عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

• تحقيق السلام والعدالة بالدولة المدنية وليس الدينية
• المصارحة والمصالحة بعد الاعتراف والعفو تمَثِل خريطة طريق تَسْوِيَة الصفوف
• الدواعش ودعاة الغلو والتطرف والعنف ليس لهم مكان لا في الانتقالية ولا الديمقراطية ويجب محاربتهم وعلاج مؤيديهم بمراجعات فقهية
• الثورة ماضية لتحقيق اهدافها لن يثنيها الزعيق الاجوف لقوى الظلام والفساد والشمولية.. "سِدْ دي بطِينَة ودي بعَجِينَة" ولا تستمع إليه!

جرى بيني والاستاذ مبارك الكودة حوار انطلق من تسجيل صوتي رفعه صديقي الكودة في (قروبات) مشتركة بتطبيق (واتساب) للتواصل الاجتماعي وعلقت عليه بمداخلة، ثم اردفه بتسجيل ثاني تعليقا على تعليقي فكان لزاماً عَلَيَّ أيضا أن أكون عند الموعد برسالة ثانية.
أدناه تفريغ لرسالته الصوتية الأولى والثانية وتعليقي المكتوب عليهما لتعميم الحوار وجعله مشاعا وبَسْطه أمام قُرَّاء صحيفة (الوطن) وفي الفضاء الاسفيري المفتوح في الصحف الالكترونية العديدة.

• مبارك الكودة:
لفترة طويلة آثَرْت الصَمْت لأنني شعرت بأن الساحة السياسية، ولا أريد القول إن مآلاتها ستؤدي إلى فتنة، ولكنني أخشى ذلك برغم أنني متفائل وإن شاء الله نتجاوز هذه الخلافات. ولكن، لكي نتجاوزها لا بد من أن أوضح بعض الاشياء كمساهم في هذه الثورة، فإنني اعتبر نفسي أحد المساهمين فيها وكان لدي قبلها رسائل حولها، وكنت مشاركا أصيلا ضمن المشاركين بقدر ما استطعت، ومع مراعاة سني لم أستطع أن أخرج في المظاهرات كما فعل الشباب، ولكنني كنت أحمسهم وأحرضهم. ومن هذا الباب أريد أن أقول إننا الآن وكي نتجاوز هذه المحنة يجب أن نصحح خطابنا ونغيره.
خطابنا مشحون شديد، ومن الأفضل أن أي شخص يشعر بأنه مشحون، أن يصمت في هذه الايام، لأنه لا يقدم خيرا وإنما يسيء. فالرسول (ص) يقول "فليقل خيرا أو ليصمت"، وعندما تكون مشحونا لن تقول الخير والعكس صحيح، وأيضا عندما تكون مشحونا وتستطيع ضبط نفسك فحينها تستطيع قول الخير. وعليه فإن وصيتي للناس المشحونين ألَّا يتكلموا في هذه الايام. فنحن نحتاج لخطاب تَسْوِيَة الصف وليس خطاب المحاسبة والعزل والإقصاء، نحتاج بالفعل لتَسْوِيَة الصف فإن وطننا الآن صفوفه غير مستوية الكتف مع الكتف والقدم مع القدم وهي تعاليم الدين لو تعلمون، ولكننا في النهاية جعلنا من الدين شعارات وهتافات وقوانين وهذا خطأ كبير وهو موضوع ثاني نتكلم فيه في مرة أخرى، أما تَسْوِيَة الصف فهي من تمام الصلاة، والصلاة ليست بالضرورة التي نقوم بها صبحا وظهرا وعصرا وهكذا فهي أيضا الصِلَة التي بينك وبين رَبّك.. فإن كنت تريد أن تتصل بربك سَوِّي الصف مع جارك، مع زوجتك، مع أولادك ومع أهلك.
سَووا الصف يا اخواننا، فالسودان الآن يحتاج إلى تَسْوِيَة الصف، والمحاسبة بالضرورة أن تتم ولكن بالقانون وليس في منصات التواصل الاجتماعي.. ولا تتم بأن يُطْلَق شعار أو تقوم مظاهرة ضد الاسلاميين وأخرى بالجهة الأخرى ضد اليسار، فاليساريون سودانيون ومن حقهم أن يعيشوا في السودان وأن يحدث تداول للسلطة بالصورة السلمية، وكذا الاسلاميون سودانيون من حقهم أن يمارسوا حقوقهم ليتداولوا كذلك السلطة مع غيرهم بالصورة السلمية، والسلمية ليست معناها أن تكتب أي كلام وتجيئ إلَيَّ به وتفوز به وتنفذه، فالصورة السلمية أصبحت معروفة في العالم أجمع، ومن يريدون أن يحققوا بينهم السلام والعدالة فإنهم يقيمون بينهم دولة مدنية وليس دولة دينية.
الدولة المدنية تقف على مسافة واحدة من كل الناس، وحاليا الهتافات التي يهتف بها الاسلاميون تريد أن تقيم دولة لا تقف على مسافة واحدة من الشيوعيين ولا على مسافة واحدة من البعثيين ولا على مسافة واحدة من اليساريين عموما، كذلك الدولة التي يريدها بعض الناس، اكرر بعض الناس الذين يريدون استغلال هذه الثورة، لا تقف أيضا على مسافة واحدة من كل الناس، فإنها تريد عزل الاسلاميين وربما يريدونها أن تعزل المسلمين عموما، وأكيد هنالك بعض الناس يريدون ذلك وليس كل الناس.. ونحن الآن لا نخاطب العام وانما الخاص الذي يؤثر، فقد استمعت لتسجيل من شخص يقول "إن ثورتنا هذه"، واطلق عليها "ثورتنا".. وأنا لا أقبل أن تنسب الثورة لنفسك ولجماعتك، وقال "إنها جاءت ضد الإسلاميين".
هذه الثورة ليست ملكا لشخص أو لجماعة وإنما للشعب السودان، وقد قلت ذلك قبل أن تنجح، وعليه أي شخص يدعي أن هذه الثورة ملكه أو (حقته) فهو كذاب ومنافق وأشر. فلو ادعى الإسلاميون أنها حقتهم أو المسيحيون ادعوا ذلك أو لو جاءنا جِنٌ احمر من فوق ونسبها لنفسه أو حتى ملائكة وقالوا ذات الشيء، فسيكون ذلك غير صحيح. إن الثورة ملك للشعب السوداني بمختلف أطيافه ولا نريد أي جهة أن تحتكرها.. فالاحتكار والاقصاء غلط.
وهنالك العدالة.. فهي مسألة قانونية ومرتبطة بالقانون، وليس هنالك حقا لأحد بأن يقف ويطلب إعفاء شخص آخر لأن هنالك قانون.. ليأتي القانون بمبارك الكودة ويحاسبه، وبعد ذلك قد تكون هنالك ضرورة ليحاكم بحسن السير والسلوك لمدة خمس سنوات بألَّا يمارس السياسة. ليحدث ذلك، تعالوا نسِن ذلك ونضعه في القوانين وبأسبابه كعقاب كي لا يحدث ما حدث مرة أخرى ولنفعل كما يحدث في كرة القدم بأن يؤدبوك بالقانون ويتم ايقافك سنة، سنتين، أو ثلاثة مباريات كي لا تغلط مرة أخرى وكي يتم زجر الآخرين، فالعقاب أصْلاً زواجر، فإذا سرقت تُسْجَن وهكذا.
أعتقد اننا نحتاج لنسَوِّي الصف ونفشي السلام بيننا. أفشوا السلام بينكم.. "حرية سلام وعدالة"، أفشوا الحرية، والحرية معناها أن تقبل الآخر، والرسول (ص) يقول "أفشوا السلام بينكم"، وهذه الثورة لن تنجح بالخطاب المشحون من الجانبين. المسألة ليست "رجالة"، فليس اولئك أرجل من هؤلاء أو هؤلاء أرجل من اولئك، القضية أنهم سيبقون لبعض "خميرة عَكْنَنَة" فالصف ليس مُسَوَّى.
بعد أن تؤسس قوى الحرية والتغيير حكومتهم، فسيبقى كثير من الناس بالنسبة لهم خميرة عَكْنَنَة، كل يوم إضراب، وقد يصبح الأولاد المحتشدين الآن في ساحة الاعتصام ومؤيدين للثورة، بعد خمسة أو ستة أشهر 70% منهم ضدهم. وإذا لم يحققوا لهم أغراضهم من المؤكد سيكونون ضدهم، وسيجيئ يوم يحتشدوا في نفس "الحتة دي"، لأنك أساسا لم تعلمهم متى يحتشدون أو لا يحتشدون هنا، وما علمتهم "حرية معناها شنو"، وما علمتمونا معنى "سلام شنو"، وما علمتمونا "عدالة معناها شنو".. ولذلك "حا يجوا يقعدوا ليك هنا" ومع الاسلاميين الذين طردتهم وسيصبحون لك خميرة عَكْنَنَة.
أفشوا السلام بينكم، سَووا الصف و"خليكم حكماء"، انها فرصة يجب ألا تضيع، والله انني أرى لو اضعتموها "سينط العساكر تاني" ويستلموها. ومن حقهم طبعا وبالدستور، فإذا الناس لم يتفقوا فمن حقهم، والقانون يعطيهم ذلك ولا تَقُلْ لي ان امريكا قالت، فأمريكا "قاعدة تقول والناس تقول" وإذا ناس الجيش ارادوا استلام السلطة فسيستلمونها حتى إذا امريكا نفسها لم تساعدنا، والناس يجب ألَّا يتخيلوا بأننا تابعون لأمريكا وما تقوله نفعله. انتم تابعون لأنفسكم، سَووا الصف وأفشوا السلام بينكم "وما عندنا شغلة" بأمريكا وغيرها من دول الجوار.. سووا الصف يا سودانيين وأفشوا السلام بينكم.
يجب أن يجلس الشيوعي كفكرة مع الاسلامي كفكرة ويتفقا على الوطن، أكرر على الوطن، لإنشاء دولة مدنية تقف على مسافة واحدة من كل الناس، فهل هذا الامر يحتاج لصراع؟ لماذا وعلى ماذا نتشاجر ونختلف؟ لنتفق على هذا.

• عصام محجوب:
تسوية الصف عبادة ولذلك يدعوكم مبارك الكودة لها. تلك هي أول خلاصة التسجيل أعلاه، وعن مساهمته في الثورة ومشاركته كخلاصة ثانية ثابتة، كتبت في رسائل سابقة، وأقِرُ الآن "حقاً كان له قدح مُعَلَّى فيها".
الثابت هو أن الثورة، كما أكد الكودة مبارك، ملك لكل الشعب السوداني، كل الشعب بالفعل، ولكنها كما معلوم ضد النظام السابق، وفي نفس الوقت كما يتضح بجلاء ودون جدل او "غُلاط"، ضد جماعات الاسلام السياسي. أليس كذلك يا صديقي مبارك؟ هذه مسألة يجب ان نتفق عليها لننتقل لمربع جديد، للدولة المدنية التي يريدها الكودة وأتفق معه حولها وبدون عزل لأي طرف.
أي نعم، لا لعزل أو إقصاء لأحد، ولكن على جماعات الاسلام السياسي أن يذهبوا لمراجعاتهم ويعودوا إلينا، خلال الفترة الانتقالية أو حتى بعدها، معترفين بالدولة المدنية التي ينادي بها مبارك الكودة وتحفظ كل المسافات بين أتباع كل الاديان والعرقيات والثقافات التي يزخر به السودان.. ليجدوا أماكنهم بيننا ولنعمل سويا لتأسيس سودان التنوع والتعدد والوحدة الوطنية التي نتفق على أسسها وثوبتها بالوفاق الوطني الشامل لا بالانتخاب ولا بالانقلاب.
هل يريد اخونا مبارك الكودة تحقيق إجماع مية المية؟ لا أظن.. وإن أراد عليه الاتعاظ بتجارب السيد الصادق المهدي الفاشلة، فلم يفشل السيد الصادق إلَّا لأنه سعى للمستحيل الذي أنتج عدم تحقيقه للمتاح والذي كان متوفرا له تحقيقه، فاتسمت سياسته بالتردد الذي اتصف به أداء السيد الصادق.
هل يريد مبارك الكودة أن يتفق الذين أسقطوا النظام البائد مع ركائزه وبقاياه حول الفترة الانتقالية ومستقبل الحكم في السودان؟ هل يريد هذه المسألة المستحيلة التحقق؟
أرِنَا يا الكودة ما تريده؟ نَسَوِّي الصف مع مَن؟
أي نعم، من الممكن تَسْوِيَتِه مع الطيف السياسي العريض الذي وقف معارضا للنظام السابق وهو ما قام به اعلان قوى الحرية والتغيير، والذين لم يلحقوا الركب ولكنهم خرجوا من النظام السابق قبل سقوطه سيجدون أماكنهم ضمن "الرَصَّة" التي ابدعتها ساحات الاعتصام فالرَصَّة رصتهم.. ولذلك يبقى السؤال اخي الكودة عن أية صفوف تدعو لتَسْوِيَتها وتتحدث؟
ثِقْ أنه مااااااا ممكن تسويتها مع بقايا النظام السابق.. إلَّا بعد أن يقوموا بمراجعاتهم، وبعد المصارحة والمصالحة، وبالاعتراف والعفو ستصبح تَسْوِيَة الصفوف معهم ممكنة بل واجبة.
أتدعو لتسوية صفوف مع أمثال عبد الحي يوسف وجماعات الغلو والتطرف؟ أتتحدث عن تسويتها مع الدواعش والعالم كله يكافحهم؟ "شيل" هذا الامر من رأسك ولا تضَيِّع زمنك بالتفكير فيه، وقُمْ إلى مراجعاتك فهي أبقى، وهي أقوى، وهي ستحدد المارقين عن الصفوف وستتوفر لك أنت نفسك فرصة أن تحسبهم، "واحد إتنين تلاتة" إلى أن تحصيهم عددا، ولن يصعب ذلك بعد أن تصبح مراجعاتك واخوانك كتابا مفتوحا يعيد جماعات الغلو والتطرف، زرافات ووحدانا، إلى حظيرة المجتمع السوداني كما كان معتدلا ومتسامحا قبل تسميمه بسياسة "إعادة صياغة المجتمع السوداني" التي عمل بها وطبقها النظام البائد مُذْ إخذ السُلْطَة، كل السُلْطَة، بالقوة في 30 يونيو 89. لك تحياتي وكل الود اخي مبارك الكودة.

• مبارك الكودة:
شكرا يا عصام على رَدَّك الظريف وقد استفدت جدا منه ولم اعتبر أنك أردت إجابة على أسئلتك "بقدرما" اعتبرتها عصف ذهني لي ولغيري لنبحث كلنا على إجابات لها. واحدة من اسئلتك كانت "يا الكودة هل تريد الناس ان يقفوا في صفٍ واحدٍ بنسبة مية في المية؟".
الإجابة إن كانت أن يقفوا في صف واحد بأفكار متفقة عليها بنسبة مية في المية فطبعا لا، لأنني أكون بذلك خالفت ربنا سبحانه وتعالى الذي يقول "ولا يزالون مختلفين" فربنا خلق الناس هكذا، ولذلك خلقهم، ولهذا الاختلاف خلقهم أو أي تفسير ثاني، فالآية بهذه الصورة.
لكنني، بالمقابل أريدهم أن يقفوا في صف واحد بنسبة مية في المية في "السودانوية بتاعتهم" كسودانيين. صف واحد مية في المية ليس عليه خلاف، وقد كنت أتوقع ان الجند الاول لهذه الثورة هو أن توحد الناس وتوقفهم كسودانيين في صف واحد سوداني لأننا خرجنا من حكم عقدي ولا نريد أن ندخل في حكم عقدي ثاني. وإذا لم نّرِد الدخول في حكم عقدي جديد فيجب أن يكون صفنا سودانيا وواحدا فيه البوزي والمسلم والمسيحي والكافر والوجودي والملحد.. إنني أبحث عن صفٍ سوداني واحد، وهو أهم جند في هذه الثورة، فإذا لم تحققه تكون فشلت، وإذا الثورة أتت لتصفية حسابات ستكون فشلت.
إنني أشعر بأن هنالك فرح شديد جدا عند الناس الذين يعتبرون أنفسهم هزموا الآخرين، وهنالك حزن شديد جدا عند الناس الذين شعروا بأنفسهم انهزموا من الآخرين.
إن أغلب الذين طلعوا باسم "نصرة الشريعة"، 90% ان لم اقل 99% منهم، مع الثورة مية في المية، والآخرين في الجانب الآخر طبعا كلهم مع الثورة وهو الأمر الذي يعني اننا كلنا معها، وهنالك ناس في السجن مع الثورة لأن التجربة السابقة كانت فاشلة لا تستطيع ابدا أن تدافع عنها. تجربة الانقاذ كريهة، كَعْبَة، شييييينة، والصَفَّان المنقسمان يريدان التغيير، لكن مَنْ انتظموا فيهما أتوا إلينا بمراراتهم القديمة، نَشْعُر أو لا نَشْعُر بها فهنالك استقطاب حاد، اكرر استقطاب حاد.
كنت أريد من السنتين أو الثلاثة القادمة للفترة الانتقالية أن تصبح حوارا راقيا، مثلا عما هو الاسلام الذي نُرِيد؟ نحن مسلمون، واكتر من 90% من الناس في السودان مسلمون، وهي كلمة مهمة جدا لأنها عقيدة الناس، يصلون بها يتزوجون بها يموتون بها يبيعون ويشترون بها، إنها سلوك، الاسلام سلوك وليس قضية سهلة، فعلينا إذن أن نسأل أنفسنا ما هو الإسلام الذي نُرِيد.
لدينا تجربة 30 سنة إسلام فاشل، ودائما أقول انه لم يكن اسلاما وإنها كانت تجربة فاشلة، كان اسلاما سلفيا طبقته التجربة الفاشلة فينا وهو لم يكن الاسلام الذي نريده، وها نحن اليوم لدينا صلاتان، ناس صلوا التراويح هنالك وآخرون صلوا التراويح هنا، اولادنا أمام القيادة العامة صلوا مُغْرِبَهم وتراويحهم وآخرون فعلوا ذات الشيء في مكان آخر. هذا غير معقول، لماذا نضرب الاسلام بهذا الشكل، مسلمون هنا ومسلمون هناك، وسينتقل الصراع حول الاسلام إلى هنا أيضا، فإخواننا أمام القيادة العامة سيكَبِرون كومهم في الصلاة والآخرون سيزيدون كومهم أيضا، وهذه ليست قضيتنا، قضيتنا ليست زج الدين في الصراع السياسي بهذه الصورة.
كنت اتوقع كما قلت لك يا عصام أن السنتين أو الثلاثة القادمة أن يحدث فيها حوار فكري راقي، يستفاد فيه من التجارب السابقة كلها في "ما هو الاسلام الذي نريده؟، وما علاقة الدين بالدولة؟"، وأن يكون ذلك في حوار، حوار فكري وليس شجار واساءات والفاظ بذيئة احيانا وكلام يشع منه حقد وتصفية حسابات. مثل هذا الامر لا أريده، اضافة إلى أنه كانت هنالك تجربة سيئة للقبيلة خلال عهد الانقاذ، وأنا شاهد على ذلك، فقد استغللنا فيها نظار القبائل استغلالا سيئا، وعلينا أن نسأل في حوار "ما هو دور القبيلة؟"، نحن شعب قبلي ومجتمع قبائل، فما هو دورها، هل هو دور اجتماعي أم سياسي أم دور ممزوج؟ وما هو دور الطوائف الدينية، هل لها علاقة بالسياسة؟ فإن كان نعم لنقننها، أو لا فنبعدها. وما علاقة الجيش بالسياسة؟ هل له علاقة؟ فإن كانت الاجابة نعم فكم هو مقدار هذه العلاقة؟ وبالمقابل إن اتفقنا بأن ليس له علاقة، لنبعده.
هذه هي الاشياء التي يجب أن يكون عليها الحوار يا عصام، ولكن بالرجوع لما يتم تداوله حاليا في (الواتساب) مثلا، فقد تجاوزنا الستين وذاهبين نحو السبعين من العمر، وما يحدث الآن كلام لا يشبهنا، ولذلك انقطعت عنه وصَمَت عن الحديث في الفترة الاخيرة لأنني شعرت بأن ما يجري لا يشبهني ولا يفيد الشباب الذين صنعوا الثورة بشيء، كل حديثنا هو أنتم سرقتم ونهبتم.. نعم سرقنا ونهبنا، فإلى المحاكم.
لقد سرقنا ونهبنا وقتلنا وفعلنا "السَبْعَة وزمَّتِها" فإلى المحاكم، اقلبوا الصفحة وانتهوا منها وشوفوا كيف تستفيد هذه الثورة من كل التجربة السابقة، حتى من تجربة الثلاثين عاما الاخيرة، فهي ليست تجربة الاخوان المسلمين لوحدهم إنها تجربة سودانية، فالإخوان المسلمون ليسوا شياطين جاءونا من السماء او اريتريين او اثيوبيين ولا مصريين جاءونا من هنالك، وانما سودانيون، فور وزغاوة وشايقية وجعلية ومحس وكواهلة، إنهم سودانيون.. إنها تجربة سودانية ينبغي أن تُدْرَس، وكنت أريد القول إن كان فيها خير نأخذه معنا للأمام وإن كان فيها شر نتركه، ولكن اعْتَبِروها كلها شراً لنتجاوزها.
ولنتجاوزها وكي لا نكررها، إنني أبحث عن صف سوداني مُسْتَوٍ شديد، صف سوداني وليس صف أفكار، نتفق كلنا على الدولة المدنية التي تحقق الرفاهية والتعليم الصحيح والصحة الصحيحة والطرق المُعَبَّدَة وإحياء المشاريع الزراعية والصناعية ومثل كل تلك الاشياء التي تعني الدولة. أريد دولة تحقق لي الخير، والاهم لأبنائي الذين أتركهم خلفي، أريد دولة وليس صراع أفكار يا صديقي عصام لذلك أنادي الشعب السوداني وبالأخص شباب ميدان الاعتصام بأن يفكروا في إدارة حوار خلال شهر رمضان هذا في شكل ندوات عما هو دور القبيلة، ما هو دور المرأة، ما هو دور القوات المسلحة، ما هو دور الطرق الصوفية وما هو دور الشباب أنفسهم؟ ونسأل الله سبحانه تعالى ان يعيننا ويعينك اخي عصام.

• عصام محجوب:
اتفق معك في صعوبة اصطفاف "أفكار متفق عليها مية المية" في صف واحد وتأصيلك لذلك بالدِين ومرجعيتك هي قوله تعالى في قرآنه الكريم، وليس النَجْر الذي درج على استعماله عن قَصْدِ من يطلقون على أنفسهم "علماء الدِين"، والقَصْد وراءه غرض ومرض يدفعهم للكتب الصفراء وكهوف الماضي السحيق فيأخذون منها ما يجعل أقوال وأقاويل (مُعَنْعَنة) تخرج من القبور لتحكم حاضر الناس وترسم مستقبلهم.
العصف الذهني، كما سميته، يحفزني للحوار معك لأنك فيه بقدر الامكان تجعل أفكارك مستندة على العرف والواقع ونابعة من الحياة والتجربة ومحصلاتهما، وعندما تسْنِدها، تسْنِدها بقول حق من ربٍ عليم فتقوِّيها.
واتفق معك أيضا مع الحقيقة التي ثَبَّتها بأننا خرجنا من حكم عقدي أو قل اسقطنا حكم عقدي ولكنني حتما لا أخشى مثلك من الدخول في حكم عقدي آخر، فعن أي حكم مثله تحدثني وتتوقع أن ينجح في حكم البلاد، عاجلا أم آجلا؟ هل انطلت عليك فزاعة الشيوعيين المقابل العقدي للحكم الإسلاموي الساقط؟ لا أظن، فإن ذهنك بمراجعاتك صار مُحَصَّنا وأصبح أنظف من أن "تنزرع" فيه تلك الخزعبلة التي يروج لها الجماعة العقدية المهزومة ويعلكونها نازلين طالعين هاتفين في المساجد وعندما يخرجون للشوارع لإفشال الثورة أو لدفع الناس لينفضوا منها، وهيهات.
نعم للصف السوداني الواحد المتعدد الاعراق والديانات والثقافات، وهو كما قلت أنت إنه الهدف الذي سعت إليه الثورة وجاءت به وانتصرت له حياها الله وسدد خطاها وجعلها تنتظم مواصلة المسيرة في صف سودانوي واحد تحقيقا لكامل متطلباتها والعودة بنا وبالوطن لمنصة التحرير والتأسيس التي شيدها استقلال البلاد في يناير 1956، لتنطلق الثورة ومعها الوطن للتعمير الذي فشلت فيه الاجيال السابقة وصارت من مهام جيل الثورة من الشباب الذي عليه كي ينتقل ليؤسس لوفاق وطني عريض يصطف فيه السودانيين في سودانوية نظيفة "كصحن الصيني لا شق لا طق"، عليه بالطبع أن يزيل العوائق التي اقامتها الانظمة الديكتاتورية الثلاثة السابقة في السياسة والاقتصاد والاجتماع والادارة وبالأخص في القوانين والتشريعات التي تَحْكُم الحاضر وتشكل المستقبل، ومِن ثَمَّ الجلوس في مؤتمر دستوري جامع شامل للبت في الاطار الذي يحدد كيف تُحْكَم البلد ولوضع الثوابت الوطنية التي يقوم عليها السلام والتعايش والوحدة الوطنية والبناء والتعمير، وكل ذلك يجب أن يتم في وفاق وبوفاق وطني كبير وليس بإرادة أغلبية تتفوق اليوم على أقلية كان متاحا لها ان تحدد وتثَبِّت إلى الابد، كما في بلاد أخرى، مسار المستقبل عندما كانت في الماضي أغلبية أو أكثرية ولكنها لم تفعل، فلماذا نجيء اليوم ونقول لها "أنت أقلية أجلسي في ماعون أقليتك ودعينا نحن الاغلبية نحدد الاطار ونظام الحُكْم وما عليك إلَّا ان تكيِّفي وضْعِك مع ما نَضع من اطار"؟ هذا لن يحدث، يجب ألّا يحدث، وكي لا يحدث المطلوب بالفعل الاصطفاف خلف السودانوية في مسألة الهوية.
تَسَرَّبَت، ربما دون قصد منك في حديثك في لحظة اردت بها أن تنتقل بتعليقك لموضوع ثالث، واعذرك على ذلك لأنك تسجل ولا تكتب مثلي أمامي فرصة مراجعة ما أكتب، تَسَرَّبَت عبارة "تصفية حسابات انطلقت بعد نجاح الثورة"، واظنها ظَناً منك، أو ظَناً راوَد تقديراتك من كثرة خشيتك من حدوث ذلك ولتواصلك مع اخوانك الخائفين من ذلك، ولا يزعجني خوفهم ولا خوفك، إن كان عطفا على خشية ضياع مكاسب الثورة لأنني اعلم انك ما عُدْت تدور إلّا بين الخيرين الذين يريدون مراجعة اخطاء الماضي، فقد غادرت المكنكشين الذين يريدون استمرار الفشل وجعله ديمومة، وهذا وحده يغفر لك ولإخوانك الذين تتواصل معهم.
ثق يا أخي مبارك ليس هنالك مشاعر تصفية حسابات تمسك بالثورة لسبب بسيط فإن عودها وعمودها وركيزتها التي تنتصر بها هم شباب "من تلاتين سنة لتحت" ولذلك ليس لديهم حسابات سابقة مع أحد لتصفيتها، أي نعم يطلبون جرد حساب سابق لا لثلاثين عاما وإنما لأكثر من ستين عاما من فشل عريييييض في المكان، عميييييق طويييييل في الزمان، يَجُر خلفه كل السياسيين الذين تداولوا السلطة والمعارضة، وعلى ورثتهم أو من يريدون أن يرثونهم أن يتطهروا منه ويغتسلوا مرات كثيرة إحداها بتراب الوطن الذي فصلوه وفتتوه وشتتوا مجتمعاته وابنائه.
انتقل لملاحظتك عن "وجود فرح شديد عند الناس الذين اعتبروا أنفسهم قد هَزموا الآخرين وحزن شديد جدا عند الناس الذين شعروا بأنهم انْهَزموا من الآخرين"، واتفق معك في قولك بأن انقسام الصَفَّين فيه مرارات شديدة عند المهزومين وقد يدفع لاستقطاب حاد من طرف المنتصرين، ومع ذلك، بعيدا عن المرارات والاستقطاب، فهي يا صديقي طبيعة البشر، فهل تريد من البشر أن يخرجوا عن طبيعتهم؟
إن استعراض اصحاب الفرح مشاعرهم شيء مقبول بل محمود وهو في آخر الامر دفع ايجابي لا يقتل، لا يطلق رصاص، وإن تجاوز حدوده بهتاف أو تصريح حول محاسبة من أجْرم من المهزومين فإن شعار الثورة وهي ماضية لجعله واقعا كما أكدت أنت أكثر من مرة هو "حرية عدالة سلام"، كفيل بأن يضع الفرح في خانته والحساب ورَد الحقوق في الوسائل القانونية والشرعية التي يجب أن تتبع، ويكفي الثورة حتى الآن إنها لم تشهد انفلاتا في هذ الاتجاه، وإن حدث فلن يكون أمرا مخططا وإنما عملا فرديا خارجا عن ديدنها تدينه الثورة نفسها.
بالمقابل، كنت انتظر منك أن توجه رسالة لأصحاب الحزن الشديد، أن يصبروا على حزنهم لا أن يخرجوا معبرين عنه في مواكب وتصريحات وشعارات يدعون فيها لتفجير الوطن، فما يفعلونه يقود لذلك ولا اريد أن أسهب حوله فالشواهد كثيرة متاحة تجدها ويجدها من يتابع حوارنا مبذولة في كل وسائط التواصل الاجتماعي.
حديثك عن ضرورة قيام حوار راقي خلال السنتين أو الثلاثة القادمة من الفترة الانتقالية، يجد بالطبع تأييدي وتأييد الجميع دون شك. قم إليه. ابتدره. انصح المجلس العسكري لتسليم السلطة لحكم مدني صَرْف بأعجل ما تيسر، وبعدها انخرط في حوار تنتظرك محافله وميادينه ومسارحه وصفحات الصحف بيضاء، وفوق ذلك وجود من يريدون الدخول فيه بعقول صافية جاهزة لدفع الوطن نحو مستقبل أفضل لا لأبنائك واحفادك فقط وإنما لك أنت نفسك يا ابن سبعين والسنين بإذن الله أمامك طويلة لتحصد غرسك الذي زرعت.
ثِقْ في ذلك، وسعيد جدا بأن أنقل تواصلنا وتبادلنا الافكار لجعله حوارا مشاعا مفتوحا أمام كل الوطن في (الوطن) صحيفة الوطن التي انتظر أن تستضيفه على صفحاتها، وفي (الراكوبة والحوش وسودانايل) وغيرها من المواقع الالكترونية التي ستنقله عبر الفضاء المفتوح ادام الله علينا نعمته فيه، فقد حققنا به الثورة التي حَلمْت بها يا صديقي، وكنت تكتب عنها وترفع تسجيلاتك الصوتية داعيا لها وتكلمني عنها في محادثاتنا الهاتفية المتعددة اناء الليل ومع الفجر واطراف النهار، وهي ذات الثورة التي ارادها كل الشعب السوداني كما تقول، وحققها شباب غض الاهاب من "تلاتين سنة لتحت" وجعلها واقعا وانتصارا يمشي بيننا، طوبي لهم ولتضحياتهم ولكبريائهم ولإرادتهم ولصمودهم ولقدرتهم على التغيير وحماية ثورتهم.
ثِقْ أيضا يا صديقي ان الثورة ماضية لتحقيق اهدافها لن يثنيها الزعيق الاجوف لقوى الظلام والفساد والشمولية.. "سِدْ دي بطِينَة ودي بعَجِينَة" ولا تستمع إليه.
بقية حديثك عوضا عن اتفاقي معه فهو دائما محل احترامي وتقديري واعجابي وانفعالي ودعوتي للاستماع اليه ومحاولاتي لتوسيع رقعته وتعميمه كما فعلت سابقا وافعل الآن، عَدَّاك عيب قول غير ما قلت، فتسجيلاتك التي ساهمت في إشعال الثورة بل توجيهها للسلمية شاهدة ومشهودة وشهادة لها وعلى الظلم والفشل والافكار الفاسدة، كشفا، دحضا وادانة. لله درك يا صديقي.
تعليقا على ما ختمت به عن حوار حول الدين وصولا لدولة تحقق الخير، اسمح لي أن أنْقُل قول شهير على لسان الاستاذ محمد ابراهيم نقد السكرتير العام السابق للحزب الشيوعي "إذا حكمني مسلمٌ فلن يدخلني الجنة، وإذا حكمني ملحدٌ فلن يخرجني من الجنة، وإذا حكمني مَن يؤمَّن لي ولأولادي العمل والحرية والكرامة وعِزّة النفس فسأقف له احتراما واجلالا، ويبقى دخول الجنة مِن عدمه رهين ايماني وأعمالي، فقفوا عن التنازع على السلطة باسم الدين معتقدين انها طريقكم الى الجنة، فليست وظيفة الحكومة ادخال الناس الجنة وإنما وظيفتها أن توفِر لهم جنة في الأرض تعينهم على دخول جنة السماء".
ودعني أختم تعميما للفائدة أيضا بما قال مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا عندما تولى منصبه. لم يتحدث في خطابه إلّا عن "الاقتصاد والتنمية والتعليم والتطوير والحداثة وبناء الانسان ووضع الخطط الكفيلة برفع مستواه".. وعند نهاية خطابه سأله أحدهم، "وماذا عن الاسلام والدين الاسلامي في ماليزيا؟"، فقال مهاتير محمد، "كنت اتحدث عن الاسلام".