جلس في ركن محطة الإستاد بالخرطوم وهو مشغول عن ثلاثة يتحدثون، عندما أصاغ لهم بأذنيه، كانوا يتحدثون عن طبيب قيل قتل وطالب جامعة اغتيل وهم يتعجبون كيف أن هؤلاء "المرتاحين" يخرجون ليموتوا، أتفقوا فيما بينهم أن يشاركوا في مظاهرة الخميس 7 نوفمبر. تنبه حينها ونظر إليهم كانوا أثنين من ماسحي الورنيش وصاحب طبلية سجاير.

عندما كتب محمد المكي إبراهيم أناشيد أكتوبر، النشيد السادس: للشعب "إنني أومن بالشعب، حبيبي وأبي وبأبناء بلادي البسطاء وبأبناء بلادي الفقراء، الذين اقتحموا النارَ فصاروا في يد الشعب مشاعل"، لكن عندما تنظر لصور المظاهرات سوف تجد البسطاء، لكن لن تجد أثراً الفقراء، فقد كانت ثورة الطبقة الوسطى وذهب الفقراء إلى الأناشيد. في أبريل، رغم وجود معسكرات الجوعى من دارفور وكردفان في ضواحي أمبدة، لاتجد لهم أثراً في صور المظاهرات. أحياناً ظهر بعض من أطلق عليهم "الشماشة" وأحتفى بهم رومانسيوا الثورة وغابوا بعدها في النسيان، فقد كانت أبريل ثورة العاصمة تماماً.

تغيرت ديمغرافية المظاهرات من شمولها المدن والقرى، النساء والرجال، أبناء الطبقة الوسطى والفقراء والمهمشين، تامي الصحة والمعوقين وغيرهم. ربما يشارك بعض الفقراء ولكنهم مهمومون بقضايا يومهم، من أي زبالة سيأكلون، وكيف يحصلون على بضع نقود ليتحركوا بها وماذا يغطيهم من زمهرير الليل وهكذا. لكنهم عندما يأتون سيجدون أنهم بيننا وقد تحدد لغالبيتهم يوم الأربعاء من كل أسبوع يوم لأهل الريف وأصحاب الحق ثم خصص يوم 14 فبراير لمفرخة الفقر "الحروب والانتهاكات". رغم ذلك عليهم أن يكونوا في قمة أجندة أولوياتنا، ويطرحون في برامجنا. هذه محاولة لكي نعيد الإنسانية لمجتمعنا ونزيل العار الوطني.


موجات الفقر السودانية وخصائصها
نمط إستراتيجيات التنمية الموروث منذ القدم، والحروب التي خاضها الخليفة التعايشي (1885-1898) وادت لانهيار حياة العديد من المجتمعات، كانت المصادر الأساسية لأول موجات الفقراء الذين توافدوا على المشاريع الزراعية في النيل الابيض، الجزيرة، القضارف. هؤلاء هم اجداد القبائل التي نزحت من دارفور وكردفان وشكلت القوى العاملة في هذه المشاريع. سكنوا الكامبوهات، القطاطي وبيوت الطين في الجزيرة ابا على شواطيء النيل. أبناء هؤلاء تم استيعابهم في دائرة دولة التعليم والصحة المجانية واستطاع كثير منهم الافلات من دائرة الفقر.
مع منتصف السبعينات بدأ السودان يشهد تحولات إجتماعية وإقتصادية اعنف واشد قسوة، بدأت الدولة بالاستجابة لروشتة الصندوق بالتخلي عن دولة التعليم والصحة المجانية، الانكماش في الوظائف والاجور وغيرها. أيضاً عاني السودان آنذاك من توزيع اراضي الزراعة المطرية بعد نزعها من ملاكها الاصليين، سوء إدارة المشاريع الزراعية والعوامل الطبيعية من الجفاف الذي اصاب المنطقة. وبدأت الموجة الثانية بتكاثر اعدادهم، الزيادة والظهور في طرقات المدن وفي مجاري الامطار. هذه الفئة التي تنامت منذ اواخر السبعينات اطلق عليهم بعد ذلك الشماسة.

في الثمانينات جاءت الموجة الثالثة من الفقراء، بنوعين من الفقراء كانوا الأثر المباشر للسياسات التي سادت آنذاك. النوع الأول كان بدء هجرة الجنوبيين في رحلة عذاب طويلة إلي الشمال والدول المجاورة، المجموعات التي اسست أحياء اطراف حاج يوسف، مايو، السلام ...الخ. النوع الثاني أيضاً ترحلوا طويلاً بعدما اجتاحت المجاعة غرب السودان، وبالأخص إقليم دارفور، في عام 1984 مما حدا بهم إلي النزوح إلي أقرب مدينة بحثاً عن ضروريات الحياة حتى وصلت طلائعهم إلي معسكرات المويلح، الشيخ أبو زيد على مشارف أم درمان.

مع هذه المجموعات سيبدأ ظهور المنظمات الإسلامية المحلية أولاً، ثم ستتبعها المنظمات العالمية في السودان بشكل كبير، التي لن تغادر السودان بعد ذلك. من هذه المجموعات ستبدا خصائص جديدة فقد هاجروا إلي مدن دولة الفساد والاستبداد المايوية وقد افل نجم دولة التعليم والصحة المجانية، ودخلوا دائرة فقر متشابكة لن يفلتوا منها لاهم ولا ابنائهم. هذه سنوات بداية إستراتيجيات محاربة الفقر من صندوق التقد والبنك الدوليين، لانها عمت القارة الافريقية بسوء ادارة إقتصادها، الفساد الكبير، حروبها وكوارثها الطبيعية والجفاف الطويل.

الموجة الرابعة من الفقراء، كدسها نظام الإنقاذ طوال ثلاثة عقدين. هذه الموجة تكونت من مدقعي الفقر. أنضم إليهم ضحايا حرب دارفور، تبعهم بعد قليل نازحي جبال النوبة والنيل الازرق. لقد افلحت الإنقاذ في أن تقيم افضل نظام، واكفأ عملية لتوليد الفقر والعجز والاخفاق، وانتجت البلاد البترول الذي نجح في وضع أكثر من 50% من السكان تحت خط الفقر (اقل من دولار في اليوم) و40% على عتبة الفقر (دولارين في اليوم).


تعريف الفقر
يعرف على أنه حالة من الحرمان المادي الذي يترجم بانخفاض استهلاك الغذاء، كماً ونوعاً، وتدني الوضع الصحي، التعليمي، السكني، الحرمان من السلع المعمرة والأصول المادية الآخرى، فقدان الضمانات لمواجهة الحالات الصعبة كالمرض والإعاقة والبطالة وغيرها
يورد صندوق النقد الدولي الاطار العام لصياغة إستراتيجيات الحد من الفقر من البلدان الأعضاء من مشاورات واسعة مع أصحاب المصلحة والشركاء في التنمية. هذه الكلمات المنمقة الجميلة خادعة تماماً، كما اشارت كاستورى سن مديرة ابحاث إنتراك (مركز ابحاث وتدريب المنظمات غير الحكومية الدولية، اكسفورد، بريطانيا) "وهكذا، فان أساس وثيقة إستراتيجيات تخفيف حدة الفقر هو سياسات اقتصادية كبرى يقودها السوق، وهي ترتبط ارتباطا وثيقاً بتسهيلات تخفيف الفقر الخاصة بالبنك الدولي، وهو اسم جديد لسياسة التعديل الهيكلي الحسنة".

وتواصل كاستورى " أن الجزء الاهم من وثيقة إستراتيجيات تخفيف حدة الفقر هو كونها لاتزال تعتمد على التقشف والاقتطاعات المالية مما كان له أثر مباشر على سبل عيش الاغلبية". وتصل إلى نتيجة وصلتها الملايين من الشعوب منذ عقود وحكوماتها تغرق في وحل المنظمات المالية الدولية وتفقرها، يصل بنا الخبير السيد فانتو شيرو للنتيجة التي توصلت اليها الشعوب مراراً وتكراراً "إلا أن الخبير المستقل يذكر أن عناصر المشاركة والشفافية، في أغلب البلدان التي درسها، لم تراع في وضع ورقات استراتيجية الحدّ من الفقر. ونتيجة لذلك، فإن ورقات هذه البلدان تفتقر إلى الصدقية لدى سكانها".

يمكن وبأطمئنان ان نتوصل لنتيجة أن الإنقاذ، وطوال ربع قرن من الحكم المنفرد للسودان نجحت، غير بعض الكباري والطرق والسدود، في تشييد مؤسستين عملاقتين سوف يذكرهما التأريخ: الفساد والفقر. لقد حول نظام الانقاذ شعباً كان يتميز بوفرة الطعام إلى شعب يتقطعه الجوع ويتفنن في ترتيب وجباته من البوش، اللقيمات بالشاي الى اتنين قيقا (سندوتش العيش بالموز).


السياسات الداعمة للفقراء
كانت الكلمة المفتاحية لدي د. صديق أمبدة في تعليقه على تقرير محركات التحول في التنمية، قضايا التنمية والمداخل للحد من الفقر، "الحاجة لسياسات داعمة للفقراء". يعتبر الإنفاق الحكومي، حجمه وكيفية توزيعه، من الادوات الفاعلة في التأثير على الحد من الفقر. وتدعو كل منظمات المجتمع المدني واحزابها لخفض الانفاق الحكومي وخصوصاً الانفاق المتعلق بالسلع الاستهلاكية والكمالية والحد من الاسراف والتبذير في القطاعات الحكومية. توجة الدول وانحيازاتها يحددها الانفاق على إشباع الحاجات العامة (الصحة، التعليم، المياه، السكن وغيرها)، او تحويل الانفاق من انشطة لاخرى، التركيز على قطاعات انتاجية بعينها (مثل الزراعة والصناعات الصغيرة)، السياسات التميزية (مثل قطاع التعليم، ولايات بعينها وهكذا). إن قراءة الميزانية العامة لدولة ما توضح بشكل محدد توجهات الدولة وانحيازاتها وهي احد أسس السياسات الداعمة للفقراء.


الطريق السوداني لازالة الفقر والعطالة
إزالة الفقر انحياز اجتماعي، وآلية التعليم والصحة المجانيين هامة في الحد من الفقر. عندما حدث الاتفاق العالمي لرفع مساهمة الدول للانفاق في التعليم والصحة ل 15% من الانفاق الحكومي، كان الهدف أن لايضطر الافراد والاسر لتحمله لكي تتعالج او يذهب ابنائها للمدارس. بمعني آخر يمكن اضافة هذا المبلغ إلى الدخل السنوي للفرد الفقير باعتباره عائداً مباشراً لشراء سلع يحتاج اليها وتوفرها له الدولة. إذا لم تتوفر هذه الخدمات فما يحدث ببساطة أن لا يذهب الاطفال للمدارس، ويموتون من أمراض يمكن الوقاية منها.


الهيئة الوطنية لازالة الفقر
هناك مؤسسات عديدة تدعي أنها تعمل في مجال الفقر، اقترح أن تتوحد كل جهود هذه الجهات في مؤسسة واحدة: الهيئة الوطنية لازالة الفقر، هيئة مستقلة ذات شخصية اعتبارية تتبع لراس الدولة، وتقدم تقريرها السنوي للمراجع العام. تشارك كافة منظمات المجتمع المدني، الاعلام والمنظمات ذات العلاقة في الرقابة على هذه الهيئة وفق آليات متفق عليها. ترصد 10% من الميزانية السنوية للهيئة للانفاق على تحقيق الاهداف. بعد أن تحقق أهدافها يمكن دمجها مرة أخرى في المؤسسات المعنية.

الفقر في السودان متنوع، متعدد وغير مرصود بشكل مطمئن، إن اوجب مسئوليات الهيئة الوطنية لازالة الفقر، إجراء الدراسات المحكمة للوصول لتحديد تعريف سوداني للفقر، رصد اعدادهم، اين يوجدون، الظروف التي تقودهم الى الفقر، احتياجاتهم وغيرها للوصول لخريطة كاملة عن الفقر في السودان. اقترح كمدخل لدراسة الفقر "بروفايل الفقر في السودان" كجزء من الرؤية العامة للدولة (مجانية الصحة والزامية ومجانية التعليم، البرامج الموجهه لاعمار مناطق الحرب والنزاعات، التمييز الإيجابي لبعض المناطق والفئات وغيرها من السياسات المستندة على العدالة الاجتماعية). وتبنى على أساسه المقومات الأساسية لبناء الاستراتيجيات الملائمة وتعتمد على الآليات المقررة (السياسات المالية، الائتمان، دعم المنتج الصغير وغيرها). تجيء المتابعة والتقييم كجزء من الخطط ويعتمد على مؤشراتها ليصبح ما يسمى الآلية المندمجة (built-in).

سيستدعي إنجاز البروفايل البدء بدراسات ومسوحات (من قبيل المسح الاسري) وغيرها. تطوير البروفايل عملية (Process) طويلة وشاقة، لكن إذا تمت فإن أيجابياتها عديدة: أنها تشرك كافة متخذي القرار، الادارات المعنية، ذوي المصلحة، الهياكل الإدارية للدولة، الاعلام ويمكن توسيعها لتشمل المجتمع المدني (الاحزاب، المنظمات المجتمعية، الشباب، المرأة)، المنظمات الدولية المعنية (الصحة، اليونسكو، الانمائي، اليونسيف، الاغذية، الفاو وغيرها). اهم من هذا كله اشراك اصحاب المصلحة الحقيقين: الفقراء، ليجدوا انفسهم داخل هذه الصورة، بل أن يكونوا وسطها.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

//////////////////////////////////