على مدى سنوات طويلة ومنذ تاسيسها فى 31 يوليو 2007، بقرار مجلس الأمن بالرقم 1769، ظلّت ( اليوناميد ) - وترجمتها (بعثة الإتحاد الأفريقى والأمم المتحدة فى دارفور) - بمكوناتها المدنية و" غير المدنية " / الشرطية، تعمل وفق تفويضها المتمثّل فى حماية المدنيين وتسهيل المساعدات الإنسانية ودعم السلام، بالإضافة إلى المساهمة فى تعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون ومهام الرصد والتوثيق والإبلاغ عن الإنتهاكات، بغرض الوصول إلى سلام دائم ومُستدام فى دارفور، وهى مهام - بلا شك - عسيرة، فى واقع معقّد، خلقه وكرّسه شكل الصراع المسلّح فى دارفور وطبيعته وتطوّراته المتسارعة، وتداعياته الأليمة، فى مناخ العامل الرئيس فيه هو فقدان الإرادة السياسية لتحقيق سلام حقيقى، يضمن تحقيق العدالة، ويُراعى حقوق الضحايا وجبر الضرر، ومحاسبة الجناة، فى بيئة حاضنة للصراع المُسلّح الذى أثبتت الحقائق الدامغة وتقارير اللجان الأممية وغيرها وقوع انتهاكات حقوق إنسان فظيعة، يرقى بعضها لدرجة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدالإنسانية، وللأسف مازال مرتكبوها طُلقاء، يتمتعون بالحماية، والإفلات من العقوبة، فيما يبقى الضحايا فى جحيم المعسكرات و مُعاناة أماكن النزوح، والشتات القريب والبعيد.
من الإنصاف أن نقول : لقد ظلّت بعثة ( اليوناميد ) تبذل جهوداً - مُقدّرة- لإثبات وُجودها فى دارفور، وتسعى للقيام بواجباتها، ولكنّها بقيت بعثة أُممية مغلولة اليدين، ومهيضة الجناح، ليس أمامها سوى أن تمتص الإعتداءات السافرة على قواتها، وتحتسب الشهداء، وتفشل فى تعقّب الجناة الحقيقيين، خوفاً على سلامة أفرادها، وذلك بسبب قدراتها المعروفة للجميع، وبسبب التفويض الذى ظلّت تعمل وفقه، والأهم من كل هذا وذاك، أن الحكومة السودانية، لا ترغب فى وجودها واستمراها فى الإقليم، وقد وضعت أمامها جبالاً من الصُعوبات السياسية والإدارية والأمنية، ساهمت فى إضعافها، بل " تدجينها " عاماً بعد عام، وهذا حديث يطول !.
بعد صراعٍ طويل - بعضه مكشوف، وجُلّه خفى - بين الحكومة السودانية، والأُمم المُتحدة، و بينها والمجتمع الدولى، هاهو مجلس الأمن - التابع للأمم المتحدة - يُقدم على خطوة تغيير تفويض ( اليوناميد) لتصبح بلغة الأمم المتحدة ومصطلحاتها الاكاديمية المعقدة، بعثة لـ(بناء السلام) بدلاً عن وضعها الحالى كبعثة لـ( حفظ السلام )، وتصحب هذه العملية " إعادة هيكلة " يتم وفقها تقليل حجم البعثة، وتقليص أعداد العاملين فى البعثة بنسبٍ متفاوتة، والهدف المنشود فى نهاية المطاف، هو تخفيض النفقات والإنفاق والصرف على أزمة دارفور، والرضوخ لرغبة الحكومة السودانية، بالقضاء على الوجود الفعلى للبعثة، وليس بناء السلام، كما سيتبيّن للجميع فى مُقبل الأيام، ويجىء ذلك، كنتيجة حتمية للتفاهمات السياسية التى تمّت بين أطرافٍ نافذة فى المجتمع الدولى والحكومة السودانية، وقد ظلّ التفاوض مع الحكومة، فترة من الزمن، يدور بسريّة مُحكمة - بين شدٍّ وجذب، وعصا وجزرة - حول أجندة هذه " التفاهمات "، لتقوم الحكومة السودانية ومليشياتها بموجبها بالقيام بدور الشرطى فى المنطقة الذى يحرس مصالح معيّنة لبعض الحكومات الغربية، تحت ستار وشعار مكافحة الإرهاب، والإتجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية، وهى ملفّات ظلّت تُقلق المجتمع الدولى، وترى - بعض- وكالات المخابرات والإستخبارات العالمية، أنّ النظام السودانى الحالى مؤهّل للشراكة معها فى تحقيق نجاحات فيها، بغض النظرعن مايدور فى دارفور من صراع مسلّح، وأزمتها المستفحلة .
مع اتساع رقعة انتهاكات حقوق الإنسان فى دارفور، واستمرار النزاع المُسلّح فى الإقليم، وإطلاق يد المليشيات - المدعومة حكومياً - لمواصلة قتل ونهب المدنيين، ومع غياب وتغييب المحاسبة والمسائلة، على الجرائم المرتكبة بحق المدنيين، ومع إساءة معاملة الأسرى، فإنّ تغيير وتعديل تفويض اليوناميد فى دارفور، يفتح الباب - على مصاريعه - أمام المزيد من العنف و الإحتراب والإحتراق و الفوضى، وينتقل بهذا دور ( اليوناميد ) من الأمل إلى الشلل، وسيُحكم على مهمّتها الجديدة بالفشل، ويصبح من المستحيل بناء السلام .. تُرى هل أدار العالم والمجتمع الدولى ظهره لدارفور وأزمتها الطاحنة ؟!. كل هذا وذاك، ما ستكشف عنه الأيّام المُقبلات !.
فيصل الباقر
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.