عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
19 ابريل 2017
تعريف الاعتقال التعسفي
يعرف الاعتقال التعسفي،بصفة عامة، بالآتي:
“Arbitrary arrest and arbitrary detention are the arrest or detention of an individual in a case in which there is no likelihood or evidence that he committed a crime against legal statute, or in which there has been no proper due process of law”

"الاعتقال أو الاحتجاز التعسفي هو القبض على شخص أو احتجازه في قضية دون دليل أو احتمال دليل على ارتكابه جريمة ضد نص قانوني، أو عندما يجافي احتجازه الاجراءات القانونية السليمة" (الترجمة من عندي)

مدخل
يدخل د. مضوي إبراهيم آدم شهره الخامس في المعتقل. وهو لا يزال الآن في الاحتجاز الذي صودرت بموجبه حريته – هكذا ضربة لازب. بدأً في سجن كوبر أولا، منذ أن تمت مداهمته، وأخذه، من مكتبه في كلية الهندسة والمعمار بحامعة الخرطوم، في السابع من ديسمبر من العام الماضي. وقد ظل الرجل يعمل لما يفوق الثلاثين عاما استاذا للهندسة الميكانيكية في تلك الجامعة العريقة حيث تخرجت تحت اشرافه أجيالا من المهندسين.

وقد دخل، في إضراب عن الطعام، مرتين، احتجاجا على اعتقاله وسوء الأحوال في سجن كوبر. وقد كانت هناك مخاوف من أسرته وأصدقائه وتلاميذه على صحته وحياته؛ خاصة والرجل على أعتاب الستين ولابد أن له متطلبات علاجية منتظمة كما لمعظم من هم في مثل سنه. وبعد فترة تم تحويله من سجن كوبر الى النيابة العامة وظل هناك. فما هي قضية الدولة السودانية ضده؟ خاصة وقد جاء أن النائب العام ألغى التهم الرئيسيه التي وجهت للرجل لغياب البينة أو ضعفها وأمر باطلاق سراحه بضمان في يوم 28 مارس المنصرم – فكيف يبقى في الحبس وقد قال النائب العام كلمته؟!

هذا وقد تم إطلاق سراح جُلّ السياسيين، ومنهم من اعتقل بعده، فكيف بقي هو على الرغم من أن الاتهام ضده لا يستند على بينة معقولة طالما تم اسقاطه؛ وأن مابقي من تهم (أيا كانت) لا ترقى لمرتبة الحبس والاحتجاز الذي هو مصادرة للحريّة. هذه الأسئلة التي لم تتكرم الحكومة بالرد عليها أو تقدمه لمحاكمة مما يدعم الزعم بأن وراء هذا الاعتقال ما وراءه.

الحريّة في القانون الأساسي
في تبيان قدسية "حريّة الأشخاص" في الدستور - أي دستور وأي قانون في أي بلد تحتكم للقانون من حيث هو، يبيّن المقتبس من النص الآتي الأمر بجلاء:

((.....الدستور والذي هو لازمة من لوازم الحكم الديمقراطي، هو "القانون الأساسي"، وهو إنما سمي "قانونا أساسيا" لأنه ينصص على هذه الحقوق الأساسية، وإنما سميت الهيئة التي تضع الدستور جمعية تأسيسية لأنها تضع القانون الأساسي، وواضح أن الحقوق الأساسية إنما سميت حقوقا أساسية لأنها تولد مع الإنسان. الحياة والحرية، هي حقوق لأنها لا تمنح ولا تُسْلَب في شرعة العدل وهي أساسية لأنها كالغذاء وكالهواء والماء....

الحق الدستوري: (حُرِّية الرأي)
ويمكن إذن أن يقال أن الدستور هو "حق حرية الرأي" وأن كل مواد الدستور الأخرى، بل وكل مواد القانون، موجودة في هذه العبارة الموجزة كما توجد الشجرة في البذرة. فإن النخلة، بكل عروقها، وفروعها، وساقها، موجودة في الحصاية تراها عين العقل. فإذا وجدت الحصاية الظرف المناسب، من التربة، والماء، خرجت منها النخلة، بكل مقوماتها، وأصبحت ماثلة تراها عين الرأس أيضاً، بعد أن كانت معدومة في حقها. وكذلك الدستور هو موجود بالجرثومة في "الحق الأساسي" - حق حرية الرأي وما الجمعية التأسيسية إلا الظرف المناسب الذي يجعل شجرة الدستور، بفروعها، وعروقها، وساقها تنطلق من تلك البذرة الصغيرة،كما انطلقت النخلة من الحصاية.......

ويشير الى مادة الحريات في الدستور فيقول: "... المادة تقول "لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم والحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون" وهي غير قابلة للتعديل لأنها هي جرثومة الدستور، التي إنما يكون عليها التفريع ....، فإذا عُدِّلت تعديلا يُمَكِّن من قيام تشريعات تصادر حرية التعبير عن الرأي فإن الدستور قد تقوّض تقوضا تاما. ولا يستقيم بعد ذلك الحديث عن الحكم الديمقراطي إلا على أساس الديمقراطية المزيّفة ..............."؛

ويقول عن مادة الحريات إنها : " ...... هي دستور السودان المستديم، وهي دستور كل حكم ديمقراطي، حيث وجد هذا الحكم الديمقراطي، وعمل الجمعية التأسيسية في وضع الدستور إنما هو تفريع عليها، ليجعل تحقيقها أكمل وأتم ................" وأبان كيف أنّ " الحرية لا تضار بالتشريع، وإنما تزدهر بالتشريع ، اللهم إلا إن كان هذا التشريع يقوم على نزوات الحكم المطلق ، الذي يسمي نفسه ديمقراطية، زوراً وبهتاناً..............."

الى أن يقول ((...... القانون هو الذي يعطي الحرية معناها، ويميزها عن الفوضى. فالتشريع صديق الحريّة وليس عدوها، وكل تشريع غير ذلك لا يسمى تشريعا، إلا من قبيل تضليل الناس. فالتشريع في النظام الديمقراطي طرف من الدستور وهذا هو المعنى بدستورية القوانين، فكل تشريع يعارض الحرية ليس تشريعا دستوريا ")) انتهي الاقتباس مما قال به الأستاذ محمود محمد طه، عليه الرحمة، في كتابه بعنوان : "زعيم جبهة الميثاق في ميزان الثقافة الغربية/ أضواء على المشكلة الدستورية". و هو كتاب قديم حرر قبل زهاء النصف قرن، في الستينات من القرن الماضي. ومن اللازم هنا الاشارة إلى أن المقتبس أعلاه منقول بتصرف، لا يضر بالمعنى (فيما أرى) ولمن أراد التحقق عليه الاعتماد على النص الأصلي في مصدره.

أمادستور السودان الانتقالي (2005) الحالي فهو ينصص صراحا على هذه الحقوق المقدسة مثل "حق الحرية" – أنظر الباب الثاني "وثيقة الحقوق/ المادة 27-(1) والذي أورده هنا، أدناه:
((الباب الثاني: وثيقة الحقوق
ماهية وثيقة الحقوق
27-(1) تكون وثيقة الحقوق عهداً بين كافة أهل السودان، وبينهم وبين حكوماتهم على كل مستوى،والتزاماً من جانبهم بأن يحترموا حقوق الإنسان والحريات الأساسية المضمنة في هذا الدستور وأن يعملوا على ترقيتها؛ وتعتبر حجر الأساس للعدالة الاجتماعية والمساواة والديمقراطية في السودان
(2) تحمي الدولة هذه الوثيقة وتعززها وتضمنها وتنفذها
(3) تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والمصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءً لا يتجزأ من هذه الوثيقة
(4) تنظم التشريعات الحقوق والحريات المضمنة فى هذه الوثيقة ولا تصادرها أو تنتقص
منها)) انتهى الاقتباس

اعتقال المتهمين
هذا وقد قدم أ. نبيل أديب عبدالله المحامي مرافعة رفيعة في أمر الاعتقال وبيّن المحاذير القانونية التي تصاحب عملية الاعتقال لما لها من مساس بأحد أهمّ الحقوق الأساسية: "حق الحرية" في مقاله بعنوان " اعتقال المتهمين وفقاُ للمستوى الدولي" والذي نشر حديثا بسودانايل. وفيما يلي ملخص فقط لبعض ما قال به أ. نبيل لا يغني عن قراءة مقاله القَيّم كاملا. وقد راعيت في التلخيص أن يأتي المقتبس كما ورد في النص الأصلي مما يشبه النقل (فيرباتم) كما يقولون أو الاقتباس وذلك حرصا على عدم المساس بدقة العبارة القانونية وعدم حدوث أي تغيير في المعنى.

سلطة القبض
((.. سلطة الاعتقال بما تنطوي عليه من حرمان لمواطن من حقه في الحرية يجب أن يتم استخدامها بطريقة منصفة، ومسؤولة، ودون تحيز. والقانون هو الذي ينظم المسائل المتعلقة بالقبض، فيحدد من له سلطة إصدار أمر القبض على المشتبه فيهم، ومن الذى ينفذ ذلك الأمر، وما هي الأسباب التي تدعو لذلك، وماذا يترتب على القبض، ولأى مدى يمكن أن يستمر الإحتجاز...

الحق في الحرية والأمان
القبض السابق للمحاكمة ما لم يتم ضبط أحكامه يتعارض مع إفتراض البراءة فى المادة 34 والخاصة بالمحاكمة العادلة فى الدستور، وكذلك مع الحق في الحرية الشخصية الذى كفلته المادة "29" من الدستور حين نصت على أن (( لكل شخص الحق في الحرية والأمان، ولا يجوز إخضاع أحد للقبض أو الحبس، ولا يجوز حرمانه من حريته أو تقييدها إلا لأسباب ووفقاً لإجراءات يحددها القانون...

المادة "29" من الدستور لا تقتصر على حماية الحرية الشخصية، بل تلزم الدولة أيضاً بتوفير الأمان لمن هم على أرضها، وذلك بمنع ما يهدر أمنهم الشخصي من أي مصدر كان، بما في ذلك قوات الضبط في الدولة التي يجب عليها أن أن تمتنع عن تهديد المواطنين وإفقادهم للشعور بالأمان؛

منح أجهزة الدولة سلطات تحكمية في القبض يخرق الحق فى الأمان لما ينطوي عليه من تجريد الأفراد من الإطمئنان؛

لا يجوز للسلطة التشريعية أن تحدد وفق هواها الأسباب، أو الإجراءات. بل عليها أن تحدد ذلك وفق الحدود الدستورية للتشريع، حسبما جاءت في المادتين "27" (3) أو (4) من الدستور؛

على السلطة التشريعية عندما تحدد أسباب القبض أن تراعي المواثيق والعهود والإتفاقيات الدولية التي صادق عليها السودان؛

يجب على المشرع حين ينظم سلطة القبض أن يراعي أنه لا يجوز له أن يمس الحق في المحاكمة العادلة، ولا أن ينتقص من الحق في الحرية الشخصية، وإنما يجوز له فقط أن يخضعه إستثناءاً لقيود مؤقتة، بشرط أن تكون تلك القيود ضرورية لتطبيق العدالة ...

التقيد بالعهود الدولية
ضرورة التقيد بالعهود الدولية الخاصة بالحريات العامة، ليس فقط تلك التي صادق عليها السودان والتى جعلها الدستور ضمن أحكامه، بل أيضاً العهود الدولية التي لم يصادق عليها السودان، متى كانت تقنيناً للعرف الدولي أو أصبحت جزءاً من العرف الدولي، كإتفاقية مناهضة التعذيب مثلاً، فهذه العهود تظل أحكامها ملزمة للمشرع السوداني، سواء صادق السودان على تلك الإتفاقيات أم لم يصادق؛

المبدأ العام هو أن القوانين الداخلية يجب عليها أن تتقيد بالمستوى الدولي المطلوب وفقاً للعهود الدولية العامة الخاصة بحقوق الإنسان، والتي أصبحت ملزمة للجميع...

القبض التعسفي
"منع القبض التعسفي هو منع نابع من الدستور ومن العهود الدولية الملزمة، وأساسه المادة "9" (1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي تمنع إعتقال أي شخص تعسفاً والمادة "6" من العهد الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب والتي تنص بالنسبة للحق في الحرية وعلى وجه الخصوص فإنه لا يجوز أن يحرم شخص من حريته تعسفاً؛

لا يلزم أن يكون مخالفاً للقانون، بل يجب أن يفسر تفسير واسعاً، بحيث يشمل معاني مثل أن يكون غير مناسب، وغير منصف، ويفتقد الأسس التي يمكن توقعها في التطبيق المناسب للقانون. وكذلك فإن الإبقاء على المقبوض عليه قيد الإحتجاز لا يجب فقط أن يكون مشروعاً بل يجب أن يكون معقولاً ومناسباً وعادلا؛

إن مسألة تحديد أسباب الإحتجاز هى مسألة محورية إذ أنها تتصل بحق الحرية الشخصية، وهى من أهم الحقوق الدستورية، والحق فى المحاكمة العادلة لأنه يؤدىى إلى توقيع عقوبة الحبس بدون حكم قضائى، كما وأن حبس المتهم بغير مبرر يؤدى إلى حرمانه من تحضير دفاعه وإن بقاء الشخص رهن الإحتجاز لساعة واحدة دون مبرر قانوني لا يفقده هو وحده حقه في الحرية، بل يفقد المجتمع كله حقه في الأمان، لأنه يفسد الجو الذي يتنفسه المجتمع.)) انتهى الاقتباس من مقال أ. نبيل أديب والذى أكرر قولي بضرورة قراءته كاملا.

ما تهمة من أفرج عنهم؟
هناك الكثيرون من أبناء هذا الوطن يقبعون في معتقلات جهاز الاستخبارات والأمن القومي السوداني (NISS) لشهور عددا، يتعرضون فيها لمعاملات سيئة ومُحِطة بالكرامة الإنسانية بدعوى أن اعتقالهم بنص القانون؛ وأنهم قيد التحري. أي قانون هذا الذي لا يراعي حرمة حرية الناس ويصادرها هكذا دون حسيب أو رقيب؟ وكيف يكون مثل هذا القانون "دستوريا"؟

وهناك العشرات من قادة أحزاب سياسية وسياسيون بل وأناس عاديون أفرج عنهم دون توجيه أي تهمة لهم. بل هناك من وقفوا ضد مختلف مظاهر الظلم والفساد في محليات نائية في كردفان وغيرها تم الاعتداء عليهم وأخذوا قسرا الي كوبر؟ دون توجيه أي تهمة لهم. فهل هذا تطبيق للقانون يراعي الحد الأدنى من الضوابط الصارمة للاعتقال ويحترم الحق الدستوري في الحرية للفرد كما ورد تفصيله آنفا وفي مقال أ. نبيل أديب أم أنه محض احتجاز تعسفي؟!

الحرمان من أي نشاط عقلي
لقد شهد أكثر من شاهد، خرجوا من المعتقل في سجن كوبر حديثا أن المعاملة في هذا السجن أثناء فترة الاعتقال فيها الكثير من الممارسات التي تنتهك أبسط الحقوق المنصوص عليها في الدستور السوداني والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فكيف يتم حشر حوالي الأربعين شخصا في غرفة واحدة، تقل مساحتها عن مساحة فصل دراسي، ليعيشوا في هذا الحيز الضيق طوال ساعات اليوم نهارا وليلا أياما وليالي ينامون على الأرض في مراتب متسخة بمعدل ثلاثة للمرتبة الواحدة ويشريون الماء من ماسورة في نفس الحمام المخصص لهم.

ثمّ أنهم فوق هذا الحشر المُذِل لا يجدون ما يصلح للقراءة ولا لأي رياضة عقلية وكأنهم قطيع من الحيوانات يحفظ في زريبة الى أن يقرر شخص ما في أمرهم. ومن بين هؤلاء مفكرون وشعراء ومهنيون وأساتذة جامعات. إلى متى يقبل الناس بمثل هذه المهانة للإنسان في بلده والى متى يتشدق فينا البعض أننا أمة مستقلة؟ كل هذا و جماهير المثقفين ومن يفترض فيهم حمل رسالة القلم سادرون في غيهم يعمهون؛ لا يبدو أن هذه المظالم تحرك فيهم ساكنا، فانصرف البعض منهم ليحدثونا في كل شئ مما يخطر أو لا يخطر على بال بينما يقبع د. مضوي وغيره من الشرفاء في السجون دون محاكمة.

خاتمة
لقد بان للناس تماماً، بقرينة جل الاعتقالات الأخيرة، والتي طالت الكثيرين من الشرفاء، أنّ هناك قوانين وإجراءات تفتقد الى الحد الأدنى من السند (الدستوري) الصحيح يتم استعمالها بصورة تلحق الضرر البليغ بالآخرين وتهدد أمن أسرهم وسبل عيشهم. لقد نسي هؤلاء أنّ هذا الكوبر الى زوال؛ طال الزمن أم قصر. وأنّ من يحبسون الناس كالبهائم في هذا المكان، دون سند دستورى، سيسألون يوما عن هذا المسلك – طال الزمن أم قصر. ومن يقل بغير ذلك فليعد قراءة التاريخ. والى ذلك الوقت ستظل قضية حبس واحتجاز د. مضوي أبراهيم آدم وآخرين شاهدا على التعارض بين اجراءت الحبس التعسفي مع الحد الأدنى لحق دستوري أصيل: حق الحرية الشخصية..