فى سودان ما قبل الإنقاذ ، كُنّا نسمع عن قصّة ( العزّابة )  الذين قبضوا فى قلب منزلهم ( حرامى )، فقرّروا مُعاقبته، بأن جمعوا له ملابسهم المتّسخة ( الوسخانة) و أمروه بغسلها حتّى إذا ما جاء الصباح، وأشرقت الشمس، تركوه يذهب إلى حاله، تُلاحقه (الفضيحة)، والعار بأنّه ( فُضح) فى الحى أو المدينة أو القرية أو المنطقة الجغرافية المحددة، وكانت هذه العقوبة – وحدها – كافية، لأن يدير بعض الحرامية البصر كرّتين قبل الدخول فى مغامرة سرقة بيوت العزّابة، وقد يترك بعضهم ( الشغلة)، خوف الفضيحة، لأنّ المجتمع السودانى وقتها، كان فيه بعض حياء، وكانت تسوده قيم ( السترة والفضيحة متباريات) وكُنّا نسمع – أحياناً – عن قصص أهل الحى الذين، كانوا يُمارسون ذات العقوبة أو عقوبات مُشابهة ضد الحرامية، ثُمّ سمعنا قصصاً مُشابهة عن ( الرش ) بالماء البارد جدّاً، فى ( عز الشتاء )، كما سمعنا بقصص أهل بعض الأحياء الذين كانوا يطوفون بالـ( حرامية ) فى السوق الكبير، وتشييعهم بجوقة من أطفال الحى، يزفونهم بعبارة " ياهو ....ياهو ...حرامى – حرامى " قبل تسليمهم للشرطة، لتقوم الدولة بالإجراءات القانونية اللازمة...إلخ ! .
الآن، وصل المجتمع السودانى إلى مرحلة من "القسوة "، و العُنف المجتمعى " المادى "، شاعت فيه ثقافة " التعذيب " المؤدّى إلى القتل خارج القانون، وهذا ما حدث فى مقطع الفيديو الذى، يظهر فيه شاب، قيل أنّه (سرق )، فكانت عقوبته " الشعبية " الضرب والسحل، بل وصل العذبون إلى مرحلة إستخدام (الشطّة)، بدسّها فى مناطق حسّاسة، من جسده، لينتهى (حفل التعذيب)، بالموت، أى القتل العمد، والغريبة – بل – الأغرب ، أنّ هناك من يُحاول أن يجد لهذه الظاهرة المببرات، والتخريجات الفقهية، ويُحاول أن يُسوّق لها بصورة، تجعل من قانون الغاب المرفوض فى كُل الأعراف والأديان المتحضّرة، هو الحل!.
ماحدث من عُنف مجتمعى ضد الشاب المُتّهم بإقتراف جريمة ( السرقة ) هو جريمة مركّبة، لا يُمكن محو آثارها بمجرّد، الحديث عن تطبيق العقوبات وتشديها، بما فى ذلك، المطالبة بعقوبة (الإعدام )، وهو مواصلة وإمتداد طبيعى لسيادة ظاهرة وثقافة قتل أسرى الحرب، والذى عبّرت عنه سياسة " أكسح "، " أقتل "، و " ما تجيبو حى "، وسياسة حرق القُرى ومعاقل ومضارب الخصوم، وهذا سجل مجزى فى تاريخ الحروب !.  
نفس المجتمع الذى وصل إلى هذه (القسوة)، صعدت فيه – فى شرائح أُخرى – ظواهر عجيبة، فى الترف الإقتصادى والتفاخر الإجتماعى، نذكر منها - اليوم- ظاهرة ( حنّة الخريج ) وهى ظاهرة تفاخرية شاعت مؤخّراً، بصورة ملفتة للإنتباه، ومُثيرة للجدل، حيث ارتبطت بحفلات ( التخرُّج) من (الروضة)، فى أدنى السلّم، أو التعليم ما قبل المدرسى، وحتّى التعليم ( الجامعى )، وقد بلغ سيلها زباه، إلى درجة – يصعُب وصفها – و لا يُمكن تخيُّلها لولا سرعة وسائط " الميديا الإجتماعية"، فى نقل مقاطع الفيديو (الصادمة)، التى عُرض فيها مؤخّراً، طالب خريج جامعى (يرقص) " دون أن يُغطى دقنه"، كما يقولون، مُعبّراً عن فرحته بـ(التخرُّج) من الجامعة، بطريقة مُستفزة وغريبة أمام الكاميرا والجمهور الكبير، وهو يرتدى زى التخرُّج " الروب "، ويمضى فى العرض، ليصل فى لحظة فارقة ( التحلّل ) منه، أمام دهشة الجميع، وهناك عشرات إن لم نقل مئآت الظواهر التى تستحق الرصد والتوثيق والإنتباه لها، وهى جميعها تُظهر التحوُّلات المجتمعيّة، وتنتظر الدراسات، التى تُعالج بعلمية تلك الظواهر، لا القرارات ولا الفرمانات الفوقية، التى تقمعها، وتجعلها تتحوّل من ضوء ( العلن) إلى ظلام ( السريّة)، وهنا مكمن الخطورة الأكبر!.      
الآن، وما لم ننتبه جميعنا - حكومة ومُعارضة، وما بينهما، وما دونهما- وصحافة وإعلام قديم وجديد وبديل، للبحث عن علاج مُجتمعي حقيقى لظواهر شتّى منها العنف المجتمعى، التى ظهرت آياته  فى مقطع الفيديو الصادم ( الشاب المتهم بالسرقة)، أو الظزاهى الأخرى التى جسّدها مقطع ( الخريج ) الذى يحتفى بنجاحه الأكاديمى بصورة مًستفزة للمشاعر، وما لم ينتبه العُلماء، وأخص بالذكر علماء الإجتماع وعلم النفس والسياسة والإقتصاد، وعلوم القانون والجريمة والطب النفسى والطب المجتمعى، وغيرهم من العُلماء الشُجعان،  سيُغادر السودان ( الفضل) مرحلة (الصُعود إلى أسفل المدينة)، التى جسّدها أديبنا الكبير على المك، فى مجموعة قصصية خالدة،  إلى مرحلة ( الصُعود إلى أسفل المدنية ) .. فيا عُلماء الإجتماع وعلم النفس وعُلماء الإقتصاد " محرك التاريخ "، وعلماء السياسة، أُخاطبكم جميعكم، لا أستثنى منكم أحدً، سوى " علماء السلطان"، تُرى ما العمل ؟!.   
   
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.