لا شكّ فى أنّ ميلاد وبزوغ فجر(صحافة الإنترنيت)، قد شكّل عصراً جديدياً، بدأت فيه الصحافة المكتوبة " الورقية " تواجه خطراً حقيقياً، جعل أباطرتها وبُناة أمبراطورياتها، فى العالم الأوّل والعوالم الأخرى التى تليه، يفكّرون جديّاً فى تجهيز أنفسهم للإنتقال السلس، لمرحلة جديدة..وكما كان - وسيكون- لكل مرحلة تاريخية مستحقاتها وخيرها وشرّها، ولها رابحيها وخاسريها، فإنّ الصحافة المكتوبة الورقية، ظلّت هى الخاسر الأكبر، فى عصر صحافة الإنترنيت، وقد شاهدنا - ومازلنا - نُشاهد كيف بدأت المؤسسات الصحفية العالمية الكبرى، تتحسّب لذلك، التحوّل الجديد والتطوّر الخطير، وتعد العدة لتدخل بخوفٍ وجزعٍ كبير مرحلة الإنتقال، وتحسب ألف حساب لمشكلات الصحافة الورقية، وفى مقدمتها المشكلات المالية، التى من أهم أسبابها الأزمات الإقتصادية العالمية والمحلية، وتلك الصُعوبات التى يخلقها إرتفاع أسعار الورق ومدخلات الطباعة الأخرى، من أحبار وغيرها، و بلا أدنى شك، إنحسار الإعلان، الذى يُشكّل - كما هو معروف- عصب الصحيفة الورقية.

إذا كانت بلدان الإستقرار الإقتصادى والسياسى، أصبحت تُعانى صحافتها الورقية من الأزمات الإقتصاديّة، فما بالك بالصحافة الورقية، فى بلدان الإنتقال السياسى، وبلدان الإقتصاد الهش، وإقتصاد الرأسمالية الطُفيليّة، الذى هو بإختصار ( إقتصاد الخراب والدمار ) ؟!.

بلادنا السودان (الفضل ) والدول المُجاورة، والمنطقة بأكملها، وصحافتناالسودانية على وجه الخصوص - كما صحافة تلك البلدان- ليست إستثناء، وقد شهدنا طيلة عصر الإنقاذ، وبصورة ليست مسبوقة فى تأريخ الصحافة السودانية، إغلاق عشرات الصُحف الكُبرى والصُغرى، لأسباب " إقتصاديّة "، إذ واجهت - فى البدء- الصُحف المُستقلّة والمُحترفة حصاراً ضارباً، سياسيّاً وإقتصاديّاً وأمنيّاً، وهجمات قاسية من دولة قمع الحريات وإنتهاك حرية الصحافة والتعبير، وشهدنا إستخدام أسلحة ونيران (الضرائب) الباهظة، و سيوف وحراب (الزكاة) " المدغمسة "، ضد صُحف بعينها، فتمّ خنقها، بنيّة الإجهاز عليها و" تفطيسها " أو (تدجينها)، حتّى تمّ إخراج بعض الصُحف المغضوب عليها، من سوق المبيعات، لتحل محلّها صُحف رضعت من " شطر" النظام، ولبنه الفاسد، ولقيت من الدعم المادى والمعنوى، المُباشر وغير المُباشر، والصرف المُعلن وغير المُعلن، البلايين من الدولارا و (الدنانير) والجُنيهات السودانية، بـ(القديم والجديد) ومع ذلك، وصلت فى نهاية المطاف، إلى الخروج من السوق، وإشهار الإفلاس مُضطرّة ومُجبرة، على تلك النهاية المؤسفة، وقد تمّ كُل ذلك، أو بعضه، فى إطار الصراع الخفى والمُعلن بين الأجنحة والتيارات ومراكز النفوذ، الذى يُخوضه فى جبهة أُخرى الممولون الحقيقيون، لصحافة الإنقاذ!. نقول - كُل هذا- هذا دون ان نُنكر أنّ هناك مشاريع صحفية قليلة، خاصّة، هدف أصحابها، إلى مواصلة مُشوارهم، فى المهنة، وفى صناعة الصحافة، ولكنّهم إصطدموا بهذا الواقع المرير، فما كان أمامهم سوى الإنسحاب، من السوق.

إذا كانت " الرأسمالية تحفر قبرها بيدها " على حد تعبير ماركس، فإنّ صحافة الرأسمالية الطفيليّة ( الإنقاذية)، ماكانت تدرى – لجهلها بحقائق الحياة والتاريخ -  أنّها تحفر قبرها بيدها، وترمى بنفسها و " صحافتها " فى مزبلة التاريخ، ولكنّها - للأسف- ترمى  بشعبنا وبصحافتنا فى مقابر السوق!. وبمثلما إستثمرت الرأسمالية الطفيلية " الإسلامية " ( الإنقاذية) فى الخدمات الضرورية، من صحّة وتعليم، فدّمرت بُنياتها التحتية والفوقية، وفشلت فى تقديم خدمة  جيّدة، كانت النتائج كارثية  على الصحافة السودانية، ولم يتوقّف ذلك، فى تدمير الصحافة المُستقلة والحُرّة،  بل طال مؤسسات صحفية من صُنع يدها وأُخرى محسوبة عليها،  وعاد إستثمارها و" دغمستها " فى الصحافة، على صناعة الصحافة، وعلى الصحافة المهنة والعاملين فيها من صحفيين، وكوادر مساعدة، فى الصُحف والمطابع ودور التوزيع، بالوبال الكبير.

أذكر - فيما أذكر- على أيّام طيبة الذكر، صحيفة (ظلال ) ومشروعها النبيل، أنّنى كُنت قد أجريت لقاءاً صحفياً نادراً، مع عميد الصحافة السودانية، و شيخ الصحفيين السودانيين، الإستاذ محجوب محمد صالح، وهو ثالث ثلاثة، وهبوا عمرهم للإستثمار النظيف فى الصحافة الورقية المُحترمة، فكان تأسيس مشروع صحيفة ( الأيّام ) التى (أسّسها المحجوبان وبشير) فى عام 1953، بفكرهم وجهدهم وعرقهم و "حُرّ مالهم "، وقد رحل عن دنيانا، الإستاذان الجليلان بشير محمد سعيد ومحجوب عُثمان " طيّب الله ثراهما، وظلّل قبريهما الغمام، وبقى أستاذنا وأستاذ الأجيال الصحفية، محجوب محمد صالح،يُناضل ويُكافح ويُثابر و "يُعافر" إلى يومنا هذا، فى سبيل صحافة حُرّة ومُستقلّة ومهنيّة، كُنت قد سألت فى حوار (ظلال) عن الإستثمار فى الصحافة، فجاءت إجابته المُلهمة، " الإستثمار فى الصحافة، إستثمار فى الديمقراطية " !...

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.