سمعنا المثل القائل: (البصل كله ريحته واحدة). بصلنا هنا هو العسكر في السودان. وقبل أن نبدأ نقول أن لكل قاعدة شواذ. فإذا وجدت عسكري سوداني لا يحمل نفس الرائحة فهو الشاذ، سوار الذهب مثلاً. وربما عبود الذي غيّبته التقارير المفبركة عن معرفة الحاصل بالضبط. فعندما شاهد المظاهرات سأل: هل كل هؤلاء الناس لا يريدوننا؟ وعندما جاءه الرد بالإيجاب، أعلن حل المجلس العسكري وإنتهت حقبة نوفمبر.

جاء النميري محمولاً على أكتاف الشيوعيين بخيلهم وخيلائهم مع نكرانهم لذلك. كان النميري كالثور في مستودع الخزف. يقولون عنه – وهي من الإشاعات التي روّج لها الشيوعيين والكيزان- أنه بليد! لم أفهم كيف يكون الرجل بليداً ويحكم السودان 16 عاماً ليس لحِكَمِ يستوعبها ويطبِّقها بل لاستفادته من تناقضات من حوله وأطماع من يريد ورثته بكل سهولة. استغلّ النميري إندفاع الشيوعيين وتوابعهم من القوميين العرب والإشتراكيين العرب والمستفيدين الفوريين وضرب الأنصار في مجزرتي ود نوباوي والجزيرة أبا.


وكما يقول البقارة: (أُم كُورو انقلبت على ضنبها)، انقلب النميري على الشيوعيين وأبادهم في مجزرة يوليو 1971 المعروفة. فقد استغل تلك الحركة التي أنكرها الجميع وجعلها سبباً ليقضي على الشيوعيين ومن يلف لفّهم. فهل رجل بهذه الإنتهازية يُعتبر بليداً؟ البليد هو من لا يجيد التصرف عند الزنقة. لكن نجد نميري خرج من كل زنقاته على كثرتها منتصراً مستغلاً تضارب المصالح لمن حوله من البشر الطامعين.


لم يقف النميري عند هذا الحد، بل تقدّم خطوة أكثر خطورة عندما قام قومته المشهورة على العساكر بقيادة عبد الماجد حامد خليل القائد العام ورئيس أركان القوات المسلحة آنذاك ومن كان معهما في ذلك الإجتماع الشهير، حيث تركهم يتحدثون بحرية أكثر من ما هو متاح. وتغدى بهم قبل أن يتعشُّوا به في مجزرة كبار الضباط المعروفة والتي جعلت كثيرين منهم يلجأون لتجارة الضان والبلح.


لا أريد أن أزكِّي النميري فبيننا نحن الأنصار والنميري ما صنع الحداد ومستر كلاشينيكوف.. لكنه الآن بين رحاب ربه ونترك لله أن يقتصّ حق الأنصار الذين ظلمهم يوم لا ظلّ إلا ظلِّه. فرجل يتصرّف كل تلك التصرفات ويخرج كل مرة سالماً كالشعرة من العجين ويُدمِّر أعداءه والمتربصين به الدوائر بتلك الطرق ليس بليداً فهو أذكى منهم جميعاً وإن كانت تصرفاته خطأ وغير مقبولة ولكنه أُجبِر عليها وكان يقاتل وظهره للحائط. فإن لم يفعل ما فعل فسيجد نفسه في خبركان.


أطلق الشعب على النميري اسم أب عاج أخوي وذلك نتيجة للأغنية المشهورة في ذلك الزمن. وكان فتوة في  الحكومة مثل ما كان فتوة في شبابه. سمعنا – والله أعلم- أنه كان يضرب الوزراء المخطئون بونية وشلوت وكف. وكم ظهرت قصص كثيرة عن ضربه للوزير فلان وطرده للوزير علان وإن لم نكن قد شاهدنا ذلك بأعيننا. ولكن في السودان الإشاعة هي الوجه الآخر للحقيقة. والعرب قالت: (ما في طق بلا شق). خلاصة الأمر أن نميري كان يقود نفسه بنفسه ويعمل بنظرية معروفة وهي Trial & Error يعني يا خابت يا جابت، إلى أن وقعت الفأس في الرأس وغادر الحكم غير مأسوف عليه.


ماذا عن البشير؟ الرجل جاء من تنظيم سياسي ما كان يجب أن يكون فيه حسب قانون القوات النظامية السودانية. لذا فهو محرّك بواسطة ذلك التنظيم يسيِّره حسب ما يشاء. هنالك ضوابط وكوابح له تفرمله متى ما أراد أن يتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمت له. ألا تلاحظون أن البشير يُكثِرمن كلمة الخطوط الحمراء؟ لم يكن هنالك خلاف بالمعنى المعروف للخلاف بينه وبين الشيخ الترابي ولكن خلاف من هم خلف البشير كعلي عثمان ونافع هو الذي دفع وعجّل بما حدث في نهاية العام 1999، أو المفاصلة كما يطلق عليها.


إن البشير في الحكم مثل الملكة كوين اليزابيث 2 فهو يملك الحكم ولكنه لا يحكم. الفرق بينه وبين الملكة أن الملكة اليزابيث 2 هي سيدة البلد وهو مواطن عادي قفز على السلطة بليل على ظهر دبابة يسوقها تنظيم هو ترس في آلته وليس رئيسه ولا المتنفذ فيه مثل ما كان النميري متنفذاً في (صورة) مايو (الظافرة) (الخالدة) بإذن الله!! لم نسمع للبشير بتصرِّف واحد أظهر فيه العين الحمراء لأي من منسوبيه والذي يعملون تحته! فهو يعلم أن هؤلاء مثله تماماً تروس في آلة الحكم التي أتته على طبق من ذهب. لا يمكنه أن يستأسد عليهم أو يتًنمُّر بفرض رأي غير موافقين عليه أو مقتنعين به.


تأكيداً لما أوردت دلُّوني على تصرف وحيد للبشير زجر فيه أحد منسوبيه أو تمّ طرده من الحكومة لارتكابه خطأً إدّاً يستحق عليه عقوبة الطرد من الميري الذي يتمرّغ فيه؟ الحكي عن الفساد زاد وفات الحد هذين الأسبوعين وكله ثابت بالنجيضة فماذا إتخذ الرئيس من قرارات سياسية ولا نقول قضائية لوقف الفاسدين عند حدِّهم إن كان لفسادهم حد؟


لماذا لا يوقف والي الخرطوم مثلاً حتى يتم التحقيق بشفافية لا يؤثر عليها وجود الوالي في مقعده وبعد نهاية التحقيق يُرجع الوالي لمكانه إن كان برئياً أو يرمى في مزبلة التاريخ الإنقاذي ليكون عبرة لمن يعتبر! لم يفعل البشير كل هذا لسبب لا يمكن أن ينكره. فهو يعلم بكل ما يجري تحت رجليه بل هو مشارك فيه مشاركة فعلية وليست إسمية وأخشى أن أقول ربما يأخذ (نص الستة) كما يقول جماعة الموائد العامرة في ذلك الزمان الطيِّب. (العوج راي والعديل راي).


كباشي النور الصافي

قناتي في اليوتيوب

http://www.youtube.com/user/KabbashiSudan

////////