(1)

الراهن الاقتصادي السوداني خلال الإسبوع الثاني من سبتمبر 2020م سيطر عليه وفقاً لمؤشرات السوق الموازي للعملات هبوط سعر الجنيه السوداني ليفقد في خلال عشرة أيام حوالي 42% من قيمته ، قبل الخوض في الأسباب لابد من الإشارة إلي أن السعر الرسمي لازال قيد الثبات بما يعكس أن الموقف الرسمي للدولة لا ينوي إتخاذ أية إجراءات إقتصادية مثل التعويم ، أيضا في سياق مرتبط نفت وزيرة المالية لا تثريب بأن العامل الإقتصادي قد لعب دوراً حاسماً وجوهريا في عملية التغيير السياسي ، مما يجعل أهميته مرتبطة بالاستقرار السياسي، حيث تُمثل الشفافية من قبل الدولة للسيطرة علي الحالة أحد أهم أسباب المعالجة علي المستوي النظري، حسناً فعلت وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي بنفي ما أشيع من تدخل الدولة لشراء الدولار من السوق الموازي لتغطية السلع الإستراتجية ، لكن يظل التساؤل الذي يحتاج إلي إجابة من وزارة المالية حول مصدر توفير الدولة لمبلغ التسوية لضحايا تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية بكينيا وتنزانيا. ، تمهيدًا لمغادرة السودان قائمة الدول الراعية للإرهاب و التي أعلن عنها سفير السودان بواشنطن الدكتور نورالدين ساتي دون الكشف عن أرقام وما يدعم التساؤل هو التزامن بين تصريح السفير و تراجع سعر الجنيه .

(2)
كما أشرت إلى دور العامل الاقتصادي في المشهد السياسي السابق والراهن للتغيير، أجدني استند عليه في غياب وزير مختص لوزارة المالية عقب إستقالة الوزير السابق الدكتور إبراهيم البدوي، وإنعكس ذلك في عدم إجازة الموازنة للعام 2020م مما جعل سقوفات الصرف الحكومي بلا مرجعية، كما ظهر جلياً في إدارة عملية صادر اللحوم للمملكة العربية السعودية التي إستمرت في تكبيد خسائر فادحة بسبب إعادة متكررة عقب وصولها الي ميناء الوصول وهو أمر يشير إلي أزمة ما لكن محصلتها تُشكل حالة خسارة مالية متسعة ومتكررة بما يجعل إفتراض ما وراء المشهد قد يرتبط بخطوة من المملكة للسيطرة علي سوق اللحوم عبر تدخلها في المجال عبر مسالخ تخصها واشراف كامل علي العملية في ظل التنافس علي الموارد السودانية من دول التحالف ، أضف إلي ذلك أن الحالة الصحية المرتبطة بجائحة كورونا أثرت في كل الإقتصاديات بما جعل مسالة شغل وزارة المالية بوزير مختص تعززة ظروف داخلية و خارجية .

(3)
في الأسبوع الثالث من أغسطس 2019م سيطرت التصريحات علي المشهد بين المكون المدني والعسكري بالحكومة الانتقالية علي خلفية ما رشح عن سيطرة القوات المسلحة السودانية علي حوالي 200 شركة تعمل في مجالات حيوية بما انعكس بأن نسبة 80% من الإيرادات العامة خارج ولاية وزارة المالية وهو أمرٌ بالغ الأهمية ومثير للقلق لأعلى درجاته، وذلك لأن نتائجه علي المدى القريب قد تفوق في الأثر حالة 2018م، وبالمقارنة بين التصريح وآخر بند للصرف الأمني والدفاعي في ميزانية 2018م والذي مثل 76 % من جملة الموازنة نجد أن الشركات العسكرية تُهيمن علي نسبةٍ عالية، مع سؤال غائب عن الإجابة عن علاقة تلك الشركات بسداد الضرائب؟ مضافاً إليها نسبة تحمل وزارة المالية والإقتصاد الوطني رواتب منسوبي القوات المسلحة، ومن ناحية ثانية صعود قوات الدعم السريع إلى السلطة أبرز مركزاً مالياً منفصلاً اخر خارج ولاية وزارة المالية ، و فرع ذاك المركز المستقل بالتعامل في الذهب و غيره من المجالات ، كل هذا يثير سؤالاً عن اخر عن العلاقة الضريبية و الرسوم ؟

(4)
الحزم القانونية التي أعلن عنها وزير العدل الدكتور نصرالدين عبد الباري في العاشر من سبتمبر 2020م فيما يخص المهربين وتجار العملة تُمثل أحدي المعالجات الفوقية لأن الأزمة مرتبطة بالإدارة الاقتصادية وفق أدوات تتسق وطبيعتها، الإجراءات القانونية والعقوبات القاسية التي أُلحقت بها ستنتهي بتحميل قطاع هامشي من المتعاملين في العملة بينما هنالك قطاعات ستظل بعيدة عن القانون وهي المؤثرة ، تلك النصوص والعقوبات بها من التراجع السياسي ما يُعيد للأذهان فكرة العقوبات القاسية والجرائم الاقتصادية في العهد الأول للإسلاميين السودانيين، يجدر الإنتباه إلى أن التعامل في العملة يتم بين الإباحة والتجريم في مكان واحد وزمانين مختلفين الأمر الذي يُعرض مسالة عقوبة السجن لما يقارب العشرة سنوات إلى الوقوع في فخ مخالفة دوافع العقوبة المرتبطة بالإصلاح، المصادرات ظلت هي العقوبات التي تتناسب تشريعياً وفلسفياً مع الجرائم الاقتصادية التي تخضع لتعريفات التعاملات الفردية غير المرتبطة بشبكات الشركات المتعددة الجنسيات أو غسيل الأموال أو بالجريمة المنظمة، أما التهريب ففي تقديري تتطلب نظرة مبدعة في الإستفادة من فرص وجود أسواق بدول الجوار عبر فتح الحدود مثلا كما أعلن مع جنوب السودان ودراسة الإحتياجات لتلك الدول وكيفية التعامل معها علي المديين المتوسط والإستراتيجي إن مسالة التهريب مرتبطة بوجود حوالي عدة دول مجاورة ليست علي حدود بحرية أو موانئٍ.

(5)
إنعكس قرار تقييد السيطرة في التعامل في الأراضي من قبل المجلس العسكري الإنتقالي في أبريل 2019م ولاحقاً من لجنة تفكيك التمكين علي مجمل سوق الأراضي التي يُسيطر عليها بالتعامل والملكية النظام السابق، هذا قاد إلى خروج لقطاع المتعاملين في هذا المجال إلى سوق أسهل وهو المضاربة في سعر الصرف، وقد إمتد أثر لجنة التفكيك في عمليات الإسترداد لأراضي واسعة من منسوبي النظام السابق، سبق ذلك قرارات حظرت نقل ملكية الأراضي في أبريل 2019م من المجلس الإنتقالي، بالنظر إلى كل ذلك مع سيطرة النظام السابق علي المضاربة وسوق الأرض، حيث تحولت الأرض بعد 1993م إلى وعاع لإدخار الأموال لعدم ثقة الشارع في الجهاز المصرفي وهو ما يُبرر إرتفاع أسعارها بما يفوق أضعاف قيمتها الحقيقية، بالنسبة لأرصدة السودان المودعة بالخارج لم تعلن لجنة التفكيك عن خطتها لإستردادها وهل هي تحت ولاية اللجنة المركزية أم السلطة التنفيذية؟

(6)
من النقاط المؤثرة التي أشرنا إليها في مقال سابق، هي الزيادة في الرواتب التي طبقها الوزير السابق الدكتور البدوي من موارد لجنة تفكيك نظام الـ 30 من يونيو، والتي تمت من مورد لم يتم تصنيف عائداته بعد، وماذا إذا كان ما تم التصرف فيه يُمثل قيمة أصول إنتاجية أم لا؟ إرتباط الأمر بالجهود المتواضعة لوزارة الصناعة في إدارة الحالة قاد إلى إرتفاع الأسعار بالمقابل، مما يجعل أثرها ممتداً إلى الراهن في سجل تصاعد تراجع المنفعة المرجوة من زيادة الرواتب، كما لا تزال الأموال التي تم إستردادها عبر لجنة التفكيك خارج الدائرة الاقتصادية وهي عملية تُمثل تجميد لها وإبطاء حركة الدائرة الاقتصادية المرتبطة بها، ولعّل ذلك يتطلب النظر إلى الأمر ليس من الناحية الفنية فقط بل إستراتيجياً ماهي خطة الدولة للتعامل مع تلك الأموال وعلاقة ذلك بالدائرة الإقتصادية، زيادة رواتب القطاع العام إنعكست في إلقاء عبء علي القطاع الخاص المُسيطر علي السوق فقاد الأمر إلي زيادة في التكاليف لخلق بعض الموازنة مما إنعكس سلباً علي الخدمات والأسعار المرتبطة، يبدو أن الزيادة جاءت لإرضاء تجمع المهنيين دون حسابات إقتصادية الامر الذي قاد إلي فجوة في الدخل بين القطاعين الخاص والعام .

(7)
الدولة بها مراكز مالية وإقتصادية متعددة ولقد أشرنا إلي الشركات التابعة للقوات المسلحة والنشاط المالي المرتبط بقوات الدعم السريع ومحصلتها أن المركز المالي التابع للدولة صار كالجزر، بل سيطرة الجيش إمتدت نسبياً إلي قطاعي الإتصالات والطيران المدني ليكون المشهد سيطرة علي قطاعات حيوية مرتبطة بميزات تفضيلية الأمر الذي ينعكس علي سوق المنافسة مع القطاع الخاص بسبب ذلك، من ناحية ثانية فنياً ماهي طبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية واللجنة الإقتصادية لقوي الحرية والتغيير، هل هي علاقة رقابية، تشريعية، تنفيذية مشتركة؟، هذه كلها تعقيدات تضيف ضبابية للمشهد .

(8)
خلل الميزان بين الصادرات والواردات يُمثل أحد دوائر التراجع الإقتصادي، بل أن الأمر إمتد إلى توقف بعض المصانع لإرتفاع تكلفة الإنتاج، ودعونا نتساءل عن ما إذا تم توجيه عائدات لجنة التفكيك التي تم إستردادها لإصلاح بيئة المشاريع الزراعية علي مستوي السودان وتخصيص نسب لتمويل لزراعة القمح، فإذا تم ذلك قبل ثلاثة أشهر حينما أعلن رئيس الوزراء أكثر من مرةٍ رعايته لزراعة القمح آنذاك كان الناتج هو البدء الفعلي لتدوير الإنتاج وعلى وجه الخصوص الزراعة بما يعبد الطريق لدخول أحد البنود في عملية الإكتفاء أو المساهمة في تخفيف الدعم علي سلعة القمح المرتبطة بالخبز وهو انعكاس مباشر علي تحريك المسافة خطوة إيجابية في عملية التوظيف السليم للعائدات في مشاريع تُمكن من إسترداد ما تم صرفه فيها ليُوجه إلى قطاع آخر مثل الصناعة في صورتها الكبيرة أو المرتبطة بالزراعة من الأعلاف والأسمدة .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////