كلام الناس

*ذكرني هذا الكتاب بالمبادرة التي تبناها أحد الباحثين الإجتماعيين عندما كنت باحثاً إجتماعياً بمصلحة السجون في السودان للسماح له بالدخول للسجن وقضاء فترة بين النزلاء لإجراء دراسة ميدانية، لكن للأسف رئاسة السجون رفضت طلبه.

*رغم أن مبادرته رفضت حينها إلا انها إنبعثت حية في ذاكرتي وأنا أقرا كتاب فتح الرحمن باردوس "يوميات التشرد" له قدم تجربة حية عاشها وسط مجموعة من المشردين بهدف إجراء تحقيق صحافي مصور لم يكتمل أيضاً لأسباب مختلفة.
*منذ أن بدأت في قراءة الكتاب أحسست أنني أمام فنان يرسم بالكلمات لوحات حية ذكرتي بشاعر الجمال والمراة والحب الراحل المقيم نزار قباني عليه رحمة الله الذي عرف برومانسيته التي مكنته بالفعل من رسم لوحات جمالية في أشعاره الخالدة.
*من الصعب إستعراض هذه التجربة الحية التي حاول الكتاب خلالها تحقيق تحقيق صحافي إلا أن خياله الرومانسي طغى على الواقع وتحول إلى هلوسات تداخلت فيها المشاهد والمواقف بين الخاص والعام للدرجة التي أصبح من الصعب إخراج شخصية الكاتب من الواقع الذي دخل في دهاليزه.
*دعونا نبدأ معاً الدخول في عالم المشردين عبر هذه الفقرة من الكتاب: "كنت أحاول ان أتصيد بعض الوجوه المشردة لتصويرها فنظرت إلى الفتحة التي تقود إلى ذلك الحضيض الذي أسفل المبنى، فبدا لي المكان كأنه قبو معتم إلا من إضاءة ذاهية تنبعث من أشعة عبر الممرات".
*كما ذكرت لكم فإن بطل الرواية - إذا صح التعبير - كان يريد إجراء تحقيق صحافي مصور عن الطفولة المشردة في محاولة للفوز بوظيفة محرر صحافي في إحدى الصحف، لكنه بعد أن عاش التجربة وسط مجموعة من المشردين صرف النظر عن التحقيق الصحافي ومزق أوراقه وصوره.
*تعالوا نقف سوياً عندهذه الفقرة من الكتاب : "بعد ان عشت تجربتي القصيرة في عالم المشردين وأحسست بمعاناتهم تعلمت منهم ضرورة تمسك الإنسان بعزة نفسه والإعتزاز بكرامته.
*سأقفز سريعاً على الأحداث والمواقف التي التي جاءت في سياق التداخل الرومانسي بين حكايته الشخصية وحكايات الاخرين بكل زخمها الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والأخلاقي، لأصل معكم إلى نهاية هذا الكتاب الذي لم استطع تصنيفه أدبياً رغم كل مافيه من مشاهد ومواقف وإنفعال وتفاعل.
*يقول الكاتب في ختام الكتاب: "إنها ليست صدفة أن نلتقي بهؤلاء الأطفال بل هم جزء منا خرجوا من دواخلنا ليجسدوا بحيواتهم الزائفة أحلامنا .. ترى فيهم كل الفئات فمنهم الطفل والمراهق والنساء والكهول والعجزة، هم ليسوا مجرد ظاهرة غير حضارية بل هم إفرازات لها جذورها في مجتمع مطحون إقتصادياً نتيجة للسياسات العشوائية والفوضى والتساهل في ملاحقة المفسدين ومحاسبتهم.
*هكذا ألقى مؤلف الكتاب فتح الرحمن باردوس حجراً إنسانياً في بركة المجتمع الذي لا يتعمق في الظواهر النفسية والمجتمعية لهؤلاء المشردين ويحكم عليهم بالمظاهر الذي لاتكشف معادنهم وقدراتهم وإمكاناتهم الكامنة التي لم تجد فرصتها للتحقق.