قد لا يخطر على بال كبار مسؤولي الإنقاذ والمتنفذين فيها فكرة زوال الإنقاذ وقيام حكم ديمقراطي مسنود من الشعب بعدها. لقد نسوا الآية الكريمة التي تقول: (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء). أدّى انغماسهم في ملذات الدنيا الفانية نسيان القول المأثور: (لو دامت لغيرك لما آلت إليك). وكما قال المغني الكردفاني: (الدنيا ما دوّامة).

لكن قل لي مَن نحاكم؟ قليلون شاركوا في إجهاض الحكم الديمقراطي بما فيهم أسياد الوجعة الذين كانوا على سدّة الحكم مضافاً إليهم الذين تحركوا بليل شؤم وقلبوا النظام من العسكريين و المدنيين المعسكرين من معسكر الجبهة الإسلامية المشاركة في برلمان ذلك الوقت.

بالتسيُّب واللامبالاة ساهم كل المسؤلين عن الأمن في حقبة الديمقراطية بنجاح الإنقلاب. وقائمة هؤلاء تشمل: رئيس الوزراء. وزير الداخلية. وزير الأمن. وزير الدفاع. قائد القوات المسلحة. رئيس هيئة أركان القوات المسلحة ونوّابه. قائد الشرطة ومنسوبيه من ضباط شرط المباحث الكبار. لكل واحد من هؤلاء دور أُنيط به، فلو قام بدوره كاملاً لما صرنا لما نحن فيه الآن. منهم الغافل الذي لا يعرف ما يجري تحت قدميه وهو الرجل الغير مناسب في المكان الغير مناسب والزمان غير المناسب. وفيهم الجاهل بأمر الوظيفة التي يحتلها، لأنه لم يحتلها عن جدارة ولكن وجد نفسه في الكرسي الوثير نتيجة لأعمال لا تمِتُ للصالح العام بشئ، فموازنات قبلية أو سياسية أو محاباة بلا مبرر أتت به. هؤلاء قليلو العدد ومعروفون للكل ولا يشكلون مشكلة في المحاكمة إذا أريد محاكمتهم.

الذين خططوا ودبّروا لقيام الإنقلاب والذين قادوه من الصفوف الأمامية ومن قادوه من الصفوف الخلفية متخفين ولكن دورهم هو عظم ظهر الإنقلاب. منهم العساكر الذين حنثوا القسم الذي أدُّوه وشاركوا في الإنقلاب ومن قبله إنضمامهم لحزب سياسي وهذا يتناقض مع القوانين العسكرية التي كان عليهم إحترامها طالما إرتضوا الجندية مجال عمل.

المعروف للجميع أن الجبهة الإسلامية القومية هي المخطط والمدبِّر لإنقلاب الإنقاذ. شارك فيه السياسيون قاطبة بالتخطيط المدروس ووضع خطة العمل بعد الإستيلاء على السلطة. ربما يقول قائل أن هنالك عدد بسيط من قيادة الجبهة الإسلامية القومية لا علم له بما حدث وبما كان يُخطط له من قبل بعض قادة الجبهة واستبعدوا عدداً منهم لأسباب تخصهم في التنظيم، وهؤلاء قد  لا يتعدون أصابع اليد الواحدة.

هنالك من حمل السلاح من المدنيين المدربين على السلاح من أيام حكم النميري. شاركوا في العملية الإنقلابية من بدايتها ووفّروا التغطية الأمنية العسكرية قبل الحصول على الذخيرة والسلاح للإنقلابيين في القوات المسلحة. هؤلاء دورهم أعظم جرماً من غيرهم. ساهموا في استتاب الأمن للحكم الجديد وماهم بمسؤولين عن الأمن ولا هم قوات نظامية تقوم بدورها المعتاد.

فترة العشر سنوات الأولى من العام 1989 وحتى عام المفاصلة رمضان 1999 هي أسوأ فترة حكم مرّت على البلاد. هي فترة التمكين وعزل الشعب السوداني عن وطنه وأهله وبنيه وفصيلته التي تأويه. خلال هذه الفترة لا ينكر أي مكابر من كوادر الجبهة مشاركته إبتداءً من شيخهم الترابي ومروراً بشيخ علي إبان توليه وزارة الرعاية الإجتماعية. وشيخ علي هو أس البلاء في هذا التنظيم الأخطبوطي الفاسد من رأسه حتى أخمص قدميه. الكل يعرف ماذا فعل شيخ علي بفلوس الزكاة التي كانت تُحمل له في زكائب (شوالات) بدون إيصالات تسليم وتسلُّم! وأين وكيف كان يصرفها. تصرّف شيخ علي في أموال الزكاة كأنها ورث له من أسلافه الذكور. إشترى الذمم المعروضة في سوق الله أكبر من ضعاف النفوس الذين يغريهم رنين الدينار ولون الدولار. وكوّن حوله بطانة من الفاسدين والمفسدين الذين أزكمت روائح فسادهم أنوف عباد الله الصابرين.

لكي يشغلوا الشعب بأمور المعيشة قاموا بتدمير الخدمات الطبية والصحية وكذلك التعليم. لم يخصصوا النسبة الصحيحة من الميزانية للتعليم والصحة. ركّزوا على الجانب الأمني من السلطة. ووفروا الميزانية المفتوحة للأمن ومتطلباته التي لا تنتهي. وتولى الأمن زبانية النظام من لدن نافع وحتى صلاح قوش وما بينهما جهاز الأمن الوطني. عاثوا فيه فساداً وعاسوا فيه بما يروق لهم. وما حدث خلال فترة الرجلين وما بينهما لا يحتاج لشرح فما زال شهود عيانه أحياء يرزقون. قتلوا كل من وقف أمامهم بدم بارد حتى ولو كان وقوف ذلك الشهيد وقوفاً سلمياً. فلم يحمل سلاح ولم يقتل نفساً ولم يقيم حرابة أو فساد في الأرض. لكنهم قتلوه حقداً وكرهاً وتمكيناً لسلطة الدنيا الزائلة.

سنأتي على التدمير الاقتصادي لكل من هو ليس من بطانتهم ومعه تدمير المشاريع القومية الكبيرة المعروفة للجميع في المقال التالي  لندلف بعدها لمَن يُحاكِم مَن وكيف تتم المحاكمات؟ بقدرة الله. (العوج راي والعديل راي)

كباشي النور الصافي
من فضلك زر قناتي في اليوتيوب وإشترك معنا فيها:
http://www.youtube.com/user/KabbashiSudan
////////