمات الإسلامية لم تسلم من عمليات التصنيف على الرأي الآخر أو رفضه ومصادرته ، وفصل صاحبه من التنظيم إن لزم الأمر ، ومنع كتبه من التداول بين الطائفة القائمة على الحق ، أو الطائفة المنصورة تحت حجج مختلفة منها طاعة الأمير المُبايَع ، أو لئلا ينـزعج أمير التنظيم ، فإنّ هؤلاء أسقطوا كل ما في تراثنا الفقهي المولد في عصور الملك العضوض والجبرية في حجر أمير الحركة أو التنظيم لتكون بين يديه وسائل شرعية وأدوات تراثيه وصلاحيات قمعيه ناجحة في منع الشورى والحيلولة دون بروز الرأي الآخر أو التعبير عنه ليكون أمير الجماعة أو قائد التنظيم قادراً على أن يخْلِف – بجدارة واستحقاق – أئمة الجور في مراكزهم ولكن تحت شعار "حاكمية الله تعالى" وهكذا تغلغل الاستبداد ورفض الرأي الآخر بل استئصاله من جذوره ، ومنع تكونه في كيان المجتمع وسائر خلاياه حتى تكرست في الأُمة "عقلية العوام" وطبيعة القطيع ونفسية العبيد " ، ويقول الأستاذ عمر عبيد : " فكيف أوصل الاستبداد هذه الأُمة إلى هذا الحال ؟ وهي الأُمة التي اعتبر علماء أصول الفقه الأقدمون من أبنائها الرأي دليلاً من أدلتها الشرعية ، فما يوصل الرأي إليه بالوسائل المعتبرة شرعاً يصبح شرعاً يتعبَّد الناس به ، وإذا بالرأي يتحول عند الخلق إلى بدعة وجريمة وانحراف واعتزال وخروج عن السُنة ، وابتعاد عن الاتباع بحيث يتنادى البعض بتنقية أجواء الأمة وحمايتها منه ، واعتباره ضلالة يجب تحذير الناس منها ، وذريعة يجب سدّها لئلا تفتح على الأُمة أبواباً من الشر لا تغلق ، فتوقف التفكير واعتبر التوقف عن إنتاج الرأي ضمانة جيِّدة لبقاء مجموعة الأفكار السكونية الراكدة ، فمن المسؤول عن تلك الشرور ؟ إنَّه باختصار شديد استبداد الطغاة ، وعجز العلماء وجهل الأبناء لا إبداء الرأي ولا الحرية في التعبير عنها " .
حرية الرأي ليس عملاً ذاتياً يمارسه الإنسان بينه وبين نفسه وإنَّما هو عمل يتجاوز ذلك إلى البُعد الاجتماعي ، الذي يتمثل في حرية الإنسان في النظر العقلي للوصول إلى المعرفة دون أن يفرض عليه الآخرون الأدوات التي يتعامل بها ، والمعطيات التي يستخدمها ، كما تتمثّل ف حريته في إعلانه عن رأيه الذي توصّل إليه عن طريق النظر والبحث ، ونشره بين الناس والدفاع عنه ، وإقناع الآخرين به ، وهذا هو المعنى الشائع لحرية الرأي ويجب ألا تُقيّد هذه الحرية التي تعتبر حقاً واجباً للإنسان بأي وسيلة تعيقها من الوصول إلى الناس أو تعيق الوسائل التي تستخدمها من الوصول إلى الناس .
حرية الرأي هي التي تُربِّي الأُمة على الرأي السديد والنظر الصائب ، والنقد البنّاء وهي التي تحرر الإنسان من الوصاية والتبعية اللتين تفرضان عليه بشتى الوسائل والمسميات ، فالإسلام قد حرر إرادة الإنسان ووفر لها الضمانات التي لا تجعل أحداً يوجهه إلى ما يريد أو يحمله على ما يكره ، فالعقلية الناقدة تتميّز بقدرتها على المقارنة بين المتعارضات والمقابلة بين المعطيات ، والاهتداء إلى أماكن القوة والضعف والصواب والخطأ الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى تكوين رؤية صحيحة ، وحكم صائب موقف مدعوم ، أما إذا ضربت الوصاية على العقل الإنساني بفعل الموروثات الثقافية والنفوذ والتسلُّط أو مصادرة الحقوق الأساسية وأولها حرية الرأي ، فإنّ الأُمة ستسير في طريق يجعلها في تخبُّط مستمر نتيجة لمصادرة الحقوق ، وهيمنة الرؤية الأحادية ، النـزعة التسلطية الفرعونية المبنية على قاعدة "ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" فالقرآن يعلمنا أن اتباع الخط الفرعوني الأوحد وإن كان مدعوماً ومؤيداً أو معززاً من الذين استخفّ بهم فرعون فأطاعوه عميةً وضلالاً ، أو منفعة ومصلحة ، يعلِّمنا أنّ هذا الخط جعل قوم فرعون يعقون في الخطأ تلو الخطأ ، ينصرفون عن المعطيات التي يُدلي بها رجال مؤمنون صادقون مخلصون مثل الرجل المؤمن الذي كتم إيمانه ، فكانت عاقبة قومه الضلال والتخبُّط والهلاك والغرق .
إنَّ العقل المسلم الذي رُبي على ممارسة الحرية في نشر الرأي والإعلان عنه بين الناس والدفاع عنه فإنّ هذه العقلية تكون قابلة لاستيعاب الرأي الآخر المخالف وتقبل المعطيات المرتبطة به كل ذلك في مجال الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن حتى يسقط الرأي الضعيف الهش ويبقى القوي الصلب .
أمّا إذا وُوجه الناس بكبت آرائهم ورفض مشاركتهم مشاركة حقيقية وليس صورية تمثيلية ، وسدِّ باب الحوار في وجوههم فإنّ نتاج ذلك سيكون تقديس الرأي الواحد ، والتعصُّب له ، والدفاع عنه فتفقد الأُمة مناخ حرية التعبير التي جعلها الإسلام حقاً واجباً ، وتختفي الممارسة الحقيقية للشورى ، وتتخبَّط الأُمة في نتائج سعير الرأي الواحد ، والعقل الواحد ، وإن تعدد الأسماء والجسوم والأشكال متحركة نشطة فاعلة محركة وموجهة بالعقل الواحد .
كان الرسول – صلّى الله عليه وسلّم – يُربِّي أصحابه على ممارسة حقهم في الشورى ومشاركتهم بالرأي وانفتاحهم على المعطيات المختلفة ، وشعاره دائماً "أشيروا عليّ بها أيها الناس " مع إنّه المسدد بالوحي والمحصّن بالعصمة ، وسار خلفاؤه على نهجه فتربّت الأُمة على عقلية نقدية حرة ، ترفض العصبية المذهبية وتُرحِّب بالرأي الآخر ، وقد انعكس ذلك كله على تراثنا الفقهي والمذهبي حيث أُتيحت فرصة واسعة لممارسة حرية الرأي والتعبير والرفض والقبول .
دعا رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – الناس ليتحرروا من قيود التوجيه والوصاية التي يفرضها البعض على الناس ، ويمنع التبعية التقليد الأعمى ، ويطالب بالتحرر من أهواء النفوس ووصايا الآخرين الذين يعاملون البشر وكأنهم قُصَّر أيتام " لا يكن أحدكم إمِّعةً يقول : أنا مع الناس إنْ أحسنوا أحسنتُ ، وإنْ أساءوا أسأتُ ، ولكن وطِّنوا أنفسكم إنْ أحسن الناس أن تُحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا " .