المتابعة الحصيفة للأزمة المستفحلة فى دارفور تؤكّد - بما لا يترك مجالاً للشك والظن- أنّ الإقليم المُلتهب - مازال - يرقد تحت برميل بارود ساخن، وأنّ الحديث المُطمئِن، الذى تُسوّق له بعض الدوائر، ليس سوى تعبير فطير، إمّا عن رغبة ذاتية،عند البعض، أو أمانى، بعضها شاعرى واهم ، وبعضها حتماً صادر من " مستفيد "، من بقاء ( الأزمة الدارفورية ) على حالتها الراهنة. ومالم ينتبه الجميع لحقيقة مايدور من صراع طاحن فى دارفور، سيأتى اليوم الذى يعض فيه، الجميع " أصابع الندم" !. 

فيما تصف الخاجية البريطانية، الوضع القائم فى دارفور بـ( الهشاشة)، فإنّ الخبير المستقل لحقوق الإنسان، بعد زيارته " الخاطفة " الأخيرة، للإقليم، يرى أنّ الوضع ( مستقر)، وما بين ( الهشاشة ) و(الإستقرار) بون شاسع !. أمّا الحكومة السودانية، فمازالت تروّج عبر دبلوماسيتها واعلامها الداخلى والخارجى، أنّ الأزمة فى دارفور قد ( انتهت ) و أصبحت فى " خير كان " !، وأنّ أيام أهل دارفو - بعد " سلاماتها الكثيرة - قد أصبحت " باسطة " !.. والحقيقة المزرية على الأرض الدارفورية، تؤكّد أنّ جميع هذه التوصيفات ليست دقيقة، بل، يكذّبها الواقع المرير، " إذ ليس من سمع، كمن رأى"، وتحتاج الحلول الناجعة، للأزمة الدارفورية، لإعمال البصر " كرّتين"، إن كانت كُل الأطراف المعنية بحل الأزمة الدارفورية، صادقة وفاعلة فى البحث عن حلول صائبة، يكرّسها سلام مستدام، ويؤمّنها عدل وانصاف، ومراعاة لحقوق الضحايا.
من ( الهشاشة الفكرية ) أن يرى البعض أنّ مواصلة سياسة الإتفاقات الثنائية بين حركات مسلحة فى جانب، والحكومة فى الجانب الآخر، أو أنّ مجرّد اطلاق سراح أسرى، عبر " اسقاط عقوبة الإعدام " عن ( 259) من منسوبى بعض الحركات المسلحة، ممّن تمّ أسرهم خلال دخول حركة العدل والمساواة لأمدرمان، ومعارك أُخرى فى دارفور، هو نهاية الأزمة وخاتمة الصفحات فى ملف القضية الدارفورية، التى مازالت تنتظر رحابة العدالة الإنتقالية، بمفهومها الواسع، الذى يفتح الطريق لحلول مستدامة، لا غالب فيها ولا مغلوب، ولا ظالم ولا مظلوم، لأنّها السبيل الوحيد للمعافاة الكاملة !.
نقول هذا، و نعلم - كما يعلم الجميع- أنّ المحاكمات التى تمّت بحق هؤلاء الأسرى، كانت محاكمات سياسية، تمّت فى ظروف سياسىة محدّدة، وفى أوضاع " استثنائية " فيها مخافات بائنة لأُسس المحاكمة العادلة، بل، وأُسس القانون الدولى، والقانون الدولى الإنسانى، والمعاهدات الدولية المعلومة، حول معاملة الأسرى، وهذا حديث أصبح معلوم لـ(راعى الضأن ) فى " خلاء " دارفور، وغير دارفور، والثابت - حتّى اليوم- إنّ السجون والمعتقلات، فى الخرطوم وفى غير الخرطوم، مازالت ترزح بمعتقلين و" أسرى " لم يشملهم القرار الرئاسى بعد، وهذا مؤشر لمحدودية القرار، و لـ" انتقائيته "، فيما المطلوب خطوات أكثر مصداقية، فى طريق حل الازمة الدارفورية.
قرار اطلاق سراح الأسرى يجد الترحيب، و دون التقليل من فرحة ذوى الأسرى، وزملائهم، وأصدقائهم، ومعارفهم، بإطلاق سراح ( الأسرى)، نرى أنّه مازال ناقصاً، ويبقى معلّقاً فى الهواء، ما لم يُستكمل بالسير بجدية ومصداقية، فى طريق الحل الشامل و العادل والمستدام لأزمة دارفور، ومعالجة الأسباب، بدلاً عن الإتكاء على شماعات النتائج، وسيبقى قراراً منقوصاً، ما لم تُقلع الدولة - ونهائياً - عن منهج الحل العسكرى الأمنى، لأزمة دارفور، ومالم يفتح - الجميع - الطريق لتمكين ( العدالة الإنتقالية ) فى دارفور، والتى فيها من التدابير - المعلومة للجميع - القضائية وغير القضائية، إذ تتضمن هذه التدابير معالجات أشمل للأزمة ، ومنها - على سبيل المثال، لا الحصر- الملاحقة القضائية ، و المعافة وجبر الضر، وانصاف الضحايا، فردياً وجماعياً، من أجل تحقيق معالجة جذور الأزمة الحقيقية، والتى هى فى البدء والمُنتهى، أزمة (( حقوق انسان )).... وهذا هو المطلوب.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.