عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

بتصرفٍ أترجم أدناه موجزاً كتبَته الناقدة الأدبية سيلفيا نستاسيا والناقدة المسرحية يوليا اليكساندرا كارنارو عن مسرحية "تانغو، مسيو؟"، مضيفاً اليه مشاهدتي الشخصية وما خرجت به من انطباعات وما تركه العمل المسرحي في مشاعري وعقلي:
النص المسرحي "تانغو، مسيو؟" الذي كتبه الإيطالي "ألدو لو كاسترو"، كوميديا جادة بلغة البوليفار (الشارع) الفرنسي، يمكن وضعها في إطار الأعمال التي تبحث "أزمة الأسرة"، ففي آخر الامر هذا هو سِحر الكوميديا، تتعامل مع حالات الأزمات من خلال الفُكاهَة.
يبني المؤلف كوميديا ساخرة عن العلاقات، والزواج، ومقدار الحب الذي يمكن أن يَقْتُل مجازا وحقيقة، كل ذلك على خلفية تبادل عبارات مليئة بروح الدعابة الصرفة، في راهنٍ لا يُقَاوَم وبعض مواقف كوميدية ذكية تكتنفها فُكاهَة في سًخْرِيَّةٍ.
أربع نساء مختلفات جداً، في كل شيء تقريباً، يجتمعن في منزل الحبيب "ماركو أنسيلمي"؛ اي نعم حبيب لأربعة لا يعرفن في لحظة اللقاء الذي جمعهن، ولو قليلا من هذه "التفاصيل"، ليكتشفن ذلك في صعود غاضب من التانغو.
واحدة من النساء الاربع كانت خارج المنزل، عادت اليه لتجد ان هنالك ثلاثة نساء أخريات جرى استدعاؤهن ببرقيات عاجلة، للقاءٍ في نفس الزمن والمكان مع زوجها ماركو.
ما كان ينبغي أن يكون لقاءً رومانسيا، تحوَّل إلى مهزلة مثيرة درامية، وأصبحت مزحة مأساوية لها مقدمة وخاتمة.
في بداية العرض يتضح أن كل واحدة من النساء الاربع اعتبرت نفسها حبيبة ماركو التي اختارها، وهي محقة في ذلك، فقد عاش ماركو مع كل واحدة علاقة غرامية عميقة، وقدم لهن وعوداً، غير أنه عاش معهن بالتزامن اي في آن واحد، دون أن تشعر أي منهن بذلك. وبطبيعة الحال، إن مشاعر الرجل لكل امرأة مفهومة بشكل ما، ولكنها ليست ذريعة للأكاذيب او للوضع الذي أنشأه ماركو.
زوجتان أولى وثانية، وخطيبة وحبيبة مع احتمالات جَادة في الزواج بهما، يكتشفن أن مَنْ اعتقدن أنه وفيٌ، كان في الواقع وفياً لأربع نساء في نفس الوقت، دون أن تعلم احداهن بأخْرى.
النساء الأربع رائعات، مختلفات، تتميز كل شخصية عن الاخرى بشكل جيد للغاية:
"استيفانيا" الزوجة الأولى التي اصبحت السيدة أنسيلمي قبل حوالي سنة، امرأة من طبقة عالية، تربية وتعليم ولطافة.
"أماندا" هي السيدة أنسيلمي الثانية، عروس حديثة لم يمض على زواجها أكثر من أسبوع، امرأة ذكية تسيطر على نبضاتها الغاضبة بتفكير بارد في مجمل الحالات، وعند بحث الحلول.
"كليليا" الخطيبة الملتهبة، تُصَنَّف كامرأة شابة مزاجية، ذات عواطف ساخنة، تطلق العنان لردود الفعل في عاصفة من الصعب وقفها بعد ان تبدأ.
وأخيرا "ماريسا" صديقة وحبيبة، لعوب، الطرفة على لسانها دائما، ذات بعدين رائعين فهي متصابية كمراهقة تفيض اغراء، وفي نفس الوقت تحمل مشاعر أمومة للرجل الذي تحبه.
كل من ناحيتها - استيفانيا وأماندا وكليليا وماريسا - وبطريقتها وأسلوبها وما تتميز به، كسبت ماركو الرجل الطفل الأبدي المدلل؛ غير مسؤول وغير ناضج وغير قادر أن يختار بينهن، ترك نفسه لتحمله أمواجهن وأبْحَرَ في عشقهن، تتملكه وتسيطر عليه الرغبة في الحصول عليهن الاربع.
في الفيلا التي كانت كل منهن تعتقد أنها في منزلها، كانت المفاجأة أن الخادم "كارليتو" هو فقط الذي استقبلهن واحدة بعد الأخرى في غياب سَيِّده وهو لا يعلم عن حياته السِرية "الرباعية"، حيث يعرف فقط بِنْت الاكابر استيفانيا، فوجد نفسه مضطرا للقيام بواجب الاستقبال والضيافة ومواجهة نساء هائجات اكتشفن الخديعة التي يَعِشْنَ فيها.
وسط كل هذا الجنون نجد كارليتو الخادم الوفي، هو الشخص الذي تَكَسَّرَت على رأسه حالات غضب وثورة نساء مخدوعات، الامر الذي يسْعِد ويسَلي المتفرجين، خاصة وقد تحولن الى حُلَفاء بدلا من متنافسات، وأصْبَحْنَ على استعداد لجعل ماركو "يموت من الحُبِ الكَثِيرِ".
إن اللحظات التي تتجمع فيها قصص النساء وحكاياتهن كانت لذيذة وكوميدية، تتصاعد وتيرتها إلى وَضْعٍ ساخن جداً، يتذبذب ثم يبرد، فيقْسِمْنَ على الانتقام بأي ثمن، ويقَرِرْنَ بعد لجْمِ الغرائز الوحشية، قتل الدون جوان الذي لعب بهن، بالحب.
في تلك اللحظة، وكمُشاهدٍ تتوق نفسك للتعرف على ماركو، خاصة وقد كَوَّنْتَ فكرة عن شخصيته بَلْ رسمتها بالكامل وبِتّ تعرفه مثلما تَعَرَّفْت عليهن، فتشكلت لك صورة لرجل ساحر تقع النساء في حباله، وتزداد وجبة الضحك عندما يدخل ماركو أنسيلمي. فهو بعيدٌ جدا عما رسمته له من شخصية، يتعارض حتى في شكله مع ما كنت تعتقد فالوسامة ليست من خصائصه، لكنه مناسب تماما لسياقٍ يتمحور فيه، الغباء، المبالغة، العجرفة، الافتخار بما يملك، إنه باختصار نمط لرجل يجري المال بين يديه، ويرمز لشخصية متعالية.
النساء، مختلفات جدا ولكن تربطهن نفس الخيانة، يتحدن في خطة الانتقام الانثوية، ويلتزمن بها ويعملن لها كفريق حتى النهاية. يصبح الحب ساحة معركة تُسْتَخْدَم فيها كل ترسانة الإغواء. أرَدْنَ الانتقام من حبيب غير مخلص، قَتَلَهِن مجازا بالحب، فقررن قَتْلُه حقيقة في الحب. شعرن بخيانة مشاعر الحب والعشق وقررن الانتقام من "دون جوان" عديم الوفاء بخنقه حرفيا في الحب بالحب. فهل ينهزم ماركو في ضعفه وبضعفه؟ وقبل ذلك، هل سوف يهتم بتقديم مفاجأة أخيرة لم تحسبها؟ حتما كمشاهد تتخيل كل ذلك بل قد تنتظره ان يحدث ولأنك لا تملك أن تخرج من متابعة ما يجري لتجري تفكيرا وتوسع خيالك حول ذلك، تختار أن تستسلم لمجريات الفكرة التي تشدك، أي الانتقام بالقتل بالحب في الحب!
لابد من القول، مع عدم الملل من تكرار ذات العبارات وشرحها ببعض إضافات، انه عرض مسرحي كوميدي بأسلوب الشارع الفرنسي وقد كتب به كثير من المؤلفين مثل بيير شيسنو. حبكته كانت مأساة هزلية تعالج المسألة المتعلقة بممارسة الجنس مع أكثر من حبيبة أو الخيانة في الحب، أو قُل امتداد فكرة الأسرة والمشكلات اليومية، لذلك لن تكون أبداً متفرجاً أو متفرجةً، وإنما سيكون هنالك شعوراً ببهجة متابعة القصة التي تدور حول الجنس.
العرض الكوميدي يمتلكك لأنه "مهزلة مأساوية"، وعلى قدم المساواة، "مأساة هزلية" والمفاجأة في الخدعة الأخيرة المأساوية الكبيرة حيث يموت ماركو الثري بسبب جرعات حب زائدة، بعد أن تعرض لحصار زوجتين وخطيبة وعشيقة، سحقن في بعض الأحيان الزهور التي يهتم بها خادم تحيط به هالة من جنون العَظَمَة، وكان عليه أن يواجه أي شيء آخر إلَّا الإغواء العدواني. وتظهر المفاجأة مع فتح وصية ماركو، فقد ترك كل ثروته والأهم المنزل، لخادمه، وعلى النساء الأربع التصرف. فماذا تتخيل قرارهن؟ أي نعم، القيام بما تَمَرَّسْن عليه، العمل لِقَتْلِ كارليتو بذات الطريق التي مات بها سَيِّده، في الحب بالحب! فلا يتبقى لك إلَّا ان تغادر القاعة بعد صفقة طويلة وأنت تفكر في مصير كارليتو.

أُسْدِل الستار بالقول، إن ملاحظات جريئة عَزَّزت العرض المسرحي، تتعلق بتحديد الشخصيات الفكاهية والفعالية. وعلى الرغم من أنهم يلعبون أدوارهم بشكل جيد للغاية، إلا أنك تشعر بالتواطؤ في الضحك مع المواقف المحرجة التي يرمون فيها أنفسهم بشجاعة، مما يسمح لك بتسلية نفسك في حرية تامة.
وإذا تركنا الفكاهة جانباً، فإن العرض المسرحي الذي أخرجته "آنكا ماريا كولتيانو" مليء بالنصوص الفرعية النمطية التي تريدها وتحبذها كمشاهد فهي نابعة من واقعك او واقع تعرفه، لتجد نفسك في مواقف معبرة من النساء عن النساء ولا شك عن الرجال، كما من الرجال عن الرجال ولا ريب عن النساء، ونقاط ضعف وقوة كل طرف في بوتقة الفكاهة التي تصهر كل ذلك، ولا غرو فإن الفُكاهَة تساعد على قول كل الأشياء بأسمائها ومعانيها الحقيقية، حرة وطبيعية.
الموسيقى المصاحبة كانت من تأليف "اوفيديو سافو يونيتسا"، والمدهش أنها مزج لإيقاعات التانغو الكلاسيكية والإيقاعات الحديثة والقوية، مما يجعل الحبْكة تمنحك يوم متابعتها الشعور بنفس المواقف والمشاكل غض النظر عن زمن وقوعها، وتصبح بالتالي مثيرة للدهشة والاهتمام وهزلية في بعض الحالات.
"الكوريغرافيا" كانت بتوقيع "روكسانا كولجياك"، وكما اعتَبر المسرحيّ الألمانيّ برتولت بريشت (1898-1956) في نصّه "الأورغانون الصغير" أنّ الكوريغرافيا هي أحد العناصر التي تُساهم في توضيح الحِكاية في العَرْض المسرحيّ، إلى جانب الموسيقى والماكياج والديكور والزِّيّ، فإنها يُمكن أن تَلعب دَوراً هامّاً في العَرْض المسرحيّ حتى ولو لم يَكن يَحتوي على الرقص. وقد تأكدت لِيَّ في "تانغو، مسيو؟" رؤية "برتولت بريشت" في ان البُعد الكوريغرافي للعرض المسرحيّ يَتشكَّل عَبْر العلامات الحركيّة التي تَنتج عن تَنوُّعات شكل الأداء، وعن حركة الجسد على الخشبة ووضعه في الفضاء المسرحيّ، وعن التجانُس أو التعارُض بين الكلام والحَرَكة، وهي عناصر ترتبط بإيقاع العَرْض.
كان عرضاً مسرحياً خرجت منه بالكثير من الطاقة الإيجابية والمزاج الجيد بفضل الممثلين الذين أدوا ادوارهم بكامل طاقتهم، بفرح وسرور. ولضرورة التقاط كافة التفاصيل مما يتطلب حضورا بأكثر من حاستي النظر والسمع، لم أسرح مع أي فكرة أو موضوع آخر أثناء المسرحية فلم ابتعد عنها أبدا، تابعت مشاهدها بيقظة شديدة وبانتباه لاقتناص التفاصيل، النص وتقسيمه على عبارات ومداخلات وحوارات الممثلين، الحركة، الإضاءة، المشهد الامامي وبالأخص الخلفي الذي عليك أن تتصوره، فتعيش معهما وبينهما في مشاهدة مكثفة، تماما مثل التانغو.
تتميز قاعة "هوريا لوفينيسكو" بمسرح "نوتارا" الكائن بوسط بوخارست في أحد أكبر وأهم شوارع العاصمة "ماقيرو بوليفارد"، بخَلْقِ جَوِّ من الترحيب الشديد بالمشاهدين والأناقة والرحابة، وحتى وإن أصبح مقعدك في الشرفة، فأنك تسمع وتشاهد كل ما حدث في غرفة الجلوس بمنزل "أنسيلمي" التي تفتح على حمام السباحة في الحديقة، بفضل تقنيات الخشبة وتموضع الممثلين، أي فن رسم المشهد من ديكور واضاءة وتصميم الحركة المسرحية وكلما يُطْلَق عليه (سينوغرافيا) وقعتها "يوانا باشكا" التي، صَدِق أو لا تصَدِق، جَعَلَت حوض السباحة حاضراً بمياهه الصافية على الخشبةِ. كيف؟ .... ما عليك إلَّا ان تتخيل ذلك، أما شخصي، كما كل المشاهدين، الْتَقَطَتْه عَيْنَيَّ مشهداً ما اروعه في نظرةٍ ممتعةٍ، فوصَلَت الفِكْرَة الألْمَعِيَّة، وما أبْدَعها مِن فِكْرَةٍ.

////////////////////