مقدمة للشهداء
إنني أؤمن بالشعبِ
حبيبي وأبي..
وبأبناءِ بلادي الشُرفاء
الذين اقتحموا النارَ
فصاروا بيِد الشَعبِ مَشاعِل
وبأبناءِ بِلادي البُسطاء
الذين انحصدوا في ساحَةِ المَجدِ
فَزِدنا عَددا
وبأبناءِ بلادي الشُهداء
الذين احتقَروا الموتَ
فعاشوا أبدا

لازالت آثار الجريمة تظهر يوماً بعد يوم، وبنات وأبناء بلادي جثثهم تطفوا على ضفاف النيل .

احدثت تظاهرات يوم الأربعاء يوم 14 ديسمبر 2018 في الدمازين احتجاجاً على عدم توافر الخبز وارتفاع أسعاره. وفي 19 ديسمبر 2018 انتقلت لثلاث مدن سودانية هى بورتسودان وعطبره والنهود، وفي الايام التالية أنتشرت المظاهرات وتنوعت وانتشرت. تكرس دور تجمع المهنين السودانيين وحول الاحتجاجات المعيشية بحنكة وذكاء وبسرعة لاحتجاجات سياسية كان عنوانها الابرز: تسقط بس.

السمات العامة للاحتجاجات
ما حدث منذ الاربعاء مختلف عن كل هبات السودان السابقة (اكتوبر 1964، انتفاضة ابريل 1985م، احداث 2012م واحداث سبتمبر 2013 والاضراب السياسي 2016م)، فقد انحصرت في اغلبها في العاصمة، مع مشاركات مختلفة من المدن الكبرى والمنظمات القومية من النقابات والاتحادات وغيرها. هذه الاحتجاجات اختلفت في نوعيتها، المشاركين فيها، تكتيكاتها ومطالبها. رغم ذلك فقد تشاركت في سمات عامة تجمعها.

السمة الجامعة أنها تحركات واسعة شملت كل المدن المتوسطة والصغيرة والارياف، قبل العاصمة وعبرت عن رفض شعبي كامل للنظام وممثليه وأساليب حكمه، ومدخلاته ومخرجاته.

السمة الأولى: أن قادة هذه التحركات كانوا من الشابات والشباب، مسيسين ومنظمين في مواقعهم المحلية. كانوا كالسيل، لاتعرفهم الأجهزة الامنية أو المنظمات المنظمة، يأتون من كل الأمكنة ومن لامكان. كانوا ناتجاً طبيعياً لمعاناتهم طوال الانقاذ وما ذاقوه من إذلال وظلم وعسر الحياة لهم ولأسرهم؛

السمة الثانية: تواصلت المظاهرات منذ الأربعاء يومياً تقريباً في أغلب المدن الاقليمية والعاصمة، نهاراً او ليلاً حسب كل مدينة وتقديرات أهلها. رغم العنف المفرط والرصاص الحي والدوشكا والشهداء كان هناك إصرار على المواصلة؛

السمة الثالثة: أنهم ورغم تباعد المسافات اتبعوا تكتيكات مشتركة ومتنوعة. هدفوا لإنهاك قوى الأمن المختلفة وارباكها عن طريق مظاهرات سريعة متنقلة وآخرى كبيرة، وأستعملوا الوسائط بفعالية واحتراف. رغم التركيز على الهموم المحلية، إلا أنهم ربطوها بالمشترك القومي بدون اتفاقات بين المدن ورفعوا شعارات تقريباً موحدة: اسقاط النظام.

السمة الرابعة: مشاركة غير مسبوقة للنساء السودانيات على كل المستويات وفي كل التحركات الصباحية والليلية حتى ملحمة إعتصام القيادة وبعدها. لم تكن مشاركة مجانية لكن اعتقلن، عذبن، اغتصبن وقتلن من ميادين الاحياء والمدن وحتى القذف في النيل.

السمة الخامسة: في كل المدن الثائرة لم يحدث تعرض لقوى الامن أو اذيتها أو قتلها. لقد حافظت الجموع على السلمية بشكل صارم.

اهداف الموجة الأولى من الثورة
من 19 ديسمبر 2018 م وحتى 11 ابريل كانت الغاية تنحي النظام وتسليم السلطة بشكل عام، لكن الهدف التكتيكي كان التعامل مع الاجهزة الأمنية المتنوعة العلنية منها والسرية والمدججة بكافة أنواع الأسلحة والمال ووسائل الضغط السياسي. كان هدف تحقيق هذه الغاية واضحاً في أذهان الشابات والشبان، بدأ بشكل مشوش، لكن بدا واضحاً مع التحركات اليومية والمواجهات. كان الهدف أنهاك قوى الامن، ارباكها، احباط معنوياتها وتشتت قواها حتى الانهيار الكامل. في هذا الجو العام اكتسبت التحركات والاحتجاجات عناصر التنظيم والتلاحم والتشبيك، وأكتسبت مهارات كبيرة في المناورات مع الأجهزة واصطياد التاتشرات ونصب الكمائن واغلاق المناطق بالتروس المبدعة وغيرها.

طوال هذه الفترة كانت هناك معضلة تتشكل. فقد انتهت مسيرة مليشيا بدأت من بوادي النيجر ومالي وتشاد للعاصمة. وصفهم عبد العزيز بركة ساكن في رواية مسيح دارفور "وتعرفهم أيضًا بلغتهم الغريبة "الضجر" وهي عربي النيجر أو الصحراء الغربية. ليس لديهم نساء ولا أطفال بنات، ليس من بينهم مدني ولا متدين ولا مثقف، ليس من بينهم معلم أو متعلم، مدير أو حرفي، ليست لديهم قرية أو مدينة، أو حتى دولة، ليست لديهم منازل يحنُّون للعودة إليها في نهاية اليوم".

اهداف الموجة الثانية من الثورة
عندما وصلت الجموع لساحة القيادة ورتبت لاعتصامها الذي استمر حتى الاثنين الدامي من المجزرة والاغتصاب ورفد النيل بالضحايا المقيدين والمحملين باثقال الغرق. عندما تم الاعتصام كان الجزء الأول التنحي قد حدث، وتفككت سلسلة التعليمات في الاجهزة الأمنية والشرطية. عندها قاربت قوى الحرية والتغيير (قحت) المطلب الثاني: تسليم السلطة للمدنيين بدأت الاخفاقات.

كان الهدف أن يشكل الاعتصام ضغطاً سياسياً، اقتصادياً، اجتماعياً ودولياً ويساعد في اجبار المجلس على تقديم التنازلات. ولم يخيب المعتصمون الظن فقد جعلوا من القيادة سودانا مصغراً، واثبتوا قدرتهم على إدارة ملايين المعتصمين (المياه والطعام، الخيام والكراسي والمكيفات والجنرترات، والتيار الكهربائي ومنصات شحن الهواتف، ابراج تقوية اشارات الاتصالات، النظافة اليومية للقيادة من التنظيف المكاني وجمع النفايات ونقلها لاماكن تجميع ثم اخراجها من الميدان (كانت هذه العملية تكلف حوالي الف دولار يومياً)، الحمامات واماكن الغسيل والوضوء، امن الميدان من المتسللين ومثيري الفتنة من تفتيش وتتريس المكان ودوريات الحراسة وغيرها، تنظيم الفعاليات الثقافية والسياسية والاجتماعية. أما النجاح الأكبر وسوف يتم كتابتها لاحقاً، كان التمويل والذي ابدع فيه السودانيون من داخل وخارج السودان.

الفرصة الضائعة
قدم بعض المواطنين في الوسائط أنه كان على قحت أن تسرع في إعلان مجلس السيادة وتعين رئيساً للوزراء في النافذة بين الإعلان عن الإنقلاب واذاعة البيان. ورغم عدم تفكيري في ذلك لا أدري إذا كانت فرصة لم نغتنمها، لكن اذكرها للتاريخ.

المفاوضات
تم تكوين لجنة المفاوضات وكانت غير موفقة: فقد ضمت أمرأتين من عدد 15 عضواً (17%) وتكونت بكاملها من النخبة العاصمية (من الطبقة الوسطى المتوسطة والعليا) التي كانت تمثل السودان منذ مؤتمر الخريجين، في وقت كان كل ممثلي الاقاليم والفئات الاجتماعية المختلفة متواجدين في الاعتصام، كما كونت اللجنة الأعلامية من نفس النخبة. الملاحظ أن الممثلين كانوا من أصول الوسط والشمال، ثم ضم مبارك أردول,
من الصعب أن نعرف إذا جلس أعضاء الوفد واتفقوا على إستراتيجية للتفاوض، وإن كنت أجزم أنه حدث (كات هذه من مشاكل الشفافية والتي تعاملت مع المفاوضات كسر عسكري!). كان أول لقاء هو ما حدد مصير المفاوضات القادمة، فقد تم تقديم كل الصلاحيات للمجلس العسكري الانقلابي على طبق من ذهب. علقت على هذا حينها أن تجمع المهيين قاد الثورة سياسياً، بينما تفاوضت قحت بعقلية نقابية مع مخدم.

خطأ البداية جعل من استمرار الاعتصام ضرورة، فبعد التنازل الذي قدم في أول اجتماع كان لابد من وجود الاعتصام للضغط للتنازل. هكذا فقدنا حسابات تحقيق الهدف، فقد كان الاعتصام قد حقق هدفه من الضغط: بيان تكاتف السودانيين من كافة الاقاليم والاعمار والجندر، الإصرار على دولة مدنية، وكان هذا في الاسبوع الثالث والرابع وكان علينا فض الاعتصام آنذاك.

حول الجنجويد كان رأي قد تبلور، وذلك بعد انتشارهم الكثيف وسيطرتهم على العاصمة ومواقفهم المتباينة من المفاوضات. كتبت قبل عام من الثورة في الكتاب الرابع من سلسلة "التنوع في السودان"، "ان الجنجويد اكبر مشاكل دارفور ولكنهم لابد أن يكونوا جزءاً من الحل". وكنت أعتقد أن علينا الرجوع لقواعدنا ونحاول إيجاد حلول لمشكلة الجنجويد، ضمن العدالة الإنتقالية. تمدد الاعتصام وأنتهائه بمأساة انسانية كارثية قلبت كل الموازيين وادخلتنا بلا فواصل للمرحلة الثالثة وأتمنى أن تكون الأخيرة.

اهداف الموجة الثالثة من الثورة
منذ الثالث من يونيو 2019، دخلنا المرحلة الثالثة من الثورة، وهناك اتفاق حول الغاية وهي الدولة المدنية، لكننا لسنا متفقين على هدف أو اهداف أو تكتيكات المرحلة الثالثة، وكيف سنحقق وصولنا للغاية. في هذا الصدد اتقدم ببعض اقتراحات لتدابير ربما تساعد في الاسابيع القادمة في النقاش حول السيناريوهات.

أولاً: من المهم إغناء قيادة قحت بممثلي تنوع السودان إثنياً، جهوياً وفئوياً (أقصد تمثيل فئات فقيرة ومن الطبقة الوسطي الدنيا). والانتقال من الشعارات والايقونات لتحقيق مناصفة المرأة بشكل عملي, هكذا سنقدم للعالم صورة جديدة لحلول لقضايانا حتى قبل الوصول للسلطة؛

ثانياً: تغيير اللجنة الإعلامية لتمثل فيها اعلاميين وصحفيين محترفين وتستطيع القيام بمهامها بمهنية واحترافية، من نافلة القول أن يمثل فيها تنوع السودان. وبناء جهاز إعلامي رقمي تواصلي من كفاءات بالداخل والخارج يتحمل تكلفتها مهاجري السودان وتحسين أداء قناتي سودان بكرة وسودانا؛

ثالثاً: انتقلت قحت للعمل السري مما يعيق المشاورات المعمقة والاجتماعات، لذلك نحن في حاجة لمجموعات دعم أكثر لتنسيقية الحرية والتغيير من مجموعات شبابية منظمة ومنابر بحثية محلية وخارجية يتم فيها العصف الذهني للقضايا التي تحتاج للسيناريوهات والخيارات للقيادة.

اهداف المرحلة الثالثة: بعض الافكار
لدينا معضلات عديدة لكنها كأولويات يمكن أن احددها في الجنجويد، إسقاط المجلس الانقلابي أو ممارسة ضغوط أكثر وجعله يقدم التنازلات المطلوبة ونوع التحركات الشعبية المتوقعة ومدى ارتباطه بالشعار.

مهما حاول حميدتي انكار تورطه في الجرائم ضد الانسانية من دارفور والدبة وحتى العاصمة، فقد التف الحبل حول عنقه وظهر بوضوح أن أي دولة مدنية وتحول ديقراطي لن تقوم لها أساس بوجوده كقوى مليشيا منظمة. الحركة الشعبية عليها انهاك وانهاك وانهاك الجنجويد حتى انهيارهم وحتى يقبلوا أن يتم التعامل معهم كمليشيا وفق الإجراءات المعيارية الدولية (تسليم السلاح، تقديم المجرمين للعدالة، تطبيق مباديء العدالة الإنتقالية ومن ثم التعامل مع الافراد من العودة لأوطانهم أو الدمج في المجتمع إذا كانوا مواطنين).

في ظل غضب شعبي هائل وإحساس بالخيانة والغدر، خاصة بعد الاعتراف بمجزرة القيادة، وبدء تحريك دعاوي قانونية في المحكمة الجنائية الدولية، توثيق الاعتراف في بيان السكرتارية التمهيدية لنادي أعضاء النيابة العامة، من الصعب دعوة الثوار، لبدء المظاهرات والاحتجاجات بدون شعارات واضحة، وفي ظني أي محاولة للتصعيد أو معاودة العصيان سوف تقود مباشرة للدعوة لإسقاط النظام والشعار جاهز: تسقط تالت.

على تجمع المهنيين السودانيين ضبط إيقاع الثورة والتعرف بدقة على مزاج الشعب الغاضب، لأن الثوار في كل ركن من الوطن منظمون في لجان مقاومة لديها من التجارب التكتيكية والميدانية، ولديهم حلم عمدوه بالبمبان والقتل والاغتصاب عبر مشوار نضالي طويل كان ضد دولة الفساد والاستبداد والقمع، حتى اسقاطه ولديها الاستعداد أن تتحول لبراكين ثائرة ضد الجنجويد والمجلس الانقلابي. وتجمع المهنيين السودانيين يمثلني وقوى الحرية والتغيير تمثلني.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
//////////////////