"1"

مما لا شك فيه ان تراجع تأثير وتواصل ومكانة الدولة السودانية سياسياً في المحيطين الإقليمي والدولي كنتيجة لسياسات إدارة الدولة في عهد الاسلاميين السودانيين "1989-2019" ، بالضرورة أن يمتد ذلك الأثر السالب إلى تراجع الدور الثقافي الذي ساد قبل العام 1989 كنتيجة " المشروع الحضاري" الذي استند علي استراتيجيات القهر التي استهدفت الحياة في الفضائين الخاص والعام، وربما قد يصعب ايجاد مقابل لذلك في السجل الانساني القريب ولا سيما ممارسات " الاحتفاء علي مزاج السلطات"فقد طبق الإسلاميون قوانين تعسفية مثل النظام العام التي قيدت الحفلات الغنائية حتى المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية بشرط القيد الزمنية و دفع الرسوم لذلك " رسوم دون مقابل " بل سيظل التاريخ الانساني يسجل في مضابط الافادات أن الرقص كان يخضع لمعايير وكلاء السلطة و أمزجتهم لتحديد ما هو لائق و ما دون ذلك ! إلى جانب ذلك فسياسات الأسلمة القسرية ذات الدوافع السياسية فقد عمدت علي فرض شروط الزي للظهور عبر الوسائط الاعلامية المملوكة للدولة و حرمان عدد من الفنانين السودانيين من الظهور عبرها لأسباب ارتبطت بالانتماءات المنحازة للالتزام الفني ، امتدت لتلك القيود "اوكسجين الاسلمة السياسية “ لتنعكس في تراجع دور كليات الموسيقى لتظل تدور في فلك إعادة إنتاج السائد او ما يجانبها شروط الرفض السلطوي .

"2"
حمل الثراء الموسيقي السوداني ان يحتل السودان منصات متقدمة علي المستويين الاقليمي والعالمي ساهمت في ذلك المشاركات الخارجية للكثير من الفنانين السودانيين علي سبيل المثال لا الحصر أمثال محمد عثمان وردي الذي حمل الأجيال الجديدة في أثيوبيا أن تنضم إلى من سبقوهم في معرفة الغناء السوداني وقد بصم الحضور الذي شهده استاد أديس أبابا علي ذلك ،اما سيد خليفة فقد كان سفيرا غنائيا يجد احتفاء خاصا في القرن الأفريقي و لا سيما في الصومال الفيدرالية و حتى بعد انقسامها إلى صوماليين (مقديشو وهارقيسا ) الا ان الوجدان ظل موحدا تجاه ، جيبوتي الأخرى كانت إحدى المحطات التي شهدت زياراته الفنية الراتبة .

"3"
فرقة فنون دارفور التي أسست في العام 1952 كانت علي تواصل فني عبر الرحلات الفنية التي مع دول غرب أفريقيا مثل تشاد ، التي كانت تشكل نفاج تواصل امتد حتى حتى غيب وصول الاسلاميين الى السلطة نشاطها ، رغم ذلك ظل الود بين الشعب التشادي و الغناء السوداني متصلا حين تقدم الفنان الشاب عاطف السماني مجسرا تلك الجفوة القسرية الي حين ،تجدر الاشارة الي دور الاذاعة السودانية راديو امدرمان في نشر "غنانا " بعيدا جدا الي وجدانات ظلت تحتفي ببثه خارج الحدود

"4"
عالميا فقد ظل عبدالكريم الكابلي سفير النوايا الحسنة فنانا و محاضرا عن التراث السوداني ، إلى جانب ذلك تكفي الاشارة الى الفنانة الإسرائيلية رحيلا التي ظلت تردد أغنيات الفنان عبدالقادر سالم كما هي ومصحوبة بترجمة عبرية ..هذه سير علي سبيل المثال لا الحصر لسابق حضورنا المرتبط بالغناء إقليميا وعالميا.

“5”
الآن ونحن نستشرف التغيير و زوال كابوس حراس النوايا الذين لابد من التفكير في اعادة رخم صورتنا التي حجبت بفعل الرقيبو ان نعيد تشكيل اهتمامنا الخارجي بالقارة ولاسيما في مجال الفن عموما و الغناء بشكل خاص فقد اتاحت لي الظروف السماع و متابعة العديد من الفنانين في قارتنا جعلني أكثر يقينا بأننا نمتلك ثروة فنية مستندة علي التنوع الموسيقي والغنائي تضعنا في مرتبة متقدمة علي كل المستويات. إعادة الاعتبار للغناء السوداني في ظل انتشار التكنولوجيا ووسائط النشر سينعكس علي اعادة التعريف ببلادنا تراجعت سيرتها الفنية بعد 1989 و كذلك ستلقي الضوء علي حال مدنيتنا بعد ان ارتبطت سيرة الدولة بالاصولية و الارهاب و القهر وسير التعذيب الممنهج ، بل ستفتح فرصا للتطوير و التلاقح علي مستويات متعددة فالفن عنوان مشرق للشعوب فكلما استمعت إلى فنان الجاز مانو ديبنقو الملقب بأسد إفريقيا الكاميروني الأصل تعود الذاكرة الي التفكير في فرق الجاز السودانية و الفنان كمال كيلا و شرحبيل احمد و اخرين ..مانو ديبنقو بلغ ال86 عاما في الثاني عشر من ديسمبر الحالي تمثل سيرته وفنه محط احتفاء عالميا ، المطربة التنزانية بي كيدودا او ام كلثوم شرق أفريقيا فنانة زنزبار الأولى التي رحلت في ٢٠١٥ تنوع أدائها الغنائي باللغتين السواحيلية والعربية جعلها تعتلي الي جانب مسارح زنزبار محافل اقليمية بكل من دبي والقاهرة ففتح لها ذلك منافذ نحو شهرة اوسع و جوائز عالمية فكلما استمع اليها أجدني أبحث عن الفنان العاقب محمد الحسن ، ميزة تنوعنا الغنائي انه علي تماس مشتركات علي مستويات متعددة و لا سيما مع القارة الإفريقية ، فتجبرك كل من سونيا جبرتي الفنانة الغامبية و سالف كيتا من مالي علي البحث عن تلك المشتركات في واقعنا .

"6"
من الملاحظات المهمة بالتزامن انه مع التغيير الذي حملته ثورة ديسمبر نشاط الحركة الفنية التي وضعت عدد من الأفلام السودانية في مصاف عالمي حيث حصد فيلم ستموت في العشرين للمخرج الشاب أمجد أبو العلا جائزة lion of the future في مهرجان البندقية في ٢٠١٩ هذه اشارة الي علاقة اوكسجين الحرية والإبداع مما يدفعني إلى ربطها بتجربة الفنانة السيراليونية مريما لكونها جديرة بالإشادة لمسار تطورها من المحلية إلى العالمية فقد بدأت مريما مسيرتها باغان شعبية حفظتها من جدتها بدولتها سيراليون لتشكل تلك البداية المقرونة بالجدية والالتزام نقطة انطلاق إلى العالمية لتفتح لها الشهرة ابوابها بعد ان انتقلت الى فرنسا و قدمت ابداعها بما يليق من أداء ، تجربة اخري للفنان اليوغندي الشاب ايدي كنزو صاحب الاغنية الشهيرة " ستيا لوسي بلغة البوقاندا وتعني" لا أخشى الخسارة" خاض تجربة توظيف الغناء الرقص المصاحب الذي استهدف به أطفال الشوارع ليصبح رائدا لهذا النوع من الغناء المصاحب بالرقص كمدرسة خاصة في شرق أفريقيا الوجدان المشترك تلزم الى الاشارة الى الفنان محمد منير من مصر و تيدي آفرو من اثيوبيا فبينهما والخرطوم زيارات و جمهور.

"8"
اخيراً تجدر الإشارة إلى هذا المقال ليس إقصاء لعمقنا المرتبط بالمحيط العربي لكننا في حاجة إلى اعادة ربط افريقية تخلق توازنا في وجداننا الغنائي المتمهل خطوة نحو فضاء حر بعد ثلاثون عاما من القيود المؤدلجة و الاقصاء لدور الفن .

29 Dec 2019


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.