لفت أحد الأصدقاء انتباهي إلى بعض تسجيلاتك الصوتية التي دفعت بها إلى وسائل التواصل الاجتماعي ، وبعد استماعي إلى إحداها توقفت عند الاقتباس التالي " الحكموا ديل 5% ودي كثيرة بالمناسبة انت بجريرة 5% تحاكم 95% " الذي أراه بعضها جديراً بالتعليق ، وهو سبب هذا المقال أو الرد أن أردت الدقة ، حيث لم تشير إلي تعريفك للفساد و أو المنهج أو القياس الذي أعتمدت عليه في الوصول الى خلاصة ان 5% فاسدين ، يجعل خروجك بأحكام تقريرية أمر جانبه الصواب ، و لا سيما أن السياق يرتبط بتجربة سياسية تداخل فيه نطاق التنظيم مع الحزب ، و لعل الفساد يمكن أن يشمل علي سبيل المثال لا الحصر " الاستغلال الوظيفي أو استغلال الولاء الحزبي للحصول على منفعة أو حرمان الغير منها او تمكين طرف ثالث من الحصول على منفعة أو حرمانه منها دون مسوغ شرعي ، اضف الى ذلك سوء الإدارة ، غياب الحكم الراشد ، الحرمان من الوصول للعدالة و...... و ....". 

الركون للاحكام التقريرية تعني التعامل مع قاعدة بيانات للوصول إلى نتائج متسقة و لكي يتم ذلك أرى أن الأمر في الراهن السوداني يأتي كمحصلة نهائية للمحاسبة القانونية والادارية والسياسية على المستوى المؤسسي المرتبط بالحزب الحاكم ومن ثم على المستوى الفردي وفقا للقوانين المختصة خارج ذاك الإطار يصبح ما ذهبت إليه له ما بعده ساحاول مناقشته ليس من باب محاكمة النوايا ولا محاولات الاقصاء للآخر .
في تقديري ان النظر الى علاقة السببية كرابط لعلاقات الفساد في ظل فلسفة التمكين السياسي مع الأخذ في الاعتبار للفترة الزمنية الثلاثين عاما في السيطرة على السلطة في وطن ظل يزخر بالموارد المتنوعة نجدها تشير إلى اتساع نطاق الفساد بشكل أوسع من الركون إلى تحميله أفراد في التنظيم لأن صلتهم بالحكم هو التنظيم او التحالفات التي شاركت معه السلطة في مختلف صورها .
ما يلفت الانتباه في ذات التسجيل محاولتك للربط بين من شغلوا مناصب في السلطة و نسبة ال5% ، بكل تقدير اجد ما ذهبت إليه يندرج تحت منهج جلد الذات كخطاب عاطفي قصد به أن يقف خط دفاع من المساءلة والعزل الاجتماعي لمن ارتبط بتجربة الحزب الحاكم في ذات الوقت في تقديري انه يرمي للحفاظ علي الوضع الطبقي والمصالح التي اكتسبت بحكم الولاء السياسي خلال ال30 عاما التي في حال حدوث التغيير السياسي إلى جانب تعرضها للمحاسبة في شمولها ستظل مواجهة بالمنافسة المرتبطة بالكفاءة و ربما في صورة " إعادة الحال الي ما هو عليه " و من ثم الاعتماد علي المواطنة كمعيار للحقوق والواجبات .
من ناحية اخرى " طريقة الكوته" في الحكم علي فساد أو صلاح أعضاء الأحزاب والتنظيمات السياسية غير مجدية لمستقبل الدولة السودانية والتعايش السلمي ولأنها تمثل صورة معيارية تصلح للاستخدام قانونيا او سياسيا بما قد تؤخر او تعيق أمد التعافي الوطني والحل الشامل للأزمة السودانية في كل مظاهره لأن هناك امتدادات لها لدي غير الاسلاميين ممن ارتبطت مصالحهم بها لتدفعنا إلى الركون إلى علاقة السببية عند النظر إلى المحصلة الاخيرة .
اللحظة التاريخية التي يعيشها السودانيات والسودانيين تجعل الترحيب " علي المستوي الشخصي " بمثل تسجيلاتك محل تقدير لأنها إلى جانب تعزيزها لحرية التعبير ايضا تدفع إلى نقاش حيوي يكشف أين يقف بعض الفاعلين السياسيين ممن ارتبطوا بفترة حكم الاسلاميين التي تعتبر الأكثر تأثيرا من مجمل فترة ما بعد استقلال الدولة السودانية ، لكن ستظل الدقة مطلوبة والتعميم مخل حيث حمل ذات التسجيل تعميم اشرت فيه " البكتب ده خلي السودان كذباً وشال ليه ورق ومشي قدم بيه للجوء بره وقعد يكتب لينا نحن " فحرية التعبير مسارها مقارعة الحجة بالحجة وليس الدفع باتهامات " مجانية بالجملة "
ختاما : أتمنى أن تتواصل تسجيلاتك على أن تأتي مبنية علي ما يعززها مثل تقرير المراجع أو ما اشرت اليه من معرفتك عن الفاسدين على الاقل في ولايه كسلا علي سبيل المثال لا الحصر ، دون ذلك ستظل مفتوحة قراءات سياسية بأن ما وراء السطور هو الترويج لتقديم 5% من الاسلاميين ككبش فداء مقابل95 % من غير الفاسدين من اجل انقاذ التجربة الاسلامية السودانية من الالتصاق بالفساد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.