كثيرون يطالبون بطرد ما تبقى من الجنوبيين من السودان خاصة وأن أعدادهم زادت بعد الحرب الأخيرة. هؤلاء المطالبون بطرد الجنوبيين لم يراعوا حتى مواثيق الأمم المتحدة وحقوق الإنسان واللاجئين. ولكنهم مدفوعين بأسباب غير معروفة يطالبون بترحيل الجنوبيين جنوباً ولهم حججهم وبراهينهم التي يرونها منطقية وعقلانية ويراها سواهم غير ذلك.
بصراحة جل إن لم نقل كل المطالبين بترحيل الجنوبيين جنوباً لا علاقة لهم أو معرفة تفصيلية بحياة الرعاة في جنوب كردفان وشمالها من بقارة وغنّامة وأبّاله. و كذلك سكان جنوب دار فور القديمة من العرب الرُّحّل أصحاب السعية. لا أريد الدخول في الحديث السفسطائي البيزنطي الذي يقول باستقرار العرب الرحل. فهذا كلام قاعات وأكاديميين لا يفقهون ما يقولون. بالمختصر المفيد أنك لو حاولت كعربي سيّاري ربط بقرتك في الجنوب بعد شهر يونيو فستقطع حبلها وتتجه شمالاً في رحلة الصيف المعروفة. وكذلك لو حاولت قفلها في غرفة مكيفة الهواء في القوز في شهر أكتوبر فستقفز بالشباك وتترك الإسبليت وتتجه جنوباً نحو البحر في رحلة الشتاء المعروفة. وعليه نطلب من المتمشدقين باستقرار العرب الرحل أن يقنعوا البقر في الأول بعدين نحنا هينين.
المصيبة تكمن في أن الذين يقولون بطرد الجنوبيين لم يقدموا حلاً ناجعاً للعرب الرحل لو الجنوبيون طردوهم من خشم البحر في الفترة من ديسمبر وحتى نهاية مايو من كل عام؟ إنعدام الماء والكلأ في جنوب كردفان وجنوب دار فور في فصل الصيف يعرفه القاصي والداني، ولو سلمنا جدلاً بأن الماء يمكن توفيره فكيف يتم توفير الكلأ لملايين الرؤوس من الجمال والأغنام بنوعيها والماشية؟ إنه المستحيل بعينه لو قال قائل أن توفير الكلأ ممكن أو سهل. لست مع بقاء الجنوبيين في السودان أو طردهم منه، فقد اِختاروا الإنفصال بطوعهم وكامل وعيهم. لكن ينبغي وإن كان لابد مما لابد منه فالمفروض طردهم بطريقة دبلوماسية بحيث لا نشعرهم بأنهم مطرودين وغير مرغوب فيهم. فهنالك عدة طرق تجعلهم يقتنعون أن بقاءهم في السودان ليس في مصلحتهم ولن يستفيدوا منه شيئاً. وعندها سيرحلون دون ضوضاء ودون أن يصيبنا رشاش من أميركا وصويحباتها.
لا يمكن للجنوبيين البقاء في السودان بدون عمل. فبمنعهم من العمل بطريقة غير مباشرة ستجد أنهم يفضلون الرحيل على البقاء. لكن ستواجه من يحاول هذه الفكرة ضعف نفوس السودانيين. ففي العقدين الأخيرين تغيرت أخلاقيات السودانيين إلى أسوأ من السوء نفسه. والحكاية لا تحتاج لشرح. لا يمكن لأي جهة أمنية أن تقوم بهذا العمل مالم يتعاون معها المواطنون من صغيرهم لكبيرهم. فماذا تقول لصاحب المصنع الذي يستخدم جنوبي وهنالك أكثر من شمالي يمكنه سد تلك الخانة؟ وعليه قس.
لقد إنحاز الجميع لمصالحهم الشخصية والذاتية ولا يهم الكثيرون إن حرق الوطن أو غرق طالما أموره تسير عال العال، وهنا تكمن المصيبة التي بلا علاج. وحتى لا نغرق في شبر مية ونخسر ثروتنا الحيوانية في صيف واحد جراء تهور من لا يحبون الجنوبيين واصواتهم عالية علينا البحث عن حل بالليد وليس بالسنون. ولهذا من منطلق نفس الرأي العوج الذي يطالب بطرد الجنوبيين نطالب نحن كعرب رُحّل لنا مآرب ومصالح حيوية في الجنوب والبحر على وجه الخصوص نطالب ببقاء الجنوبيين في السودان اسوة بغيرهم من شعوب الدول المجاورة لنا كمصر مثلاً. فعندنا لا فرق بين مصري وجنوبي ونعتبر الجنوبي أكثر فائدة لنا من المصري، ومن يقل بغير ذلك فليأتنا بحجته وبراهينه على صواب رأيه وخطل رأينا. (العوج راي والعديل راي).
كباشي النور الصافي
رمضان كريم. زر قناتي في اليوتيوب من فضلك واشترك معنا
http://www.youtube.com/user/KabbashiSudan
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.