دخلت أزمة دارفور نفقاً كثير الإظلام، قد يصبح " الداخل فيه مفقود والخارج مؤوود "، وذلك لأنّ الإرادة السياسية الحقيقية لحل الأزمة، مازالت منقوصة، إن لم نقل غائبة، حيث ظلّت الحكومة تُراهن على الحل العسكرى الأمنى، فى مقام السياسى، الإجتماعى ، الإقتصادى، وعوّلت طيلة سنوات الإحتراب المُرّة،بين الدولة والحركات المسلحة، حول (السلطة والحُكم )، وبين القبائل المتصارعة حول (الثروة والأرض )، على منهج " فرّق تسُد"، وللأسف فقد ابتلعت مُعظم الأطراف الأخرى فى الأزمة الطُعم، وراحت تخوض فيه مع الخائضين.

الآن تدخل أزمة دارفور نفق " أزمة " (إستفتاء دارفور)، حول المصير الإدارى بين ( الإقليم الواحد) و( الولايات ) الحالية - وربّما اللاحقة- وهو استحقاق قانونى، وفق إتفاقية الدوحة، يحتاج الإيفاء به ، لا إلى مُجرّد إجراءات عادية روتينية، بيروقراطية، ميكانيكية، تبدأ بتكوين مُفوّضيّة، لتقوم بإجراء اللازم، تكون محصّلتها الأخيرة، المزيد من الحرب والإقتتال والدمار لدارفور، على طريقة الحكمة المنسوبة لـ( البصيرة أم حمد ) التى أوصت بـ(قطع رأس العجل) لإخراجه من الجرّة التى علق بها، فلمّا قطعوا الرأس، أشارت لهم، بـ(كسر الجرّة) فمات العجل، وماسلمت الجرّة من الكسر!.  

صحيح، ولا جدال فى أنّ إستفتاء دارفور إستحقاق قانونى، يتوّجب الإيفاء به، ولكن، يبقى كُل ذلك مرهوناً، بعملية سياسية مُجتمعية مُتكاملة، تنشُد - بدءاً وانتهاءاً- إنهاء الأزمة الطاحنة، وإستقرار دارفور، وفتح المسارات الحقيقية لسلام مُستدام، يعُم خيره دارفور المكلومة والسودان أجمع، وهذا هو (بيت القصيد). ومن الحكمة أن يُنظر لهذا الأمر ( دارفورياً ) و( سودانياً ) بصورة كُليّة، ورؤية إستراتيجية صائبة، بعيداً عن ضيق أُفق " التكتيك" الذى يحصر أمر الإستفتاء بين (السلطة الإقليمية)، و(حزب المؤتمر الوطنى الحاكم)، ومن المهم أن نقول إنّ الخروج بمسألة ( إستفتاء دارفور) من الثُنائيّة، إلى الجماعية، يحتاج إلى إعمال الفكر والعقل السودانى الجمعى بأكمله، بعيداً عن لعبة (تسجيل الأهداف)، والإعلان المجّانى عن (المواقف العدمية)، فأزمة دارفور ظلّت تُراوح مكانها، منذ أكثر من عقد من الزمان، وقد مرّت تجارب الحلول " النيّة " بكل العواصم، والوساطات، دون أن تجد الحل الشامل الذى يُطفىء نار الإحتراب والإقتتال، وهو الحل المنشود والمطلوب، والذى يُجسّده  مفهوم (العدالة الإنتقالية)، والذى ينشد العدالة وإبراء الجراح والإنصاف لضحايا الإنتهاكات، ويتوسّل لإستدامة السلام، بالإعمار المدروس والمُخطّط له علمياً، والتنمية المُستدامة، والمُشاركة الحقيقية لكل مكونات المجتمع فى دارفور، وبدون ذلك، ستدخل أزمة دارفور مُنعطفاً جديداً، ستُعقّد الوصول للحل الحقيقى للأزمة الدارفورية، التى استحكمت حلقاتها، ويدفع ثمنها ملايين المواطنين الدارفوريين البسطاء، ما بقى منهم فى دارفور على قيد الحياة وهامشها، وما نجى من المحرقة الدارفورية، ليعيش فى مُعسكرات النزوح داخل السودان، ومناطق اللجوء فى البلدان المجاورة أو البعيدة، وأولئك الذين يعيشون فى الإنتظار المُر فى المنافى الإختيارية والإجبارية، والدياسبورا، وطُلّاب العلم فى الجامعات والمدارس السودانية وغير السودانية، وفئة الشباب التى دمّرت الحرب آمالهموطموحاتهم، والنساء ضحايا العنف ضد النساء، بما فى ذلك، ضحايا التحرُّش الجنسى، والإغتصاب، والأطفال الذين سلبتهم الحرب اللعينة، وويلاتها حق التمتُّع بطفولتهم، وبإختصار كُل ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، هؤلاء وأولئك جميعم، يستحقون النظر إلى مطالبهم العادلة، ويستحقون الإستشارة الحقيقية، والمُشاركة والشراكة، فى قضية تخصّهم جميعهم، وليس - فقط- الأطراف الموقّعة على الإتفاقيات السياسية، أو الرافضة، للدخول فى العملية السياسية الدائرة - الآن - تحت مسمى الحوار الوطنى، أو تلك التى تنتظر السوانح لتجلس على مقاعد التفاوض المُرتقب، والمُفاوضات والوساطات الجارية هنا أو هناك.

دارفور عشيّة ( إستفتاء دارفور) فى خطر حقيقى، وأكثر من أىّ وقتٍ مضى، والسودان بأكمله فى منعطف طُرق، ومن الخطورة بمكان التعويل على منهج، وضع الحصان خلف العربة... فهل تصل هذه الرسالة لكل من يهمه، أمر وسلام وإستقرار دارفور؟ أم أنّنا نحرس فى أرضٍ بور، وننفخ فى " قربة مقدودة "..وها نحن نختم بواحد من الأمثال الدارفورية لنقول " ألمى حار ولا لعب قعونج"!... فيا أهل دارفور إنتبهوا !.  


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.